تآكل مفاهيم راجت في الصحافة العربية

محمد سيد رصاص
2020 / 4 / 10


في مرحلة ما بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، أواخر عام 1991، راجت وسيطرت مفاهيم على أجواء الصحافة العربية، مثل «نهاية التاريخ» و«نهاية الأيديولوجيا» و«ما بعد اليمين واليسار: الطريق الثالث» و«العولمة» و«الأحزاب لاتقوم على خطّ فكري توليدي للخط السياسي بل على مجرد البرنامج السياسي». لم تكن المفاهيم من إنتاج عربي، بل غربي، حيث جاءت من عند فرانسيس فوكوياما صاحب مقولة «نهاية التاريخ»، عام 1989، الذي كان ضمن تيار «المحافظين الجدد» الذي مزج بين اليمين الفلسفي المعادي لتيار الحداثة الغربية، وبين الليبرالية الجديدة كمذهب اقتصادي، ومن عند أنطوني غيدنز صاحب «الطريق الثالث»، الذي قدم غطاءً أيديولوجياً لتحوّل «حزب العمّال» البريطاني نحو اليمين، مع فوز طوني بلير برئاسة الوزارة البريطانية عام1997. سيطر تيار «المحافظين الجدد» على إدارة بوش الابن في واشنطن، وسيطرت أفكار غيدنز على «حزب العمّال» البريطاني في فترة بلير. اجتمع بوش الابن وبلير على غزو العراق عام 2003، وقد أيّد المتلقّون العرب لأفكار فوكوياما وغيدنز غزو العراق باعتباره «اقتلاعاً للديكتاتورية».

إذا فحصنا من تلقّى مفاهيم فوكوياما وغيدنز عند العرب، نجد أنّ غالبيتهم من الشيوعيين والماركسيين الذين خلعوا القميص الأحمر على عجل في مرحلة ما بعد السوفيات، بعدما كانوا يحملون أفكار «سمة العصر: التحوّل من الرأسمالية إلى الاشتراكية» و«الوسط في الفكر والسياسة بين اليسار واليمين» و«العالم مقسوم ومتصارع بين الكتلة الرأسمالية والكتلة الاشتراكية وحليفة الأخيرة حركة التحرّر الوطني». لم يكن انتقالهم إلى أفكار فوكوياما وغيدنز نتيجة فحص فكري ـــ سياسي لتجربتهم ومفاهيمهم السابقة، بل عن شعور أيتام بحاجة إلى أبٍ جديد أو حاجة إلى مركز عالمي أو «رفاق كبار»، كما كان يقول خالد بكداش عن السوفيات بأنهم «الرفاق الكبار» في إضمار ضمني بأن الشيوعيين السوريين هم «الصغار» بالقياس إلى من يصفهم بـ«الكبار». كان انتقال هؤلاء السلس من موسكو إلى واشنطن، نتيجة هذه الآلية التي تُبنى فيها الأفكار المحلية من خلال صلتها بمركز عالمي فاعل وقوي ومنتصر، كما كان نموّ الحركة الشيوعية العربية في مرحلة ما بعد خروج الاتحاد السوفياتي منتصراً عام 1945 من الحرب العالمية الثانية، وليس من خلال زرع الماركسية في التربة المحلية، كما فعل الماركسيان ماوتسي تونغ وهوشي مينه في الصين وفييتنام.
بغضّ النظر عن تحوّل فوكوياما لاحقاً عن أفكاره، وعن كون تأثير غيدنز عابراً وقصيراً، إلا أنه لا يمكن القول بأنهما لم يكونا تعبيراً عن حالتين فكريّتين حقيقيتين، الأولى تتعلق بيمين أميركي جديد وجد نفسه مع رونالد ريغان وجورج بوش الأب والابن، منتصراً في معركة الحرب الباردة على السوفيات، ووجد أنّ أفكار اليمين التقليدي ليست مناسبة في مرحلة (القطب الأميركي الواحد للعالم)، والثانية هي انعكاسٌ لتحوّلات الأحزاب الاشتراكية الديموقراطية نحو اليمين وتكيّفاتها مع الانتصار الأميركي على السوفيات. عند العرب، كانت تلك المستجلبات الفكرية ليست تعبيراً عن حالة فكرية حقيقية، كما كانت حالة روجيه غارودي عندما انتقل من الماركسية إلى الفكر الإسلامي أو الحالة المعاكسة التي كانت عند القيادي الشيوعي السوداني أحمد سليمان، عندما انتقل من الحزب الشيوعي السوداني ليصبح قيادياً في «الجبهة القومية الإسلامية» بزعامة حسن الترابي. فمعظم هؤلاء المتحوّلين عن الماركسية لم يكن عندهم إدراك وإلمام معرفيّ بما كان عند فيلسوف «المحافظين الجدد» ليوشتراوس (1899 ـــ 1973)، ولا بما عند منظّرهم الاقتصادي ميلتون فريدمان (1912 ـــ 2006)، ولا بالمسار الفكري للاشتراكية الديموقراطية منذ بداية تبلورها الفكري مع إدوارد برنشتاين عام 1898 وصولاً إلى غيدنز. أرادوا فقط معالجة حالة الفراغ الفكري ـــ السياسي ـــ التنظيمي، التي تولّدت عندهم بتأثير سقوط السوفيات، وهذا كان شاملاً ليس فقط لمن كان تابعاً لموسكو في الأحزاب الشيوعية العربية الرسمية، بل للكثير من المتخاصمين معها من الشيوعيين والماركسيين العرب الذين على ما يبدو كانوا ينظّرون للحزب الشيوعي السوفياتي، كأب أو كـ«الرفيق الكبير» حتى وهم متخاصمون معه.

مع هذا، فإن هؤلاء بأفكارهم الجديدة المستجلبة التي عبّرت عن تحوّلاتهم الجديدة، استطاعوا الهيمنة على الأجواء الفكرية للصحافة العربية، وكانت هيمنتهم طاغية في فترة 1992 ـــ 2008. صالوا وجالوا وساعدهم في ذلك أن اليسار العربي، بجناحيه العروبي والماركسي، كان مهزوماً سياسياً وفكرياً، العروبيون مع هزيمة حزيران 1967، والماركسيون مع سقوط السوفيات عام 1991، ولم يستطيعا القيام على أرجلهما فكرياً وسياسياً من بعد تلك الهزيمتين حتى الآن وتقديم بديل فكري ـــ سياسي جديد لما كان يقدمه ميشال عفلق وعبد الناصر ولينين وستالين. تمّت هيمنة فكرية ـــ سياسية لهؤلاء، ولم يتجرّأ إلا القلّة على مقارعتهم فكرياً وسياسياً، وكان هؤلاء القلّة في موقف دفاعي. قام هؤلاء من الماركسيين ـــ الشيوعيين السابقين، بسدّ الطرق في المنابر الصحافية أمام الرأي الآخر المخالف لهم، وفتحوا الطرق أمام مسايريهم الفكريين والسياسيين حتى ولو كان الأخيرون يملكون موهبة أقل في الكتابة، وفي كثير من الأحيان لا يملكون هذه الموهبة. ساعدهم في ذلك أن التيار الإسلامي الذي كان في مرحلة صعود سياسياً وتنظيمياً في فترة 1967 ـــ 2013 لا يملك حالة الهيمنة الفكرية في أجواء الصحافة العربية، مما ترك الساحة فارغة لهم.
اللافت للنظر، أن أفكار «المحافظين الجدد» قد ماتت في واشنطن مع فشل الأميركيين في تجربتهم العراقية ومع نشوب الأزمة المالية ـــ الاقتصادية في نيويورك، عام 2008، وأنّ أفكار أنطوني غيدنز قد غدت منسية في لندن مع فشل طوني بلير، ومن ثم عودة صعود حزب «المحافظين» البريطاني، أسوة بصعود اليمين الأميركي الجديد مع دونالد ترامب. ماتت وتآكلت الأفكار المستجلبة الجديدة لهؤلاء الماركسيين العرب السابقين، ولم يعودوا يجرؤون على طرح أفكارهم بالقوة نفسها التي كانوا يطرحونها في فترة 1992 ـــ 2008 بعدما ضربت بالحائط في واشنطن ولندن. ولكن لحدّ الآن لم تُكسر هيمنتهم ولم يقدم بديل لهم عند العرب أسوة بما يحصل الآن في الغرب من قِبل يمين جديد ويسار جديد يضعان فوكوياما وغيدنز واللينينية ـــ الستالينية السوفياتية في سلة المهملات.
يقول جورج لوكاتش: «بالفعل، إذ يهيمن عليه معنوياً التمزّق ويعوض عنه ونيف التكبر فإن الشيوعي ـــ سابقاً لا يستطيع أبداً بعد الآن، أن يصير من جديد شخصية منسجمة متّسقة» (كتاب «تحطيم العقل»، الجزء الرابع، دار الحقيقة، بيروت 1982، ص167). وهنا يجب طرح السؤال التالي: ألا تعبّر الهيمنة الفكرية لهؤلاء عن أزمة ومرض الفكر السياسي العربي، وخاصة أنه حتى الآن لم يقدّم بديلاً لأفكارهم كما حصل في الغرب من اليمين واليسار، خلال السنوات العشر الأخيرة، لأفكار فوكوياما وغيدنز؟