فيروس كورونا كبديل للحرب العالمية - أفكار حول الدورة الاقتصادية الفيروسية

مشعل يسار
2020 / 4 / 7

شهد العالم خلال أعوام 2007-2009 أزمة مالية واقتصادية شاملة. ولم تؤد هتلك الأزمة إلى تصفية جميع الاختلالات المتراكمة في الاقتصاد. وبعد نهاية مرحلة التراجع (الطور الحاد منه) في عام 2009، حدث ركود كان مفترضا أن يتلوه انتعاش. الانتعاش انتظروه عاما، فآخر، فثالثاً، لكن التوقعات لم تتحقق. اليوم نحن في العام 2020، ومع ذلك ليس هناك انتعاش.
لنقارن: في الثلاثينيات، استمر الركود من 1933 إلى 1939، ست سنوات. تعفن معذِّبٌ قطعت حبله الحرب. وها هو الركود بعد أزمة 2007-2009 لا يزال مستمراً منذ 11 عاما. ومرة أخرى تعفن مؤلم طال أمده فترة مضاعفة تقريبًا. وضع الركود في الغرب في القرن الحادي والعشرين هو بمعنى ما أفضل مما كان عليه في الثلاثينيات، حيث لم يعد هناك الاتحاد السوفياتي باقتصاده المتطور تطوراً ديناميكيًا. اختفى المنافس السوفيتي للغرب، لكن هناك الصين بمعدلات نمو اقتصادي عالية لم يسبق لها مثيل. فالدينامية الاقتصادية للصين على مدى العقود الثلاثة الماضية يمكن أن تسمى بالتأكيد مرحلة النهوض والازدهار. لم تكن أي دولة غربية لتعرف مثل هذه الطفرة الطويلة في تاريخ الرأسمالية بأكمله. فبات على الغرب أن يفعل شيئا ماً.
طبعاً، فكرة شن حرب كبرى تساعدهم مرة أخرى على التغلب على التناقضات اللعينة لدى نمط الإنتاج الرأسمالي راودت أذهان ممثلي الدوائر الحاكمة الغربية. الفكرة مغرية للغاية، لكنها في الوقت نفسه قد تكون قاتلة. فالحربان الأوليان كانتا بدون أسلحة نووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. أما الحرب العالمية الثالثة فسوف تتطلب حتمًا استخدام أسلحة الدمار الشامل. فكان المطلوب بديلاً ما عن حرب عالمية يمكن أن يكون أعجوبة تساعد على تسوية اختلالات الاقتصاد الرأسمالي وإنعاشه والحفاظ على الوضع الراهن للنخبة الحاكمة.
البديل للحرب الساخنة التي يفضلون اليوم تسميتها بالهجينة يمكن أن تكونه الحرب الباردة. إنها تنطوي على استخدام الوسائل المالية والتجارية والاقتصادية والنفسية والمعلوماتية والأسلحة السيبرانية والأساليب الاستخبارية الخاصة لمحاربة العدو، لكن كل هذا لا يمنح السلطات صلاحيات تتيح الانتقال من أساليب الإدارة الاقتصادية القائمة على السوق إلى أساليب الأمر والنهي في الإدارة. وفقط بمساعدة هذه الأخيرة يمكن التغلب على الاختلالات المتراكمة في الاقتصاد.
... وهنا يظهر الفيروس التاجي، الكورونا. فبدأت السلطات تنفخ في بوق الخطر الداهم، وتخلق جواً من الخوف والذعر في المجتمع. وباستخدام الخوف، تحصل السلطات على صلاحيات غير محدودة، وتبدأ في التدخل بنشاط في الاقتصاد. مثل هذه الأساليب تتعارض مع مبادئ الرأسمالية "المتحضرة"، ولكن، كما يقولون، لن تكون القيادة بالأمر والنهي أبدية. فبمجرد تصحيح الاختلالات في الاقتصاد، سيعود كل شيء إلى طبيعته: ستعود أساليب الإدارة بواسطة السوق، وستستعاد الرأسمالية "المتحضرة" مرة أخرى، وسيبدأ التعافي الذي لن يعتم أن يتحول إلى نمو اقتصادي ...
يقول الخبراء إن نظام "حالة الطوارئ الاقتصادية" سيستمر حتى نهاية العام. وكحد أقصى حتى منتصف العام المقبل. وستكون "الحرب الفيروسية" خاطفة ومظفرة. خلال هذا الوقت، ستحصل حالات إفلاس ضخمة، وسيتم إلغاء الديون وكل مطالبة بالمبالغ المقاسة بالعديد من تريليونات الدولارات. وسوف يتم تنفيس الفقاعات في مجال الأسهم والأسواق المالية الأخرى، وكذلك في أسواق السلع والعقارات. وسوف تنهار رسملة الشركات بعدة تريليونات من الدولارات. وسيبدأ الاقتصاد في "التنفس" مرة أخرى، وسيبدأ الانتعاش الذي سيتحول بعد ذلك إلى النمو الذي طال انتظاره.
لنلاحظ أن "الحرب الفيروسية" ستنتهي لا عندما تُظهر الإحصائيات الطبية انخفاضًا كبيرًا في عدد المصابين والأموات من الفيروسات التاجية، بل عندما تبلغ أسعار الأسهم والأسواق الأخرى القاع. عند هذه النقطة، سيشتري أصحاب الأموال الأصول حين تصبح لا قيمة لها وسيبلغون مستوى جديدًا من السيطرة على الاقتصاد العالمي. وهكذا فإن قرار إنهاء "الحرب الفيروسية" لن يتخذه علماء الأوبئة، بل أصحاب المال.
بعد هذا فقط سيبدأ النمو الاقتصادي. وعندما ينتهي، سيدخل الاقتصاد في مرحلة ركود جديدة، ثم تخرج الدوائر الحاكمة في الغرب بنوع من الفيروسات جديد. ومرة أخرى، سيتم تكرار المسرحية المسماة "مكافحة الوباء". هذا هو المخطط المبدئي الجديد للدورة الاقتصادية. ويمكن أن يسمى بحق الدورة الاقتصادية الفيروسية.
إن مالكي الأموال الذين نظموا الوباء الحالي لا يحتاجون إلى تنمية اقتصادية دورية لا نهاية لها. فضلا عن أنهم لا يحتاجون حتى للرأسمالية ذاتها. إنهم مهتمون فقط بالهدف النهائي - التسلط على العالم. هم يحلمون بإقامة نظام عالمي جديد لا تكون فيه دول قومية، بل تثبَّت فيه الحكومة العالمية. ولن يكون لهذا النظام بعد ذاك أي جامع يجمعه بالرأسمالية الكلاسيكية. يمكن أن يطلق عليه اسم نظام العبودية الجديدة أو الإقطاع الجديد.
لقد كشف اندلاع الحرب الفيروسية عن خطط النخبة العالمية، وسلطت هذه الحرب الضوء على عملائها، وكشفت العديد من أسرار أنشطتها التخريبية. ولسوف يجعل الوباء الملايين من الناس في العالم يفكرون في ما لم يفكروا فيه من قبل، حين كانوا يعتقدون أن مشروع النظام العالمي الجديد هو تخيلات حفنة من منظري المؤامرة. وستكون النتيجة (وهي أخذت تصبح بالفعل) استعداد ملايين الناس حول العالم للقتال. لا، ليس مع الفيروس التاجي، فدعِ الأطباء والمهنيين المحترفين الآخرين يتعاملون معه، ولكن القتال مع أصحاب الأموال إياهم.
----------------
البروفسور في معهد العلاقات الدولية بموسكو MGIMO، المتخصص في الاقتصاد البيئي والتمويل الدولي (العلاقات النقدية الدولية: البنوك والمصارف والذهب في التمويل الدولي) فالنتين كاتاسونوف.
المصدر: مؤسسة الثقافة الاستراتيجية