مقت مصر للشفافية سوف يكون له نتائج عكسية فى أزمة فيروس كورونا

أبوالحسن محمد على
2020 / 4 / 2

بقلم /تيموثى قلدس
صحيفة الجارديان /31 مارس 2020


ربما أن السيسى ليس لديه ما يخفيه ولكن بطشه بأى أحد ينتقد السياسة الرسمية الحكومية يسهم فى تغذية التكهنات و الشائعات.
حينما تكون هناك أزمة صحية عامة فإن الشفافية هى الركن الركين الذى تستند إليه الحكومة و يكون سبيل الحكومة للحد من انتشار الفيروس هو تزويد الناس بالمعلومات و توعيتهم بطريقة مقنعة وللقيام بذلك فلابد من أن تبث الحكومة الثقة لدى الناس. الثقة بأنها تلتزم المسار العلمى و تعمل للصالح العام و أنها تتخذ الاجراءات التى من شأنها أن تحافظ على سلامة الناس. الثقة تعتمد على الشفافية فلو بدا أن الحكومات تحجب البيانات أو تخفى الحقائق فإن مصداقيتهم سرعان ما سوف تتداعى .
لطالما دأبت الحكومة المصرية على اعتبار الشفافية نقطة ضعف و صادرت البيانات كما لوانها تمثل تهديداَ للأمن القومى بل إن قادة مصر –مثلهم فى ذلك مثل ادارة ترامب فى البيت الأبيض- كانت استجابتهم للأنباء الواردة عن أعداد المصابين بفيروس كورونا و كأنها هجوم شخصى عليهم لا على أنها أزمة صحية يناضل العالم بأسره لإحتوائها.
أى أحد يقوم بنشر" الشائعات " عن فيروس كورونا يواجه عقوبتى الحبس و الغرامة كما أن المواقع الإخبارية كموقع قناة ال BBC و موقع قناة الحرة الإخبارية التى تبث من الولايات المتحدة تقوم الحكومة بحجبها بل إن الحكومة سعت إلى تكميم أفواه الصحفيين ومن ذلك أن قام المسئولون المصريون مؤخراَ بطرد Ruth Michaleson الصحفية بجريدة الجارديان البريطانية لنشرها تحقيق يشير إلى أن النموذج الحسابى للأعداد المصابة بفيروس كورونا فعلياَ فى مصر ربما يزيد كثيراَ عن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة .
فى الوقت الذى نشرت فيه الصحفية البريطانية تحقيقها زعمت وزارة الصحة المصرية أن إجمالى عدد الإصابات المؤكدة هو 126 حالة وبدلا من تفنيد ما جاء فى سياق التحقيق الصحفى قامت الحكومة المصرية بمهاجمة صحيفة الجارديان لنشرها التحقيق بل و طرد الصحفية التى كتبت التحقيق من مصر كما وجهت السلطات المصرية تقريعاَ للصحفىDeclan Walsh مدير متب صحيفة نيو يورك تايمز الأمريكية لنشره تغريدة عن هذه الدراسة .
إن سياسة الريبة و التعتيم جعلت من الحكومة المصرية عدو نفسها اللدود بل و فاقمت مما يبدو أن المسئولين المصريين أنفسهم يخشونه: ألا و هو أن يستريب العالم فى أن الحكومة تتستر على الحجم الحقيقى لأعداد المصابين بفيروس كورونا. فطرد الصحفية البريطانية جعل الأخرين يتساءلون عما تخفيه الحكومة المصرية.
ربما ان الحكومة المصرية ليس لديها ما تخفيه على الإطلاق. فحتى الأن ليس هناك دليل على أن هناك تستر منظم على أعداد المصابين بالعدوى فى مصر كما أن استجابة المسئولين المصريين كانت أسرع و أكثر صرامة من نظائرهم فى بريطانيا حيث أنهم سارعوا بإغلاق المدارس و الجامعات كما أوقفوا الرحلات الجوية بل و تعهدت الحكومة بتوفير 100 مليار جنيه مصرى لمجابهة فيروس كورونا.
ليس بوسع أى دولة أن تقول أن السياسة التى أنتهجتها هى المثلى كما أن الإجماع العلمى فيما يتعلق بالفيروس لازال يتشكل و لا يمكن حتى الأن معرفة مدى الضرر الذى سوف يحدثه و كان بامكان مصر أن تقر بأنه مما لا شك فيه أن معظم الدول لديها أعداد اصابات أكثر مما هو معلن وتم تأكيده لأن الفحوصات مازالت محدودة .
فحتى فى المملكة المتحدة نفسها هناك نموذجان مطروحان يختلفان عن بعضهما كل الإختلاف: الأول هو نموذج باحثى كلية امبريال كوليدج بلندن و الذى يقول بأن المعركة مع الفيروس فى بريطانيا لازالت فى طور البداية أما الثانى فهو نموذج باحثى جامعة أوكسفورد و الذى يرى أن نصف الشعب البريطانى (ما يربو على الثلاثين مليون) قد أصيب بالفيروس بالفعل.فى غياب البيانات المتعلقة بالمرض فإن هذه النماذج تعتمد إلى حد ما على الإفتراضات و التكهنات كما جاء فى معرض تحقيق صحيفة الجارديان.
بدلا من أن تقر الحكومة المصرية بتعقد الموضوع و تقوم بمناقشة التقارير الواردة و تشرح وجهة نظرها فى الأمر فإنها بادرت بالهجوم على التقارير مما زاد الشكوك بان الحكومة المصرية لديها ما تخفيه.
بل إن اصرار الحكومة المصرية على عدم الشفافية جعل الكثير من المراقبين و الحكومات الأجنبية ينظرون بعين الريبة إلى ما تدلى به الحكومة من تصريحات. فعندما أسقطت داعش طائرة ركاب روسية فى سيناء عام 2015 أنكرت الحكومة المصرية صحة ما خلص إليه عدد كبير من الدول أنذاك : ألا و هو أن تنظيم ولاية سيناء المنتسب الى داعش هو المسئول و أصر المحققون المصريون على أنه ليس هناك دليل على وجود عمل ارهابى أو أى شبهة اجرامية.
بعد عدة أشهر من الحادثة أقر رئيس مصر عبد الفتاح السيسى - عرضاَ - فى سياق حديثه عن الاقتصاد أن الطائرة أسقطها الإرهابيون و حتى الأن لم يتم الإعلان عن النتائج التى توصلت إليها التحقيقات.إن اصرار الحكومة على عدم التصريح بشئ حتى تتوصل وسائل الإعلام إلى استنتاجات بشأنه بمثابة سعى من الحكومة لإرجاء المناقشة حتى يتناسى الناس الأمر المراد مناقشته.
لقد عانت الكثير من الدول من الهجمات الإرهابية. فالإخافاقات الأمنية القاتلة سمة من سمات هذا العصر . إن الإقرار بالأخطاء و العمل بشكل منفتح مع الحكومات الأخرى على حلها كان ليسهم فى تعزيز الثقة بالحكومة المصرية . لكن الحكومة بدلاَ من ذلك أمضت أشهراَ فى الإنكار و التضليل مما حدا بالكثير من الحكومات إلى الشك فى مدى التزام الحكومة المصرية بتعزيز أمن المطارات.
إن رد فعل الحكومة لم يكن فقط ضاراَ بل انه لم يكن هناك ضرورة له . فبعد حادثة سيناء قامت مصر باتخاذ اجراءات لتعزيز أمن المطارات و قد استمرت هذه الاجراءات الصارمة و لكن الضرر كان قد أصاب سمعة مصر بالفعل و لسوف يستمر هذا الضرر لسنوات قادمة. فالرحلات الجوية من المملكة المتحدة إلى شرم الشيخ لم تستأنف إلا فى فبراير الماضى و لازالت روسيا لا تسمح برحلات جوية إلى منتجع البحر الأحمر.
نفس القصة تتكرر مع فيروس كورونا . إن الأمر سوف يكون أفضل بكثير لو أن الحكومة استجابت بشفافية لمخاوف الناس وكانت منفتحة بشأن التدابير التى تقوم بها . إن الشفافية فى وقت الوباء ليست رفاهية ليبرالية بقدر ما هى سمة جوهرية من سمات الحكم الناجع.