مراحل الأزمة السورية

محمد سيد رصاص
2020 / 3 / 20

بدأت الأزمة السورية مع تظاهرات مدينة درعا، في يوم الجمعة 18 آذار/ مارس 2011، وليس مع تظاهرة سوق الحميدية في دمشق في 15 من الشهر ذاته. من درعا، كانت صفارة بداية لحراك اجتماعي معارض أخذ شكل تظاهرات في مدن وبلدات سورية عدّة (اللاذقية ــ بانياس ــ دوما ــ حمص ــ جسر الشغور)، إضافة إلى منطقة حوران، حصلت في ما تبقى من الشهر المذكور والشهر التالي، ثم انضمّت مدينتا حماة ودير الزور ومناطق واسعة من ريفَي إدلب ودمشق في صيف 2011. كان واضحاً، خلال أشهر أربعة، أنّ حراكاً اجتماعياً عفوياً واسعاً (ثم دخلت الأحزاب على الخط بين حزيران/ يونيو وتشرين الأول/ أكتوبر 2011) يحمل مطالب بالتغيير السياسي، من دون الوصول إلى شعار «إسقاط النظام» الذي لم يظهر سوى في بعض التظاهرات في شهر تموز/ يوليو. نشأت الأزمة السورية من مشهدية الحراك المعارض في مواجهة السلطة، حيث لم يستطع طرفا المشهد إيجاد تسوية بينهما، أو أن يتغلّب أحدهما على الآخر. تكوّنت الأزمة من هذا الاستعصاء التوازني، وهي كانت داخلية في عناصرها، حتى أقلمتها مع مبادرة الجامعة العربية في 2 تشرين ثاني/ نوفمبر 2011.

خلال تلك الأزمة السورية الداخلية، كان لافتاً موقف الأطراف الخارجية: سعت تركيا إلى مصالحة بين السلطة السورية و«جماعة الإخوان المسلمين» منذ نيسان/ إبريل 2011. كان السفير الأميركي روبرت فورد مساهماً رئيسياً في الدفع باتجاه عقد مؤتمر لمعارضين سوريين في فندق «سمير أميس» في 27 حزيران/ يونيو، والذي نقل جلساته التلفزيون الرسمي. كان هناك تصلّب فرنسي وقطري اتّجه نحو القطع مع السلطة السورية، منذ شهر تموز/ يوليو، فيما لم يتّجه الأتراك نحو ذلك إلّا بعد زيارة وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو دمشق، في 9 آب/ أغسطس، وكذلك السعودية التي أعلنت القطيعة مع السلطة السورية، خلال العشرية الأولى من شهر آب/ أغسطس، حتى وصلت الأمور إلى الذروة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، في 18 آب/ أغسطس، من خلال دعوته الرئيس السوري إلى التنحّي، ليتبعه في اليوم ذاته رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون، ووزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون. كان الموقف الإيراني واضحاً، منذ الشهرين الأولين، في مساندة السلطة السورية، فيما لم يتّضح الموقف الروسي سوى عبر فيتو 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 في مجلس الأمن.
هذا الاستقطاب الإقليمي ــ الدولي، الذي نشأ بين الشهرين الثامن والعاشر من عام 2011، على وقع الأزمة السورية ذات الإيقاع الداخلي، نقلها إلى مقلب آخر، وحتى جعل الأطراف السورية المتنازعة تفكّر في تصليب وضعها وتقويته، مثل السلطة التي راهنت منذ ذلك الوقت على دعم إيراني ــ روسي، فيما الكثير من المعارضين ــ وخصوصاً بعد تصريح أوباما، الذي سبق بخمسة أيام سقوط القذافي ــ أصبحوا يراهنون على تكرار سوري للسيناريو الليبي عندما كان السلاح المحلّي المعارض ذريعة لتدخّل «حلف شمال الأطلسي» ضد القذافي، بدءاً من شهر آذار/ مارس 2011. وفعلاً، هذا ما رأيناه عند تشكيل «المجلس الوطني السوري»، في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011، عندما كان طلب «الحماية الدولية للمدنيين»، مترافقاً مع دعم «الجيش السوري الحر»، ومع اتّجاه «الإخوان المسلمين»، وهم الفصيل الرئيسي في المجلس بالتعاون مع «إعلان دمشق»، إلى تبنّي حمل السلاح، الأمر الذي قرّره مجلس شورى الجماعة، خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2011. بعبارة أخرى: على وقع أزمة سورية داخلية، نشأت جبهتا دعم، أي روسيا ــ إيران ــ حزب الله، للسلطة السورية، والولايات المتحدة ــ فرنسا ــ تركيا ــ قطر لـ«المجلس الوطني السوري» والمعارضة المسلّحة، فيما تردّدت السعودية كثيراً، في خريف 2011، وبحر عام 2012، في الانخراط الكثيف في دعم المعارضة السورية، بسبب هواجسها من مدّ الأصولية الإسلامية، بخلاف سياسات الرياض في فترة 2013 ــ 2015، عندما حاولت انتزاع «الائتلاف» من قبضة قطر وتركيا، في أيار/ مايو 2013 عبر ما سُمي بـ«التوسعة» ثم تعاونت مع تركيا في تشكيل «جيش الفتح» في ربيع عام 2015، ما قاد إلى سقوط مركز محافظة إدلب ومدينتي أريحا وجسر الشغور من يدي السلطة.
على الأرجح، أن هذا الاستقطاب الدولي ــ الإقليمي لم يقُد فقط إلى انتفاء محلية الأزمة، وإنّما إلى استحالة نجاح أقلمتها، وبالذات الشكل العربي للأقلمة متمثلاً في مبادرة الجامعة العربية، التي كانت ذات نفس إصلاحي ــ تغييري للواقع السوري، وليست ذات نفس ينحو إلى ما ذهب إليه «المجلس» نحو «إسقاط النظام». وقد كان هناك تعاون كبير بين الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، وبين قياديين من «هيئة التنسيق الوطنية»، في كتابة مسودة المبادرة منذ آب/ أغسطس 2011.

كانت أقلمة الأزمة، من خلال تعريبها، بداية لنقلها من أيدي السوريين، ولكن كان لافتاً للنظر هنا أنّ اللاعب الإقليمي الأكبر في الأزمة السورية أثناء أقلمتها (2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 ــ 21 آذار 2012، عندما بدأ تدويل الأزمة مع صدور البيان الرئاسي من مجلس الأمن بتأييد مبادرة المبعوث الدولي كوفي عنان) لم يكن العرب بل تركيا وإيران. فشلت مبادرة الجامعة العربية، لأنّ العرب لم يكن لهم اليد الطولى في أزمة عربية، كما كانت مصر والسعودية في الأزمة اليمنية 1962 ــ 1970، ولأنّ «الدولي»، أي واشنطن وموسكو، كان أقوى في الأزمة من أنقرة وطهران، إذا لم نقل إن أنقرة كانت مخلب واشنطن في سوريا، كما كانت فرنسا ساركوزي رأس حربة للأميركي ضد القذافي، وهذا ما قاد إلى طريق سالك نحو تدويل الأزمة السورية، التي أصبحت بثلاثة طوابق: سورية ــ إقليمية ــ دولية، ثم أُضيف إليها طابق رابع منذ 9 نيسان/ إبريل 2013، مع تأسيس «داعش»، ليصبح الطابق الرابع عبارة عن المنظّمات العابرة للحدود، وإن كان وجود «جبهة النصرة» منذ إعلانها في 23 كانون الثاني/ يناير 2012، هو الاسم «الكودي» لـ«دولة العراق الإسلامية» بزعامة أبو بكر البغدادي و لـ«تنظيم القاعدة»، الذي كان يتبع له البغدادي حتى تأسيس «داعش».
هنا، تدويل الأزمة السورية كان حصيلة للانخراط الروسي الفعلي فيها، والذي كانت قمة جبل جليده، فيتو 4 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وفيتو 4 شباط/ فبراير 2012، وهو ما منع تكرار السيناريو الليبي، عبر رجب طيب إردوغان في سوريا، وخاصة بعد إرسال الروس أسطول البحر الأسود إلى الساحل السوري، في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2011. اللافت للنظر هنا، أنّ اتفاق الأميركيين والروس حول نصّ تدويلي للأزمة السورية، مثل بيان جنيف 1 في 30 حزيران/ يونيو 2012، لم تعقبه خطوات عملية نحو الحل السياسي، بل بقي حبراً على ورق في ظلّ انخراط أميركي فعلي وواضح المعالم نحو دعم المعارضة السورية المسلّحة، ومع دعم أميركي لداعمي الأخيرة نحو تغيير الواقع على الأرض، من خلال عمليات أمنية (تفجير خلية الأزمة ــ 18 تموز/ يوليو 2012، اقتحام مبنى الأركان العامّة للجيش في قلب دمشق ــ 26 أيلول 2012)، أو عمليات عسكرية قادت إلى تغييرات على الأرض لصالح المعارضة المسلّحة (الأحياء الشرقية لمدينة حلب وأغلب أحياء دير الزور في تموز/ يوليو 2012)، أو عمليات عسكرية حاولت إحداث تغييرات على الأرض (هجوم المعارضة المسلّحة على مدينة دمشق، المنطلق من ريفها نحو المطار وطريق المطار والأحياء الشرقية لدمشق، بدءاً من يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 حتى أواخر العام). كاد الروس أن ينحنوا، من خلال تصريح ميخائيل بوغدانوف أمام الغرفة الاجتماعية الروسية: «في ما يتعلق بالاستعدادات لانتصار المعارضة، فلا يجوز استبعاد ذلك بالطبع. يجب النظر إلى الوقائع. هناك توجّه إلى هذا المسار» (جريدة «الحياة»، 13/12/2012). وكانت هناك مراهنات أميركية على أن التشاؤم الروسي حول الوضع السوري سيؤدي إلى تغييرات عند الكرملين، في طريقة نظره إلى الوضع السوري، وهو ما سارعت موسكو إلى نفيه، بعد الضجّة التي أحدثتها تصريحات بوغدانوف (جريدة «السفير»، 15/12/2012). في هذا الإطار، جاء تزعّم واشنطن لمؤتمر أنطاليا الذي أنشأ قيادة جديدة لـ«الجيش السوري الحر»، استبدل فيه رياض الأسعد بسليم إدريس، ضمن هذا الانخراط الأميركي في دعم المعارضة السورية المسلّحة. وإذا كان قد تزامن ذلك في الأسبوع الثاني من كانون الأول/ ديسمبر 2012، مع القرار الأميركي بوضع «جبهة النصرة» ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، فإنه على ما يبدو كان يعبّر عن جهد أميركي لتغليب «المعتدلين» على «المتطرّفين» في المعارضة المسلّحة، وخاصة مع استبعاد «جبهة النصرة» و«كتائب أحرار الشام» من تشكيلة مؤتمر أنطاليا، الذي حضرته مع أميركا وتركيا، كلٌّ من فرنسا وقطر والسعودية. بالتأكيد، فوجئ الأميركيون في مؤتمر «أصدقاء سوريا» في المغرب، في 12/12/2012، برئيس «الائتلاف» معاذ الخطيب مدافعاً عن «جبهة النصرة»، ورافضاً القرار الأميركي، قبل أن يتبعه في ذلك نائبه جورج صبرة. ولكنّهم، على الأرجح، فوجئوا أكثر عندما ظهرت «النصرة» و«أحرار الشام»، بوصفهما أقوى من تشكيلة أنطاليا، وذلك عندما سيطرا على مطار تفتناز (11/01/2013)، وعلى بلدة مورك شمال حماة، وعلى بلدة الشدادة جنوب الحسكة (شباط/ فبراير)، وعلى مدينة الرقة (03/03/2013).
كان باراك أوباما قد اعترف بـ«الائتلاف» كـ«ممثل للشعب السوري»، في خطوة اعتبرها الروس نقضاً لبيان جنيف، الذي يقول بحلّ توافقي بين السلطة والمعارضة. وعلى ما يبدو، فإنّ الرئيس الأميركي قد اقتنع بالحل التوافقي الذي يمثله بيان جنيف «بعدما أصبح مقتنعاً بأن سيطرة الإسلام الراديكالي على المعارضة المسلّحة ستجعل البديل للنظام السوري، هو دولة إسلامية متطرّفة» (جريدة «نيويورك تايمز»، 27/04/2013). من هنا، ذهاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى موسكو، وعقده اتفاق 7 أيار/ مايو 2013 مع نظيره سيرغي لافروف، لتفعيل بيان جنيف وعقد مؤتمر جنيف 2، الذي أتى وفق القرار 2118 (27 أيلول/ سبتمبر 2013)، الذي وضع النص الكامل لبيان جنيف في سياقه، ولو أنه كقرار أتى حصيلة لتوافق أميركي ــ روسي لنزع السلاح الكيميائي السوري. وقد جاء الاتفاق المذكور حصيلة التدويل الأميركي ــ الروسي، الذي أنتج «جنيف 2» و«جنيف 3»، وما بينهما أتى التدخل العسكري الروسي في سوريا، في 30 أيلول/ سبتمبر 2015، حصيلة توافق أميركي ــــ روسي، ثم القرار 2254.
يمكن أن يكون، هنا، تاريخ 30 أيلول/ سبتمبر 2015، مرحلة جديدة في مسار الأزمة السورية، لأنّه أنتج مفاعيل جديدة منها التقارب الروسي ــ التركي (منذ 9 آب/ أغسطس 2016) ومسار أستانة (الأسبوع الأخير من عام 2016) ومؤتمر سوتشي، الذي أنتج اللجنة الدستورية بتوافق روسي مع الأمم المتحدة، في الشهر الأول من عام 2018، كما أنه أنتج تحالف موسكو ــ طهران ــ أنقرة، عبر قمة سوتشي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017. على الأرجح، فإنّ اتجاه الروس إلى تحالفات في سوريا غير مرضي عنها أميركياً، مع أنقرة وطهران، هي التي دفعت الأميركيين، منذ عام 2016، ومن أجل الضغط على الروس ولموازاة وجودهم، نحو بناء وجود عسكري في قواعد في منطقة شرق الفرات، من خلال استخدام الفرع السوري لحزب عبد الله أوجلان، كمظلة سورية لهذا الوجود العسكري الأميركي. التحالف الروسي ــ التركي سمح لأنقرة بالسيطرة على خط جرابلس ــ الباب ــ إعزاز، عام 2016، وعفرين عام 2018، وخط تل أبيض ــ رأس العين عام 2019، وهو الذي وضع سقوفاً لمعركة محافظة إدلب الأخيرة، من خلال اتفاق 5 آذار/ مارس 2010 في موسكو، بين بوتين وإردوغان.