عن «صفقة القرن»

محمد سيد رصاص
2020 / 2 / 15


يشكل توقيت طرح ما يسمّى بـ«صفقة القرن» مفتاحاً لتحليلها: تمّ تقشير بصل هذه الصفقة، في خريف عام 2017، بحسب ما تسرّب، وقتذاك، عنها في صحيفة «نيويورك تايمز»، والذي ثبت الآن أنه صحيح من حيث المضامين، بعدما تمّ رفع غطاء الطنجرة، على أن يلي ذلك سكب الصحون في سنة 2024. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، كان قد مضى أربعون عاماً على زيارة الرئيس المصري أنور السادات القدس، ويبدو أنّ التقدير في واشنطن ــ تل أبيب بأنّ اهتراء الجسم العربي، إثر فصل الرأس المصري عن الجسم العربي، قد وصل إلى درجة متقدّمة من الاهتراء، بعد المرور بمحطّات كامب دافيد ــ سقوط بغداد ــ انفجار البنى الداخلية لخمسة مجتمعات عربية، في عام 2011، بشكل يتيح المجال لتقبّل الإسرائيلي في الشارع العربي، وليس فقط في القصور الرئاسية والملكية والبلاطات الأميرية، حيث أثبتت تجربتَا مصر والأردن بالنسبة إلى تل أبيب، أنّ السادات والملك حسين ليسا كافيَين لـ«السلام». كان انفجار البنى الداخلية لأربعة مجتمعات عربية جديدة، عام 2019، عاملاً إضافياً مساعداً على التشجّع الأميركي ــ الإسرائيلي لطرح «صفقة القرن»، في يوم الثلاثاء 28 كانون الثاني/ يناير 2020. هنا، كان نضج استسلام حاكم عربي قد استغرق عشر سنوات وخمسة أشهر ونصف، إثر هزيمة 5 حزيران/ يونيو 1967، فيما يبدو أن الإسرائيلي يُدرك أن المسألة مع المجتمع العربي هي أكثر صعوبة وتعقيداً.

عند الزلازل تنكشف التربة تحت السطح: هذا صحيح في الطبيعة، وأيضاً في المجتمع. عبر الزلازل التسعة العربية، انكشف أنّ هناك هوّة سحيقة بين الحاكم (الذي يعبّر في نظم الحكم العربية عن بنية حاكمة تعتمد مبدأ الولاءات لا الكفاءات في المناصب والتعيينات)، وبين شريحة واسعة من المجتمع، وأن ليس هناك اندماج اجتماعي في النطاق الجغرافي الذي يمثّله البلد، وبحيث هناك تتفوّق الطائفة والدين والعشيرة في تحديد الانتماء، وليس الوطن أو العروبة. وهذا يصل إلى حدود يمكن من خلالها أن نقول إن هناك أزمة في تحديد الهوية الوطنية، التي بنُيت على أساسها المجتمعات العربية التسعة، وكلّها من نظم جمهورية. العنف المتبادل أعقَب أغلب هذه الزلازل العربية، وقد استُخدم بين الأطراف الداخلية المتقاتلة، سواء بين السلطات والقوى المسلّحة المعارِضة أو بين أطراف أهلية متقاتلة، ولم تشهد في وحشيته ولا حدوده صراعات مسلّحة داخلية شهدتها بلدان أخرى. نزعة الاستعانة بمن هو خارج الحدود الجغرافية عند السلطات والمعارضات العربية، من أجل حسم هذه الصراعات الداخلية أو تعديل موازينها، كانت غير مسبوقة بهذه الحدود عند غير العرب. الفساد المالي وشراء الذمم عند أغلب المعارضين العرب، أثبت أنّهم «أولاد عم الأنظمة»، إذا لم يكونوا التوأم السيامي لها، وهذا لا يشمل فقط منظمات سياسية، وإنما أيضاً «منظّمات المجتمع المدني» ومثقفين وكتّاباً يتماشون بنشوة مع اتجاه غربي أميركي ــ أوروبي لشراء «نُخَب»، بغضّ النظر عن موهبتها أو عدم موهبتها في السياسة والفكر والثقافة والكتابة، إمّا من أجل خدمات آنية غالباً غير منظورة أو من أجل إنزال طاقم تابع في مرحلة ما بعد التغيير السياسي المدروس في البلد المعني بالباراشوت، كما جرى في عراق ما بعد صدّام حسين.
من المؤكّد، هنا، أن قراءة هذه اللوحة العربية قد شجعت الأميركي ــ الإسرائيلي، إذا لم تكن هي الدافع الأساسي الذي دفع إلى طرح «صفقة القرن». من السطحية أن يقال إنّ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، عندما طرحا هذه الصفقة عبر منصّة واحدة، كان دافعهما استحقاقاً انتخابياً قريباً عند كلّ منهما، وبالتالي تُحرّكهما مصالح حزبية ضيّقة، فالموضوع استراتيجي عند الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ولا تجوز معالجته بالطريقة العربية التقليدية السائدة في الكتابات السياسية العربية. «صفقة القرن» ليست من أجل ترامب أو نتنياهو، وليست موجّهة إلى الأنظمة العربية، بل هي رسالة إلى عنوان محدّد هو المجتمعات العربية.
من أجل تمرير الصفقة، يأمل ترامب ونتنياهو أنّ تقديم إغراءات، مثل مجابهة إيران، يمكن أن يشجّع بعض العرب، وخصوصاً من بعض العرب السنّة هنا أو هناك، على تقبّلها، ونسيان فلسطين وتقبّل وجود إسرائيل. وهما يضربان على وتر حقيقي وليس زائفاً عند العديد من السنّة العرب، الذين شعروا بوضعية شبيهة بالمظلومية الشيعية التاريخية، في مرحلة ما بعد النمو السريع للدور الإقليمي الإيراني الذي لم يستطع، رغم تحالفه مع حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في فلسطين، أن يُخفي اعتماده الرئيسي على قوى إسلامية شيعية في العراق ولبنان واليمن.
على الأرجح، لن ينجح ترامب ونتنياهو في ذلك، لأنّ حجم الهوة الشيعية ــ السنية، التي توسّعت كثيراً في مرحلة ما بعد بغداد 9 نيسان/ أبريل 2003، ستردمها طلبات أميركية ــ إسرائيلية هي شرط لازم لتحقيق «صفقة القرن»: الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، وبالتالي القول الصريح بأن هذه الدولة وفق المشروع الغربي منذ وعد بلفور، وأيضاً عبر الحركة الصهيونية، هي مشروع لوضع التوراة في مجابهة القرآن. الشرط الثاني الأميركي ــ الإسرائيلي، وهو ما كشفه الرئيس محمود عباس، أي «التبادل الزماني والمكاني» للمسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، وهذا شرط سيوحّد ضده السنّي والشيعي وسيدفع الكثير من اليساريين العرب، سواء كانوا متديّنين أو غير متديّنين أو حتى ملحدين، لأن يقتدوا بالمسيحي الماركسي الفلسطيني جورج حبش الذي كان يضع صورة المسجد الأقصى على صدر مكتبه.
كمكثف: إسرائيل تخشى من الزوال على طراز الصليبيين الذين كانوا أيضاً مجتمعاً عسكرياً استيطانياً. هي ترى، والأميركي معها، أنّ الطريق المانع من الزوال هو الاستثمار في الاهتراء الاجتماعي العربي وإنشاء مقبولية اجتماعية عربية، ومنها الفلسطينية، بوجود إسرائيل، بعدما ثبت بأنّ الحاكم العربي ليس شرطاً كافياً لـ«السلام»، وأنّ القنبلة النووية الإسرائيلية لا تكفي لتأمين أمن تلك الدولة. لذلك، فإنّ المغتصِب يحتاج إلى صك براءة ومقبولية من المغتصَب. السؤال الرئيسي: هل تنجح واشنطن وتل أبيب في ذلك؟