تخبُّط روما باسمي الكلدان والآشوريين المُنتحلين ج2

موفق نيسكو
2019 / 12 / 17

تَخبُّط روما باسمي الكلدان والآشوريين المُنتحلين ج2‏
يتبع ج1‏

تحت عنوان (استخدام الرومان للأسماء) يقول الأب جان فييه الدومنيكي: إن وثائق الدوائر البابوية التي تضاعفت نتيجةً محاولات توحيد ‏النساطرة بكنيسة روما في القرن السابع عشر والثامن عشر، فحاولت روما إطلاق أو ترتيب بعض التسميات، ولا يزال هناك بعض التردد في ‏هذا الأمر، فعلى سبيل المثال ممثل روما ليونارد آبيل يستخدم سنة 1597م مصطلحي، الأمة الكلدانية في بلاد آشور أو الأمة الآشورية دون ‏تمييز، بل يذهب إلى القول عن مقر كنيسة بابل (الكلدان فيما بعد) في جزيرة بن عمر (تركيا)، أنه في الموصل، وفي الوثائق الرسمية هو مدينة ‏الموصل في أثور الشرقية، والبطريرك مار عوديشو الرابع (1555-1571م) خليفة سولاقا (الكلداني لاحقاً) سمّتهُ روما أحياناً، بطريرك الآشوريين ‏والكلدان، لكن في معظم الأحيان هو بطريرك الآشوريين والموصل أو بطريرك الأشوريين في المشرق، وإيليا هرمز مطران آمد (ديار بكر) ممثل ‏البطريرك شمعون دنحا التاسع في روما، يُطلق على نفسه سنة 1582م، كلداني من آشور، ويسأل الكاردينال كارافا أن أمته لا تُسَمَّى نسطورية ‏منذ الآن، بل، الكلدانية الشرقية في بلاد آشور، وفي الواقع إن وثيقة سنة 1610م تتحدث عن الكلدان الشرقيين.‏

لقد لاحظ الكاردينال تيسران، أنه في نفس الوقت الذي يجري فيه تثبيت خط سولاقا (نيسكو: أول بطريرك نسطوري تكثلك الذي ستُسَمِّى ‏كنيسته فيما بعد كلدانية)، أعطته روما لقب بطريرك الآشوريون في المشرق، بينما أعطت منافسه النسطوري (التي ستسَمَّى كنيسته فيما بعد ‏آشوريين) البطريرك شمعون برماما إيليا لقب بطريرك بابل، وفي الواقع لم تكن آشور تخضع لبطريرك الأشوريين الشرقيين، لأن حدود هذه المناطق ‏كنسياً كما تم تحديدها سنة 1610م، كانت مخصصة لبطريرك بابل إيليا السابع، وهي أبرشية تمتد من آمد (ديار بكر) إلى آشور )الموصل) ‏وبابل والبصرة، وصولاً إلى أربيل وهكاري وبلاد فارس، أي ما يقرب من كل العراق الحالي، إضافةً إلى جزء من جنوب تركيا، في حين سلطة ‏بطريرك الآشوريين في المشرق شمعون العاشر كانت من بلاد فارس إلى جولاميرك، ومن سعرد إلى آمد، فكيف ستحتفظ روما من الآن فصاعداً ‏بهذه التسميات التي الأطراف المعنية نفسها لم تستخدمها أبداً؟، فالبطريرك إيليا الثامن إضافةً للقبه بطريرك بابل، استخدم لنفسه بطريرك المشرق ‏لكرسي القديس تادوس، ومن ناحية أخرى فشمعون الخامس (شمعون الثامن دنحا) عندما كتب للبابا كليمنت العاشر سنة 1670م، دعا نفسه ‏بطريرك الكرسي في المشرق، (أرجو ملاحظة أنه حتى جان فييه يتخبط، فيُسَمَّي شمعون الخامس، ثم يضعه بين قوسين، ويُسَمِّيه شمعون الثامن ‏دنحا).‏

ابتداءً من عام 1681م، عندما اعتنق الكثلكة مطران آمد وحمل لقب البطريرك يوسف الأول، أصبح ثلاثة بطاركة: يوسف الأول بطريرك ‏الكلدان أو بطريرك بابل في آمد، والثاني شمعون في تركيا- الحدود الإيرانية، والثالث إيليا لبلاد ما بين النهرين، ومركزه في دير الربان هرمز ‏‏(ألقوش)، أو الموصل نفسها.، وباختصار، تظهر وثائق روما في استخدام عنوان أثور من القرن السادس عشر إلى الثامن عشر لتسمية البطريرك من الحدود التركية الفارسية، ‏بينما البطريرك الذي اعتمد عليه في تسمية بلاد أثور القديمة، يُسَمَّى، بطريرك بابل.‏

ينهي الأب فييه كلامه عن التخبط باستهزاء وتهكم على الآشوريون والكلدان الحاليين الجدد بالقول المفروض على القوم أن يعتمدوا كيف ‏يُسَمِّون أنفسهم بلغتهم وفي مصادرهم وليس في مصادر الآخرين كالأوربيين، خاصة أن الكلدان والآشوريين الذين يدَّعون زوراً أنهم سليلي ‏الآشوريون والكلدان القدماء سبقوا اللاتين والإيطاليين، ليأتي أخيراً اللاتين والإيطاليين والإنكليز فيخلطون الحابل بالنابل والجغرافية بالتاريخ، ‏والأسماء بصيغة القوم الأصلية إلى صيغة لغتهم الأجنبية لتصبح هي المرجع ويحددوا هم أسماء تلك الأقوام، ويستشهد باسم أسلاف الآشوريين ‏الحاليين وهو السريان وكيف يأتي الاسم في المصادر المارونية السريانية وكيف يترجموه للعربية؟، قائلاً: ‏
الأمر واضح ويكفي أن نفهم بعضنا البعض، لكن يبدو أن الجغرافيا والتاريخ لم يكن لهما سوى دور ضئيل في تعيين الأسماء المختلفة، ومرة ‏أخرى قبل الحديث عن الآشوريين، يجب على المرء أن يلاحظ كيف يُترجم الموارنة الاسم باللغة السريانية والعربية في أدبياتهم ومراسلتهم، هل ‏أثوري أم سرياني؟، ولكن لسوء الحظ يبدو أن الصيغ اللاتينية أو الإيطالية للأسماء أصبحت هي التي يُستند إليها.‏
‏(مقال فييه الدومنيكي لسنة 1965مThe Syrian East, Madenkha Suryaya) ‎، السريان الشرقيون، سورايَيَا مدنخا‏‎(‎، وانظر الكاردينال، ‏أوجين ايسران خلاصة تايخية للكنيسة الكلدانية، ص113-114).‏

نتيجةً لهذا التخبط فأسماء البطاركة وألقابهم وترتيبهم وسنة جلوسهم أو وفاتهم في قوائم سلسلة بطاركة الكلدان والنساطرة في هذه الفترة ‏المضطربة مختلفة بين كُتَّاب الكنيسة ومؤرخيها أنفسهم، فقسم اعتمد على تاريخ الضريح واعتبر الولادة سنة جلوس، وقسم سَمَّى خلفاء يوحنا ‏سولاقا شمعون الثامن، التاسع واستمروا بالعدد العاشر..إلخ، بينما في الحقيقة سولاقا هو الثامن، وقسم سَمَّى خلط بترقيم الإيليين والشمعونيين، ‏وغيرها، لذلك ترى الجداول تختلف بين يوسف حبي وألبير أبونا وأوجين تيسران ولويس ساكو وغيرهم، بل وتختلف عند الكاتب نفسه من كِتاب ‏لآخر، فمثلاً تختلف عند الأب ألبير أبونا في كتابيه، أدب اللغة الآرامية وتاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، والأغرب فهي تختلف في نفس كتاب ‏الكاتب وفي صفحات متقاربة جداً، فالأب ألبير في كتابه، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج3 ص148، يُسَمِّي البطريرك إيليا (1591-‏‏1617م)، الثامن، بينما يُسَمِّيه السابع في ص150، وهو الصحيح، ويُسَمِّي البطريرك دنحا (1600-1638م) شمعون التاسع ص147، ‏والصحيح هو العاشر، كما ذكرهُ في كتابه "أدب اللغة الآرامية"، ص670، لأن سولاقا هو الثامن، ومن طريف الأمور في ص146-147، ‏يقول الأب ألبير عن الأب الراحل جميل شموئيل: إنه أخطأ حين ظن أن بابا روما بولس الخامس كتب رسالة في 29 حزيران 1917م إلى ‏البطريرك إيليا التاسع، بينما هو إيليا الثامن.‏

‏(نيسكو) الحقيقة أن إيليا هذا، لا هو التاسع كما ظن الأب جميل شموئيل، ولا هو الثامن كما أراد ألبير أن يصحح للأب شموئيل ص147، بل ‏هو إيليا السابع كما يقول الأب ألبير نفسه ص150، وبعدها، وزالسبب أن الأب أبونا وغيره نَقلَ نص الحدث من مصادر مختلفة ولم يقارنها ‏ويدققها بل اعتمد على التخمين والرأي، كما يقول هو: لقد وقع التباس كثير في سلسلة البطاركة وتواريخهم، ونحن هنا نتبنى الأرجح حسب ‏رأينا.(ألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج3 ص132)، والأب ألبير أو غيره، لا يُلام، لأن ذلك الأمر ليس بالأمر الهَيَّن، ففي أحدث ‏كتاب لكنيسة المشرق لكريستوف باومر، يضع المؤلف أربعة أقسام، ويشير بثلاث إشارات (نجمة) لسلسلة البطاركة المتشابكة، نجمة معترف بهم ‏من روما، أي كاثوليك، ونجمتان لمن يستلموا اعتراف بابا روما، وثلاث نجمات لمن انشغلوا بالتفاوض مع روما بدون نتيجة، وطبعاً القسم الرابع ‏لمن بقي نسطورياً.(كريستوف باومر، كنيسة المشرق، ترجمة عمانوئيل الزيباري، ص384).‏

الأب جميل شموئيل الكلداني أيضاً نتيجة التخبط بين الاسمين المنتحلين حديثاً (الآشوريين والكلدان)، لم يكن يعرف اسم كنيسته وملته ‏بالضبط، هل هم، آشوريون أم كلدان؟، فألَّف في روما سنة 1902م كتاب: حقيقة العلاقات بين الكرسي الرسولي (روما) والآشوريين الشرقيين ‏أو كنيسة الكلدان (الأغلبية الساحقة من الكلدان حديثاً أو من هو متعاطف معهم من الكُتَّاب الكاثوليك كالأب فييه، وهروباً من الاسم ‏الآشوري، إمَّا يذكرون اسم الكتاب (العلاقات) فقط، أو يحذفون كلمة الآشوريون فيذكرون اسمه: العلاقات بين الكرسي الرسولي والكلدان!).‏
Samuel Giamil, Genuinae Relationes inter Sedem Apostolicam et Assyriorum Orientalium seu Chaldaeorum Eccles‎‏.‏

غالباً يحاول الكلدان التركيز على لقب الكلدان قبل سنة 1830م، لتبرير وإرجاع تسميتهم قدر الإمكان إلى عهد أسبق كلقب يوسف الثاني ‏معروف ويوسف الثالث وغيرها، وهذا غير صحيح، لأنها ألقاب اختيرت بصورة شخصية ومؤقتة ثم زالت وتبدَّلت عند خلفاءهم، ولم تكن، لا ‏روما، ولا السلطات العثمانية المدنية، ولا الآخرين يعرفوها كألقاب ثابتة ومعروفة.‏

أمَّا ألقاب وأختام بطاركة النساطرة باسم الكلدان فهي خير دليل على تخبط وارتباك الأسماء بين من صار كاثوليكياً ومن بقى نسطورياً، حيث ‏بقيت أختام بطاركة النساطرة بالاسم الكلداني إلى سنة 1976م، عندما سَمَّوا كنيستهم آشورية، وقسم من بطاركة ومطارنة النساطرة سَمَّوا ‏أنفسهم، النساطرة، الكلدان أو النساطرة الكلدان مثل البطريرك النسطوري روبين (روئيل) بنيامين (1861-1903م) الذي وجِّه رسالة إلى ‏رئيس أساقفة كانتربري لمساعدته، ووقَّع باسم بطريرك الكنيسة الكلدانية القديمة، وأيضاً مطرانهُ يوحانون الذي كتب رسالة إلى كنيسة انكلترا، ‏يُسَمِّي فيها شعبه، النساطرة الكلدان، ويقول: إن الرسالة كُتبت في شهر أكتوبر الكلداني الموافق 8 أكتوبر 1884 مسيحي، أي ميلادي. ‏
‏)‏The Archbishop of Canterbury s mission to the Assyrian Christians, I: Narrative of a visit to the Assyrian Christians in ‎‏1884‏‎, ‎II: Report of the foundation of the mission in ‎‏1886‏‎, London ‎‏1891، ريلي: بعثة رئيس أساقفة كانتربري إلى المسيحيين الآشوريين، 1: ‏سرد زيارة المسيحيين الآشوريين سنة 1884م، 2: تقرير عن تأسيس البعثة سنة 1886م، لندن 1891م، ص18، 21). ‏

من طريف الأمور أن بعض الكلدان ومنهم رجال دين، يُعيَّرون ويستهزئون بالآشوريين الذين في فترة الاضطرابات بين الكثلكة والنسطرة ‏‏(1553-1830م استعمل النساطرة لقب كلداني أو استعملوا ختماً مكتوب عليه "بطريرك الكلدان (محيليا كلدايا)"، قائلين للآشوريين أنكم ‏كلداناً، وبدورهم الآشوريون أيضاً يُعيِّرون الكلدان أن روما سَمَّت سولاقا أول بطريرك نسطوري تكثلك، بطريرك أثور الشرقية (طبعاً كان المقصود ‏بأثور مدينة الموصل التي أحد أسمائها الجغرافية هو أثور، وسولاقا عُيَّن على كنيسة الموصل المترملة كما ذكرنا)، والمهم أن الطرفين نسوا كل التاريخ ‏والآلاف المخطوطات والوثائق في كنائسهم وتاريخهم التي كتبها آبائهم، والذين سَمَّوا أنفسهم وشعبهم ولغتهم وكنيستهم وطقوسهم..إلخ، سريان ‏وسريانية فقط، وبدءوا يتصارعون بعد القرن السادس عشر الميلادي، وهذا دليل على أن تاريخ الكلدان والآشوريين الحاليين الجدد يبدأ من هذا ‏التاريخ والتخبط والأختام فقط.‏
وشكراً/ موفق نيسكو ‏
يتبع جزء أخير تخبّط المطران سرهد جمو وجدوله