إثنوغرافيا الرغبة / الجزيرة السوريّة - عن رواية - سيأتيك الغزال -

باسم القاسم
2019 / 11 / 25

خليل صويلح * هذه العلامة فوق اسم الروائي يمكن أن تجد لها في هوامش المقالة دافعاً لإثارة التساؤل حول راهنيّة تسليط الضوء في هذه الفسحة على روايته "سيأتيك الغزال " دار نينوى 2010
فنحن نتلقفها من خضم إنتاجه الروائي المهم والسابق لهذا التاريخ وكذلك التالي لهُ
ثمّة مَنحيان للإجابة يولّد أحدهما الآخر ، المنحى الأوّل مثّلته لفظتان في العنوان ( الجزيرة السوريّة ) هذه العبارة الطُعم الذي تتفوق جاذبيّته اليوم على سواه من العبارات فهذا الاستفزاز جيدٌ ليجعل القارئ يعتقد أنّ بمتناول يده منجزٌ أدبيٌّ يتحصّل من خلاله على معرفة تفضي به إلى كشف هذا السرّ العميق الذي دفع بهذه الجغرافيا المنسية المهملة للتحوّل من كونها عناقيد من الثوم اليابس توضع على الشرفة السوريّة يُأخذ منها أحياناً لتنكيه المناسبات ، إلى الطبق الفاخر والمفضّل على موائد شهوة العالم لولائم الجغرافيا ، ولكن هذه المرّة يشهر كلّ منهم شهوته مقابل شهوة أنداده ، هذه الجغرافيا التي توشك الآن أن تكون أحد أخطر التخوم بين عُتاة العالم
من هذا المنحى نلج إلى المنحى التالي والأهم وهو المنوط بلياقة الرويّ حين نناقشها عبر ثيمة الابداع الروائي وهي جماليّة المختلف ، ماهو المختلف روائيّاً عند خليل صويلح عن جغرافيا قد يبدو سياسيّاً ومصيرياً أنّ كل ما يدور فيها الآن مختلَفٌ عليه عالميّاً !
هل يجرّب خليل صويلح أن يدخل من بوابة الواقعيّة السحريّة إلى الّلامتوقع في الحدث الروائي أم من بوابة الإثنوغرافيا فيحوّل محيطه الحيوي المُعاش ولادةً ونشأة إلى نصٍّ أدبيّ ويحوّل المعارف عن الجانب الاجتماعي ونمط المعيشة والثقافة إلى رواية تعجّ بها جماليّة الهامشي الذي هو مجهول لمن هو خارج الجغرافيا كالممارسات الطقوسية والعرفيّة لقاطنيها أو كالطبيعة في أسرار كائناتها ومجاهيل البادية يريد أن يكشف عنها اللثام لتُدهِش ؟ ما يفتح الباب على هذه الأسئلة هو أنّ مادة الأحداث المُشتغل عليها في الرواية خامتها مغمورة في الوسط الاجتماعي الأكثر إشباعاً بالطقوسيّات والذهنية العجائبيّة لمعتقدات تراكميّة وعادات وتقاليد متبادلة بين أنماط حياة متنوّعة وتستطيع أن تجد زفرةً في الرواية توجّهك أكثر لهذه القضية كإشارة " إثنوغرافيّة " أرادها أن تكون مثل هذيانٍ طارئ في خضمّ حمّى الرويّ اعترى خليل صويلح ((إلى أية سلالة سأنتمي ؟ تدقّ في رأسي سنابك خيل ..بابليين وآكاديين وأموريين وسومريين , وآشوريين ,وفرس , وإغريق ورومان وعثمانيين وانكليز ، هل أتت سلالتي مع خيول تيمور لنك من الشرق في القرن الثالث عشر ... هل كنت أسيراً في قبيلة تغلب !أم كنت محارباً لدى قبيلة قيس ؟ .. هل قذفتني ريح عاتية من ديار بكر أم من سهوب الحجاز ؟ لاشك أن واحدا من أجدادي قد صاغ بإزميله تمثال الثور المجنّح ...))
بتقنيّة سرديّة ملفتة ينجح خليل صويلح في تجنّب التركيز على السحريّة في هذا الواقع و الإثنوغرافيا الأدبيّة مع الابقاء على ظلالهما حاضرة على طول السرد ليبدو أن الحديث عنهما مجرّد حديثٍ عفوي عابر ، وذلك من خلال اللياقة السرديّة العالية في تحقيق ضبط النفس الروائي ليتجنّب قدر الإمكان الكتابة فوق الواقع أو يعيد تأليفه انطلاقاً من سحريّته أو من متعة حياكة أدبيّات إثنيّاته وهذا ما كان متاحاً ومتوقّعا إلّا أنّه أراد أن ( يختلف ) بأن يرفع القارئ من مستوى هذا الانتاج إلى مستوى إنتاج سردي رغبوي يولّد الانطباع لدى القارئ في أن هذه الرواية بمثابة مرافعة (الجزيرة) الأخيرة للدفاع عن النفس..
هذه المرافعة اتخذت الرغبة مسلكاً لها ، كانت تقنيّة السرد تعتمد على إظهار قيمة مهيمنة على الأحداث تلفّها ثنائيّة سبينوزيّة* ( ليس الإنسان كائناً يفكّر ، إنّه كائنٌ يرغب ) وهذه الأحداث لم تكن من صناعة مخيال الروائي ، هي قيمة واقعيّة حقيقيّةُ الأحداث في الجزيرة السوريّة ، فيبرع خليل صويلح في تنضيد متقابلات بين الرغبات ومآلاتها على طول خطّ السرد ، ليس ثمّة دهشة وجذب وإسراريّة أكثر من أن تبحث في ( الرغبة ) ، ومن مقتطفات في السرد مثل : رغبة أولئك الصبيّة وهم يتبوّلون في ثقوب البريّة لتخرج منها العقارب مقتولة بالنشادر ، رغبة "أسعد الفاضل " المتحوّل من المبروك الطارد للأرواح الشريرة إلى عاشق "شيرين" الكرديّة ثمّ العائد منهزماً بعد سنوات يبحث في صيدليّة قريته عن فياغرا شعبيّة لزواجه الأخير ، رغبة الانصات لجوقة من اللغات في الباص الذي ينقل إلى القامشلي السرياني والكردي والأرمني والعربي لتتحول أحاديثهم في الباص مثل مؤتمر على برج بابل ، رغبة الأميّ هلال الجربوع في أن يصبح بطل حكايات فيتطوع في كتائب الحرب اللبنانية الأهليّة ، رغبة السلطة في إشباع العرف العشائري حين تعثر دوريّة عابرة على عاشقين هاربين فتسلمهم لرصاص ذويهم ، نجد خليل صويلح يلوّن التطريز على عباءة السرد بنفحات من شعر العتابة والنايل و السويحلي ملازمة لعفويّة التعبير الروائي المنسجم مع الحدث الواقعي فيكتمل هارموني الرغبة لنجد أنفسنا أمام إثنوغرافيا الرغبة التي تضعك على حافّة الحقيقة لجغرافيا وتاريخ الجزيرة السوريّة ..
" سيأتيك الغزال " روايةٌ لم تكن بحاجة للحدث السوريّ الراهن ليكون رافعة لها ، هي مكتفية بفنّيتها لترفع نفسها وبكونها مادّة خصبة للإنتاج السينمائي بسبب زخم الوصف لليومي المعاش ، لكنّ هذه القراءة تريد أن ترفعها الآن لتكون سؤالاً عنيفاً لا ينتظر مستشرقاً ولا معهداً للدراسات ليجيب عنه ، لماذا وهناك ثمّة إجابةٌ من مسقط الرأس نفسه تجيب عن طبيعة الانتظار الذي تعيشه الجزيرة السوريّة بكلّ رغباتها وهل سيكون انتظارها مأساويّاً كعادتها ، بأن تنسى الرغبة مقابل الخوف ، هذا على الأقل ما افتتح به خليل صويلح الرواية عنه ، عن ذاك الطفل المدلّل النائم عند جدته في البريّة ، يوقظه كابوس الأفعى في الليل فينادي عليها مراراً وتكراراً ( أريد ماءً ) فتجيبه من قلب النعاس ( نم نم ..سيأتي الغزال حاملاً قربة ماءٍ ويرويك ) وهكذا يتحول من الرغبة بالارتواء إلى الانتظار الخائف من قدوم الغزال ليلاً ، الخوف الذي سينسيك العطش ، وطول الانتظار الذي سيجلب النعاس لتستيقظ صباحاً وتتساءل هل أتى الغزال أم أنّه لم يأتِ وتتعجّب كيف تلاشت الرغبة بالارتواء ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش :
* خليل صويلح : روائي وصحافي سوري له : ورّاق الحب – بريد عاجل – دع عنك لومي – زهور وسارة وناريمان – سيأتيك الغزال – جنّة البرابرة – حائز على جائزة نجيب محفوظ 2009 " ورّاق الحب " وترجمت إلى الانكليزيّة ، جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2018 "اختبار الندم"
" اثنوغرافيا " : بأبسط تعريفاتها هي علم ( وصف المجتمعات) ومن شروطها أن الباحث يجب أن يعيش البيئة في تشاركيّة مع قاطنيها أو أن يكون منهم لتحقيق دقّة الملاحظة وصحّتها وهي فرع عن علم الأنثرويولجي " الأناسة "
سبينوزيّة : نسبة إلى الفيلسوف باروخ سبينوزا القائل ( لا نرغب في الشيء لأنّه جميل ،لكنّنا نحكم عليه بذلك لأنّنا نرغب فيه )

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا