الإلهام و الإبداع

سلامة محمد لمين عبد الله
2019 / 10 / 18



لماذا لا يتحول كل واحد منا إلى شخص مبدع؟ الإبداع ليس حصرا على المفكرين و الأدباء و الفنانين و العلماء. ملكة الإبداع و الإبتكار هي شيء يُخلق مع الإنسان منذ ولادته. لكن تنمية هذه الملكة يتوقف على الظروف المحيطة التي ينشأ فيها و تؤثر في تشكيل حياته تأثيرا كبيرا. كما يتوقف كذلك على إرادتنا و و ذكائنا و قدرتنا على تجاوز العقبات و العراقيل الذاتية و الموضوعية، أي: تلك المتعلقة بشخصيتنا وطريقة رؤيتنا للأمور؛ و تلك التي يضعها الآخرون في طريقنا بقصد أو بدون قصد. الخيال هو شيء أساسي يملكه كل واحد منا و يتحكم فيه، و قدرة الآخرين على التحكم في خيالنا محدودة جدا. لذلك يجب علينا أن نطلق العنان لهذه المَلَكة. من العبارات المنسوبة للعالم البرت اينشتاين، هي: "أن الخيال أهم من المعرفة، لأن المعرفة محدودة، بينما الخيال يشمل العالم كله". الخيال يلعب دورا جوهريا في عملية الإبداع، و يبدو أن الإنسان يستطيع تصور عالم مثالي أو حلولا رائعة لمشاكله القائمة، و بالتالي يحاول البحث بطريقة عملية أو إيجاد تفسير منطقي للوصول إلى تلك الأهداف الحلول. لكي نتقدم إلى الأمام في هذا الطريق، أي طريق الخيال و الإبداع، و إيجاد الحلول، لا بد لنا من البحث عن شيء يلهمنا، فالإلهام هو الذي يمدنا بالطاقة اللازمة للإنطلاق. و بما أن الأشياء التي هي مصدر إلهام للإنسان، كالطبيعة الخلابة و الموسيقى و الفنون الجميلة، و غيرها، قليلة جدا في حياتنا اليومية، فإنه يجب علينا أن نكون مبدعين(!)، نعم مبدعين، في البحث عن الشيء الذي يلهمنا، يمدُّنا بالطاقة اللازمة و يُحرِّرُ خيالَنا و يشحَذُ فكرَنا و يساعدنا على التركيز على المسائل الأساسية التي نريد أن "نُبدِعَ" حلولا لها. نحن نجد أحيانا صعوبة كبيرة في قراءة كتاب، إذا كانت قراءة الكتب غير منتشرة في محيطنا الإجتماعي، كما لا نستطيع التعبير عن أفكارنا بواسطة الكتابة، إذا كنا نعيش مع أناس أميين لا يعتمدون على الكتابة كاسلوب من أساليب التواصل الحديثة. ثم أن مشاكلنا و المعوقات التي تعترض سبيلنا ستكون أعظم، عندما يكون محيطُنا فوضويا، كثير الصراخ و الضجيج، و تصرُّفاتُه لا يحكمها منطق معين، أو أن يكون هذا المحيط ذاته يستهدفنا كأشخاص و يسعى إلى تعكير صفو حياتنا، لإرغامنا على التصرف حسب أسلوبه و منطقه و فلسفته. هذا الوضع يفرض علينا عدم الإستسلام للواقع السيء و التفكير في بدائل و "حلول" بخلق أوضاع شعورية تكون ملاذات آمنة، نلجأ إليها لتطوير ذواتنا و التعبير عما يختلج في صدرونا و تنمية ملكة الإبداع لدينا.

من الأشياء التي طالما شكلت مصدر إلهام بالنسبة لي شخصيا، هو القوة التعبيرية الكامنة في البشر، قد تكون إبتسامة أو حركة جسدية أو تعبير من تعبيرات الوجه الكثيرة. فأنا أستعذب التمعن في وجوه الناس ومشاهدة الأساليب المختلفة التي يعبرون من خلالها و يتواصلون بها مع غيرهم، سواء من خلال الحركات و الإيماءات، أو الأصوات و الإنفعالات. لذلك أحب التمثيل و الغناء و الرقص و الأعمال الفنية المختلفة. فبعض الصور المعبرة يمكننا فعلا التفاعل معها بطريقة معينة كما لو كنا نتواصل مع الشخص نفسه. فنحن قد نعتبر تعبير وجهه، أو حالته الشعورية، تشجيعا لما نقوم به، أو أنه يحثنا على الصبر والإستمرار في العمل؛ لكن في بعض الأحيان الأخرى، يكون الأمر على العكس من ذلك تماما، فيكون التعبير أو الإيماءة، ناقدا و مُشَكِّكا في صحة أسلوبنا و طريقتنا و قدرتنا على النجاح، و يدفعنا، بصرامة و تهكّم، إلى مراجعة العمل و تصحيح الأخطاء. لذلك ليس غريبا أن بعض وسائل الإعلام الذائعة الصيت تنشر كل يوم صورا لأشخاص تحمل كمّاً كبيرا من التعبير و الإثارة من أجل الدعم البصري للمحتوى الإعلامي. فأنت قد تعرض فكرتك على صديق حقيقي(!)، أو تتحدث إلى صورة معبرة لشخص معيّن. لماذا لا نفعل ذلك؟ نحن كبرنا في بئة إجتماعية يعتبر الناس فيها الإنسانَ مجنونا إذا ما راؤه أو سمعوه يتحدث إلى نفسه أو يرقص أو يغني بمفرده. لقد اثبتت الدراسات النفسية أن هذا شيئا عاديا. فمثلما ينظر الإنسان إلى صورته في المرآة للتأكد من حالة مظهره، فإنه يستطيع القيام بعرض الأشياء التي حضّرها، أو أبدعها، أمام مرآة كبيرة، كما لو كان يتدرّب على تقديمها في الحالة الواقعية أمام شخص أو جمهور معين.