الحكم العسكري عند العرب

محمد سيد رصاص
2019 / 6 / 24

كان شيخ الأزهر أحمد الطيب حاضراً في الصف الأول للمنصة التي أعلن من خلالها الفريق عبد الفتاح السيسي، في 3 يوليو 2013، انقلابه العسكري على حكم الرئيس المصري محمد مرسي القادم من جماعة الإخوان المسلمين. في السنة التي حكم فيها الإخوان المسلمون في القاهرة كانت وسائل الاعلام الخاصة، المملوكة لرجال أعمال ولدوا من رحم سلطتي أنور السادات وحسني مبارك، هي منبر المعارضة لمرسي. هذا الثالوث، المؤلف من العسكري ورجل الأعمال وشيخ مؤسسة الاسلام الرسمي، يمثل تحالفاً يشكل البنية القائمة للحكم العسكري في مصر، ليس فقط في زمن السيسي، بل كان موجوداً في عهود السادات ومبارك وسلطة المجلس العسكري المصري الذي حكم في فترة ما بعد سقوط مبارك حتى تولي مرسي للسلطة (11 فبراير 2011 - 30 يونيو 2012). لم تكن الأمور هكذا في زمن جمال عبد الناصر، الذي هو المدشن الأبرز للحكم العسكري عند العرب، رغم أن الانقلابات العسكرية قد بدأت في العراق عام 1936 مع بكر صدقي ثم حسني الزعيم في سوريا عام 1949 قبل أن تصل إلى مصر في 23 يوليو 1952، حيث استند الحكم الناصري إلى قاعدة اجتماعية ريفية أمنها الاصلاح الزراعي وفئات مدينية وسطى وفقيرة تلاقت مع إجراءات عبد الناصر في تأميم البنوك والمصانع واجراءاته التحديثية، وهي خطوات ثلاث جعلت انقلاب 23 يوليو العسكري يتحول إلى ثورة قادت إلى بنية اقتصادية ــ اجتماعية ــ ثقافية مصرية جديدة. أدى ذلك إلى نشوء قاعدة اجتماعية مصرية عريضة للحكم العسكري في زمن عبد الناصر، وإن كان الأخير لم يتردد في التحالف أو استخدام الأزهر في مجابهته مع جماعة الإخوان المسلمين البادئة عام 1954.
هنا، من المفيد الرجوع قليلاً إلى الوراء: اشترك الضباط الشيوعيون من «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ــ حدتو»،مثل خالد محيي الدين وأحمد حمروش ويوسف صديق، في عملية الانقلاب العسكري المصري بليلة 22 - 23 يوليو 1952، وكان رأي «حدتو» أن الثورة الوطنية الديمقراطية يمكن إنجازها بالتحالف بين القوى اليسارية والضباط «الديمقراطيين الثوريين». كان هناك رأي مختلف عند شيوعيين مصريين آخرين في بيان وزع قبل انتهاء شهر يوليو 1952، حيث وصف «الحزب الشيوعي المصري ــ الراية»، بقيادة الدكتور فؤاد مرسي، ما حصل في 23 يوليو 1952 بأنه انقلاب عسكري مدعوم من واشنطن ضد الانكليز، وبأنه لن يقود إلى تحول «ديمقراطي ثوري» بل إلى تحول رأسمالي بعد أن عجزت البرجوازية المصرية عن فعل ذلك تجاه البنى الاقتصادية ــ الاجتماعية الما قبل رأسمالية السائدة في مصر في فترة 1919 ــ 1952. السياسة تقاس بنتائجها وليس بدوافعها أو بحامليها... فوفقاً هنا لما رأيناه في أرض الكنانة في فترة السادات 1970 ــ 1981، الذي لم يكن ثورة مضادة على الناصرية بل استمرارية لمضمراتها، فإن فؤاد مرسي كان أكثر قبضاً على الوقائع من «حدتو»، حيث منذ 1974 وبدء السادات بـ«الانفتاح الاقتصادي»، المترافق مع بدء التحالف مع واشنطن والاتجاه لعقد اتفاقية التسوية المصرية مع اسرائيل، كان من الواضح أن نظام «رأسمالية الدولة» في زمن عبد الناصر كان حاملاً في رحمه بنظام «اقتصاد السوق» الذي ولد في زمن السادات ومن ثم اكتملت أبعاده في زمن مبارك، وأن ما فعله عبد الناصر لم يكن «اشتراكية» بل ممهدات لتحول رأسمالي كامل الأبعاد ظهر في عهد خليفتيه.
صحيح هنا أن رجال الأعمال لم يظهروا في منصة انقلاب 3 يوليو 2013، ولكنهم كانوا من ممهدي الانقلاب الكبار، ثم ظهروا بوصفهم ثالث ثالوث العسكر ــ الشيخ ــ رجل الأعمال، في الستة أعوام المنقضية من عمر انقلاب السيسي. في سوريا ما بعد 16 تشرين الثاني 1970، نجد هذا الثالوث، وكذلك في الجزائر ما بعد وفاة هواري بومدين في الأسبوع الأخير من عام 1978، بوصفه عماد السلطة القائمة، كما هو في مصر ما بعد عام 1974. هنا تجب الإشارة إلى أن مؤسسة الاسلام الرسمي ليست مؤسسة ثقافية ــ دعوية وحسب، بل من خلال الأوقاف تملك ثروة اقتصادية كبرى. أيضاً من الضروري الإشارة إلى أن النموذج المصري الراهن للحكم العسكري، وهو النموذج الرئيسي عند العرب تماماً كما كانت مصر هي بوصلة العرب منذ عام 1919 حتى يومنا هذا، لا يقتصر على هذا «الثالوث»، بل هناك امتدادات أخرى يمكن أن نجدها في منصة 3 يوليو 2013 من خلال وجود شخص مثل الدكتور محمد البرادعي في الصف الأول لتلك المنصة، وهو وقتها كان يمثل «جبهة الإنقاذ الوطني» التي كانت تضم فصائل معارضة لمرسي تتراوح بين ليبراليين، مثل البرادعي وحزب الوفد، وناصريين مثل حمدين صباحي وسامح عاشور، ويساريين أتوا من «حزب التجمع» الذي أسّسه خالد محيي الدين عام 1976 ثم خلفه الدكتور رفعت السعيد، وكلاهما من بقايا «حدتو». يمكن أن نسمي هؤلاء بالاسم التالي: «عروبيو وليبراليو ويساريو العسكر»، وهذ ليس مقتصراً على مصر. من أجل اكتمال الصورة، يمكن للمجابهة الانتخابية عام 2012، بين مرشحي الرئاسة المصرية، محمد مرسي وأحمد شفيق، أن تعطي صورة عن معسكرين متعادلي القوة بامتداداتهما الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ الثقافية ــ السياسية، بين جماعة الإخوان المسلمين وبقايا نظام حسني مبارك. وقد فاز مرسي بحكم أن المعارضة الليبرالية ــ الناصرية ــ اليسارية دعمته ليفوز بفارق ضئيل على شفيق، فيما في 3 يوليو صبّّ هؤلاء الماء في طاحونة السيسي، وكانوا ضروريين جداً لكي تميل الكفة لصالح العسكر، ولم يكن يكفي دعم بقايا نظام مبارك، من الإدارة والقضاء والمؤسسات الأمنية، لكي تتحرك المؤسسة العسكرية المصرية وتنقلب على أول رئيس جمهورية مصري مدني منتخب، في انتخابات تحت اشراف منظمات دولية، هو أتى من جماعة الإخوان المسلمين التي كانت الغريم الأساسي للحكم العسكري المصري بدءاً من عام 1954.