أور الكلدانيين ليست في العراق ج3 والأخير

موفق نيسكو
2019 / 1 / 29

أور الكلدانيين ليست في العراق ج3 والأخير
يتبع ج2
10: أمَّا المسلمون فالنسبة للقرآن الكريم لا يتطرق إلى مكان ولادة إبراهيم، لكنه يُلمِّح بصورة واضحة إلى أنها ليست في أور العراق، بل حاران، فالآيات التي تتحدث عن إبراهيم مرتبطة بالأصنام والتماثيل والشمس والقمر والكواكب، وهذا ينطبق على حاران وليس على أور السومرية أو الأكدية، أمَّا تفاسير علماء المسلمون فالأغلبية الساحقة تتفق على أن ولادة إبراهيم كانت زمن نمرود، لكنهم اختلفوا في تعيين مكان ولادته، فالذين قالوا في العراق ذكروا أنها في بابل أو كوثي أو السوس في الأهواز، أو الوركاء بناحية الزابي وحدود كسكر وحاران، والمهم أن أغلب المفسرين المسلمين الذين يقولون إنه ولد في بابل أو قربها، فإن السبب الرئيس لقولهم هذا، هو ارتباط بابل بالكلدان وشهرة الدولة الكلدانية (612-539 ق.م.)، وفي تفاسيرهم يتكلمون بإسهاب عن التنجيم الكواكب والشمس والقمر والزهرة، وفي حاران وبابل، لكن هذا الأمر ينطبق على حرَّان فقط زمن إبراهيم وليس على أور السومرية الأكدية قرب الناصرية.
فابن كثير يروى عن ابن عساكر أن مولد إبراهيم كان في أرض الكلدانيين، وهي أرض بابل، وهو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر عن ابن عباس، أن إبراهيم ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها، برزة، في جبل يقال له، قاسيون، ومع أن أبن كثير يقول أن إبراهيم ولد في بابل وليس في حاران، لكنه يعود ويذكر جملة مهمة جداً، وهي: ثم ارتحلت عائلة إبراهيم قاصدين أرض الكنعانيين في بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحاران، وهي أرض الكشدانيين، وهي تطابق النص العبري أرض الكاسديين (في بعض طبعات البداية والنهاية الحديثة، حاران أيضاً هي أرض الكلدانيين)، ويضيف أن أهل حاران كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وينسب ابن كثير قيادة الرحلة لوالد إبراهيم، وليس لإبراهيم. (ابن كثير القرشي، البداية والنهاية، دار هجر، ج1 ص325).
والمسعودي يقول: إن إبراهيم هو من بني حاران، ولغته السريانية، وكان ولادته زمن نمرود ملك بابل، وخرج من حاران وعبر الفرات وذهب إلى مصر (المسعودي، أخبار الزمان، ص103).
واليعقوبي يقول: إنه ولد في مدينة كوثا ربَّا، إلاَّ أنه يقول أن إبراهيم وزوجنه سارة بنت حاران ولوط بن حاران ذهبوا مباشرةً من أرض نمرود إلى فلسطين ( تاريخ اليعقوبي، ج1 ص24).
أمَّا الطبري وابن والأثير والثعلبي، فلا يخرجون عن بابل وكوثي وحاران والسوس في أرض الأهواز والوركاء بناحية الزوابي وحدود كسكر، لكنهم يبدو أنهم ذكروا حلاً توافقياً بين حاران وبابل، بالقول: كان مولده بحاران، لكن أباه نقله إلى بابل، ويضيفون شيئاً آخر هو أن سارة زوجة إبراهيم هي ابنة ملك حاران، مع ملاحظة مهمة أخرى، أن الطبري وابن الأثير وغيرهم ذكروا أن إبراهيم غادر قومه إلى دمشق أو الشام مباشرةً، أي بدون (ترانزيت)، وقولهم صحيح جداً، وهو ما يعني بوضوح أنه سافر من حران إلى الشام وليس من بابل كما اعتقد ونقل الخلف عن السلف (تاريخ الطبري، ج1 ص77، 81. وابن الأثير، الكامل في التاريخ، ص72، 77. والثعلبي، قصص الأنبياء، ص79).
وفي الكافي للكليني كان مولده في كوثي ربَّا، (الكليني، الكافي، ج8 ص196)، أمَّا الطباطبائي في تفسيره لسورة الأنعام وفي فصل كلام في قصة إبراهيم وشخصيته (ع): يستشهد بمقاطع كثيرة من التوراة عن إبراهيم ورحيله إلى حاران، وهو عموماً لا يذكر بنفسه صراحةً مكان مولد إبراهيم، لكن كلامه يدور في بابل وكوثي، وينقل عن الآخرين أن إبراهيم ولد في كوثي، والأمر المهم جداً هو قوله: إن الصابئيين عبدة الكواكب (ويتكلم باسهاب عنهم) الذين كانوا في حاران التي هاجر إليها إبراهيم من بابل أو من (أور)، فقط بدون الكلدانيين، ويضع (أور) بين قوسين وفي أكثر من مكان، لكنه حين ينقل عن التوراة، ينقلها كما هي، أور الكلدانيين، أي أنه لا يقصد أور الناصرية، والأهم قوله: (إن إبراهيم زوَّج ابنه اسحق من عشيرته بكلدان)، أي أنه اعتبر أن أور الكلدانيين هي حاران، ويقول: وكلامه واضح بقوله: وظاهر ما قَصَّهُ القران الكريم عن إبراهيم هو: أن إبراهيم هاجر قومه مباشرةً بدون تغرُّب (ترانزيت) والذهاب إلى حران أولاً، ثم من حران إلى الأراضي المقدسة، وهذا القول لا مأخذ له غير التوراة وأخبار غير سليمة من نتف إسرائيلية، كما هو ظاهر لمن تدبَّر تاريخ الطبري، على أن بعضهم ذكر أن حاران هي قرب بابل بين الفرات والخابور، وهي غير حاران الواقعة قرب دمشق، ويضيف: إن لغة إبراهيم هي السريانية، وهي لغة قومه. (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج7 ص165، 187، 332، 242، 247-248. ويبدو أن بعض المؤرخين والمفسرين اعتقدوا أن حارن هي حوران قرب دمشق).
وكل هؤلاء المؤرخين والمفسرين يربطون أحدث إبراهيم بالكواكب والشمس والقمر والزهرة والأصنام والسحر التي عُرفت بها حاران، والأغلبية الساحقة منهم تقول أن إبراهيم كانت لغته سريانية، وهي لغة أهل حاران وشمال الشام، وليس لغة أور السومرية أو الأكدية، ولا حتى لغة بابل بقرون كثيرة.
11: تؤكد التوراة أن إبراهيم كان آرامياً، سفر الثنية (26: 5)، (في الترجمة السبعينية 280 ق.م. واللاتينية أيضاً، سريانياً)، وكل عشيرته هم آراميين: كان بنو يعقوب اثني عشر، بنو ليئة، راوبين بكر يعقوب، وشمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون، وابنا راحيل، يوسف وبنيامين، وابنا بلهة جارية راحيل، دان ونفتالي، وابنا زلفة جارية ليئة، جاد واشير، هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا له في فدان آرام. (تكوين 35: 23-26)، وأوصى إبراهيم أن يتزوج ابنه إسحق من بنت آرامية من عشيرته في حاران: إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحق (تك 24: 4)، وفعلاً تزوج إسحق رفقة ابنة بتوئيل الآرامي: وكان إسحق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجة رفقة بنت بتوئيل الآرامي أخت لابان الآرامي من فدان آرام. (تك 25: 20)، وبتوئيل هو أخو كاسد بن ناحور (تك 22: 21–23)، أي بتوئيل هو ابن أخي إبراهيم، ثم تزوج يعقوب راحيل وليئة ابنتي لابان الآرامي ابن بتوئيل الآرامي: فصرف إسحق يعقوب فذهب إلى فدان آرام إلى لابان بن بتوئيل الآرامي أخي رفقة أُم يعقوب وعيسو. (تك 28: 5).
12: جميع أسماء المناطق الواردة في سفر (التكوين 10: 10-11)، وغيره، مثل هاران (حاران)، أرفكشاد، سروج، ناحور، آرام نهرين، فدان آرام، إرك، أكد، كلنة، نينوى، رحوبوت عير، كالح، سهل شنعار، رسن، الشرقاط، تقع في المنطقة الشمالية (العراق، سوريا، تركيا، أرمينيا، إيران)، وهي مطابقة لأسماء إبراهيم وأبيه وإخوته وأجداده، وهناك من يرى أن اسم الكاسديين، أو الكاشديين هو نسبة لأرفكشاد بن سام (تك 10: 22–24)، وسواءً كان اسم الكاسديين هو نسبةً لكاسد أو لأرفكشاد بن سام، فهم ليسوا الكلدان، ومنطقتهم ليست في أور السومريين أو الأكديين جنوب العراق، فاسم أرفكشاد (اربكشد) يرد أيضاً في منطقة شمال العراق ويظن البعض أن قسماً من المناطق القريبة من نهر الزاب شمالي شرقي نينوى سُمِّيت باسم أرفكشاد، وورد الاسم في المدونات الآشورية بصيغة "أرباخا"، ويُظن أن أرباخا هي مدينة كركوك الحالية، وورد اسم أرفكشاد لأحد ملوك مادي التي كانت عاصمتها مدينة أحْمَتا (سفر يهودت 1: 1)، وأحْمَتا اسم آرامي، والاسم الفارسي القديم لها هو (هجمتانا)، وسَمَّاها اليونان أكبتا، وهي اليوم مدينة همدان الإيرانية.
وناحور أبو كاسد، أخو إبراهيم بن تارح، وتزوج من مِلْكة بنت هاران وأقام في مدينة ناحور في آرام النهرين (حاران)، وأنجب من ملكة ثمانية أبناء هم، عوص، بوزا، قموئيل، كاسد، حزو، فلداش، يدلاف، بتوئيل، وأصبح هؤلاء الثمانية أجداد القبائل الآرامية، فناحور صار بواسطة نسائه جَدّاً لاثنتي عشرة قبيلة أو مستوطنة آرامية، ثمان منها تنحدر من زوجته مِلْكة، وأربع من سريته رؤومة، وفي النصوص المسمارية المتأخرة نجد اسم ناحور كاسم شخص (ناحيري، ناحور) وكاسم مكان (نحور، تل نحيري)، وهي مدينة في منطقة حاران على الضفة اليمنى لنهر خابور، اتخذت أهمية في الألف الثاني قبل الميلاد، وذُكرت في اللوحات الكبدوكية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، وقامت في المنطقة قبائل آرامية تذكرهم التوراة. (الأب الفغالي، المحيط الجامع في الكتاب المقدس والشرق القديم، ص128، 1287. وقاموس الكتاب المقدس، ص51).
13: إن إبراهيم هو ابن تارح بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج..أرفكشاد، وأسماء إبراهيم وآبائه ليست بابلية، بل سامية، وحسب سفر التكوين (11: 18-32): عاش فالج ثلاثين سنة وولد رعو، وعاش فالج بعد رعو مئتين وتسع سنين، وعاش رعو اثنتين وثلاثين سنة وولد سروج، وعاش رعو بعد سروج مئتين وسبع سنين، وعاش سروج ثلاثين سنة وولد ناحور، وعاش سروج بعد ناحور مئتي سنة، وعاش ناحور تسعاً وعشرين سنة وولد تارح، وعاش ناحور بعد تارح مئة وتسع عشرة سنة، وعاش تارح سبعين سنة، وولد أبرام (إبراهيم) وناحور وهاران، وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين، ومات تارح في حاران، ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين، وكانت أيام تارح مئتين وخمس سنين، ومات تارح في مدينة حاران.
لذلك فأجداد إبراهيم (فالج، رعو، سروج، ناحور، تارح) إلى مولد إبراهيم كانوا أحياء، فمن فالج إلى مولد إبراهيم 191سنة، وحسب التكوين فإن فالج الجد الرابع لإبراهيم توفي وعمر إبراهيم 48 سنة، ورعو الجد الثالث توفي وعمر إبراهيم 78 سنة، وسروج الجد الثاني توفي وعمر إبراهيم 101 سنة، وناحور جد إبراهيم توفي وعمر إبراهيم 49 سنة، وتارح أبو إبراهيم توفي وعمر إبراهيم 135 سنة.
فهل ترك تارح وأبنه إبراهيم أجدادهم فالج وسروج ورعو وناحور في أور الكلدانيين (في العراق) إلى جانب قبر هاران (حاران) أخو إبراهيم؟، وكيف اسم مدن كحاران وناحور وسروج على اسم إخوة وأجداد إبراهيم في شمال بلاد الرافدين؟، ولماذا لم يتجه إبراهيم مباشرةً من أور العراق إلى كنعان أرض العسل واللبن والهدف المنشود والأقرب، بل ذهب شمالاً ثم رحل جنوباً؟، علماً عندما رحل إبراهيم من حاران إلى كنعان كان عمره 75 سنة (تكوين 12: 4)، وكان أبيه تارح حياً، فهل ترك إبراهيم أبيه في حاران ورحل وحده إلى كنعان؟.
14: لم تكن رحلة إبراهيم الطويلة من أور العراق إلى حاران لتكون حارن محطة استراحة (ترانزيت)، بل جاء إبراهيم من أور (الرها) القريبة إلى حاران، ومن الواضح أن عمر إبراهيم عندما خرج من الرها، كان حوالي 30 سنة لأنه كان متزوجاً، ولأن إبراهيم يعتبر مدينة ناحور وحاران مسقط رأسه وأرض أبيه وعشيرته، فهذا يعني أن إبراهيم عاش في حاران طويلاً، ويؤكد (تكوين 12: 5) ذلك: فأخذ أبرام ساراي إمرأته، ولوطاً ابن أخيه، وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران، وخرجوا ليذهبوا إلى أرض كنعان.
15: أمَّا ما ذكره بعض المستشرقين والآثاريين مثل دي فو وفيلبي من عثور نقوش بابلية باسم (أبا رام) أو (يثع إيل) التي تعني (خليل الله)، فليس لها أي قيمة لدلالة على إبراهيم وهي استنتاجات شخصية لنصوص مجرَّدة يتيمة، ولا توجد قرينة واحدة تدل على أن الاسم المقصود به إبراهيم بن تارح، فليس إبراهيم الشخص السامي الوحيد بهذا الاسم، وحتى لو افترضنا أنها المقصود إبراهيم، فلن يعدو أنه كان لإبراهيم علاقة بالأمر لأن هذه النقوش تدل على الحرب التي حدثت بين سنتي (1794-1763 ق.م.) واشترك فيها أمرافل وكدرلعومر ملك عيلام، وتدعال ملك جوييم، وملك لارسا، وملك سدوم وغيرهم المذكورين في (تكوين 14)، والتي كان لإبراهيم علاقة بالموضوع حيث أُسِّرَ ابن أخيه لوط، وفي هذه الفترة كان إبراهيم في أرض كنعان، أمَّا عن (ثع إيل)، فكان الاسم منتشراً في الجزيرة العربية، ووجدت أسماء كثيرة بهذا الاسم، على الأقل أسماء خمسة ملوك في سبأ اليمن، علماً أن هذا الاسم هو أحد أسماء القمر وكان يُنطق يشع (يشوع)، وأكيد ليس معناه يسوع. (سيد محمود القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، ص31. وهو يرى أن رحلة إبراهيم هي من حاران إلى فلسطين مباشرةً، وفي نهاية كتابه يدرج خرائط رحلة إبراهيم لمن قال إنها من أور العراق، وخريطته هو من حاران إلى فلسطين مباشرةً).
وبخصوص نمرود أيضاً، فلا يوجد له أي ذكر في قوائم ملوك العراق القدامى، وهو شخصية (كلكامش) ويرمز للجبروت والطغيان ارتبطت باضطهاد إبراهيم وعائلته في التوراة، فضلاً على أنه حامي وملعون من إبراهيم وعشيرته، ولا مكان لسكنى الحاميين بين الساميين، بل يسكن الساميين وبنو يافث فقط: ملعون كنعان عبد العبيد، وقال: يكون لإخوته مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبداً لهم، ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام. (تكوين 9: 25)، وبنو يافث هم الحوريين والأرمن وغيرهم الذين يسكنون شمال بلاد بين النهرين في الرها وحاران مع عشيرة إبراهيم منذ البداية.
16: يقول المحيط الجامع في الكتاب المقدس: إن أور (العراق) المدينة المقدسة للإله القمر نانه- سين، كانت جزءً من مملكة إيسن ثم مملكة لارسا وأخيراً أصبحت تحت حكم حمورابي البابلي (1718-1676ق.م.)، ولم تُعد أور عاصمة الدولة، بل ظلّت تنعم بهالة كبيرة بسبب معبد الإله سين، وفي نهاية القرن السابع ولفترات قصيرة من الاستقلال النسبي، انتقلت أور إلى سلطة السلالة الكلدائية (الكلدانية الحديثة زمن نبوخذ نصر) في بابل وصارت أور الكلدائيين كما في التوراة (تك 11 :28-31، 15 :7، نحميا 9 :7).
أمَّا التقاليد المتعلِّقة بإقامة إبراهيم في أور فهي تعود إلى القرن السادس ق.م.، وقد وُلدت لدى منفيين يهود أقاموا في بابل الجنوبية، فالمدينة الكلدائية التي كانت لهجتها آرامية وتعبد الإله الذي يُعبد في حاران، بدت للمنفيين على أنها موطن إبراهيم الأول، فمسيرة إبراهيم من أور إلى حاران أتاحت لهم فيما بعد ربط التقليد الجديد بتقليد الأزمنة الغابرة (تك 11 :31) التي كانت تعتبر أن موطن إبراهيم هو حاران، وليس أور (تك 12 :1-5، 24: 4-6، يشوع 24 :2)، فالإشارة إلى موت هاران، أخي إبراهيم في أور الكلدائيين، (ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين)، يجعلنا نفترض أنه كان هناك في القرن 6-5 ق.م. مقام (في الرها- حاران) يُكرِّمون ذكر أخي إبراهيم (تك 11 :28)، وحسب المؤرخ يوسيفوس، كان هذا المقام موجوداً أيامه (العاديات 1 :150)، ولا يبدو أن اليهود عرفوا أور (العراق) قبل النفي، لأن مدينة أور لا تظهر في لائحة الشعوب في (تكوين 10 :10) رغم ماضيها المجيد وطابعها الديني، في حين ذُكرت أكاد وأورك بصورة مستقلة.
وموقع حاران هو أسكي حاران (أي حاران القديمة) شمال غرب حاران الحالية وهي قرية صغيرة (اسمها التركي: التينباصاك) وتقع جنوب شرق أورفا أو الرها، واسم أبشالوم (حوالي 900 ق.م.) هو اسم ملك جوزان، ويشير إلى المنطقة عينها (2صم 3 :3، 13 :1-4، 22)، ولعبت حاران دوراً هاماً في تاريخ بلاد الرافدين كمركز ديني، وكان شأنها شأن أور المدينة المقدسة لإله القمر سين، وهناك نص من ماري يعود إلى هذا التاريخ يذكر معاهدة عُقدت في هيكل سين في حاران، وقد تعبَّد الآراميون للإله سين وسَمَّوه "شيا أو بعل حاران"، وتعبّد الملوك الآشوريون له أيضاً، لا سيما أسرحدون وآشور بانيبال (كانت أمّه وجدته نقيّة زكوتو آرامية من بلاد الرافدين العليا)، تعبّداً عظيماً للإله العظيم في حاران، وكذلك فعل نبونيد الذي أعاد بناء هيكل أخلخل المكرّس للمثلث القمري، وقُدِّمت في هياكل حاران ذبائح الأطفال كما يقول الكُتّاب المسلمون الذين يذكرون في هذه المناسبة السبأيين في حاران.
ومدينة بين آرام النهرين قديمة يعود ذكرها على الأقل إلى القرن الرابع والعشرين ق.م.، وتقع على نهر بليخ، وهو فرع للفرات وقد اتخذت إِله القمر، وتغرَّب فيها تارح وأبنه إبراهيم مدة من الزمن، ومات تارح هناك (تكوين 11: 31-32، و12: 4-5)، وسكنت فيها أسرة ناحور أخو إبراهيم، ولابان أخو رفقة، ويعقوب (تكوين 27: 43، 28: 10، 29: 4-5)، وحتى سهل شنعار يبدأ من شمال العراق من منطقة سنجار، والنصوص المتأخرة تدل على أن هذا الاسم في بابل، والنصوص المسمارية تعرف منطقة تُسمّى سنخر وفي المصرية سنجر، وتذكر النصوص الآشورية المتأخرة منطقة سنجر وسنجرة، ونحن نعرف منطقة جبل سنجر غربي الموصل، المحيط الجامع، ص179، 433، 731. ويرى آخرون أن سهل شنعار، هو سهل سنجار (الدكتور حسن شميساني، كلية الآداب، الجامعة اللبنانية، مدينة سنجار، ص27)، والجدير بالذكر أن منطقة الحدود العراقية التركية اسمها إبراهيم الخليل.
17: وننهي الفصل عن مدينة الرها بأحدث الاكتشافات أنها هي المقصودة بأور الكلدانيين، ليست أور العراق، حيث يقول ج.ب. سيغال، مؤلف كتاب الرها، المدينة المباركة:
كتب القديس أفرام السرياني في تعليقه على سفر التكوين في القرن الرابع أن نمرود حَكمَ إرك التي هي أورهاي، وكان بذلك يروي أسطورة الاعتقاد الواسعة النطاق في آسيا الغربية، وبعدئذٍ أمعن الكُتَّاب أكثر من هذا، فادعى القديس إيسدور (560 - 636م، مؤرخ ومبشر إسباني)، أن نمرود بعدما هاجر من بابل شيَّد أديسا (الرها)، وحكمها، وهي مدينة في ما بين النهرين، وكانت من قبل تُدعى إرك، ونحن لسنا ملزمين بتصديق هؤلاء اللاهوتيين حرفياً، إذ أنه المتبع في الشرق الأدنى والحقُ يُقال في أوربا أيضاً، أن يعزو السكان في مدينة قديمة، تأسيس مدينتهم إلى شخصية أسطورية قوية، وقد اشتهر نمرود في التوراة كشخص بانٍ، ويُطلق اسمه اليوم على عدة أماكن أثرية في تركيا، ويبدو أن عملاقاً فقط باستطاعته جمع المباني التذكارية الضخمة الباقية من عصور سحيقة، وكان على أورهاي (أُرها) وهي المكان الذي اختاره نمرود لتأسيسها أن تُثني على نفسها كثيراً في القرون اللاحقة.
ففي التقاليد اليهودية والإسلامية كان نمرود عدو إبراهيم، وباقتران اسم نمرود بأورهاي، شَجَّع الاعتقاد أن الأب الكبير إبراهيم نفسه سكن هناك، فعلى بعد أربعين كيلومتراً يقع مركز الوثنية في حاران التي ادعت أن إبراهيم أحد سكانها، وأظهرت للحجاج المسيحيين الأماكن التي سكن فيها.
وادِّعاء حاران هذا يُلاقي دعماً في نص التوراة، وهناك أماكن أثرية أخرى في هذا الإقليم ذُكرت في التوراة كفدان وأسماء شخصيات مثل سروج وتارح وناحور، ألم يكن لمدينة لأورهاي المسيحية الشهيرة حقٌّ في أب من أقوى آباء التوحيد العظام؟، فيلتصق اسما نمرود وإبراهيم بهذه المدينة وما جاورها حتى الوقت الحاضر، فالجبل الذي تجثم عليه القلعة اسمه "عرش نمرود"، والتلال الجرداء التي تقع عليها خرائب دير مار يعقوب الذي كان شهيراً، اسمه "تلال نمرود"، وهناك مسجدان بجانب بركة السمك أسفل القلعة يُسمَّيان باسم إبراهيم، والبرك يرد ذكرها في القصص الشعبية المحلية عن نمرود، ويُقال إن نمرود أوثق إبراهيم بين عمودين هائلين ما زالا قائمين على جبل القلعة، وقذف به إلى الوادي، فسقط ولم يصيبه أذى، ومكان سقوطه تُدعى "بركة إبراهيم"، والسمك الذي يسبح فيها يُسمَّى "سمك إبراهيم" وبجانب البركة أُقيم مسجد الخليل وهي كُنية إسلامية عن إبراهيم، وفي كهف قرب مسجد آخر يُدعى، مقام إبراهيم، اُخفي فيه الطفل إبراهيم ليأمن شر نمرود، وفي رواية ثالثة أن نمرود أراد أن يُهلك إبراهيم بالنار، فركع إبراهيم متسولاً، فنبع ماء من مكان ركبتيه، وأحدى البركتين سُمِّيت، بركة إبراهيم، والأخرى، بركة زليخا، وهي على اسم زوجة فوطيفار، لكن المسلمين يدعون أن زلخا هي صلخا أم نمرود.
إن تعريف أورهاي بإرك يأتي بلا شك من سفر (تكوين 10: 10) وكان ابتدأ مملكة نمرود..إلخ، وتشابه الأسماء عند المعلقين أمراً لا يُقاوم، والنظرية لا يمكن تأيدها طالما لدينا أورك تقع جنوب وادي الرافدين، لكن النظريات الحديثة عن أورهاي ليست أقل استحالة.
لقد عُرفت أورهاي بمدينة أور الكلدانيين التي وردت في التوراة ليس من علماء فقط، بل من شخصيات عصرية محترمة في أورفا مع أن مطران المدينة لم يكن يتمسك بها، وأقدم مؤرخ سرياني عَرَّف أورهاي أنها مدينة أور الكلدانيين، هو المطران باسيل بارشومانا صديق زنكي.
وكان هناك مدن أخرى في بلاد ما بين النهرين تُدعى أورو أو أور، وثمة مدينة بهذا الاسم كانت خاضعة للحثيين، وأخرى شمال شرق بين النهرين، ونقرأ عن أور الكبرى وأور الصغرى، وهما بالكاد تُعرَّفان بأورهاي، وحسب ملاحظة المطران باسيل، كلمة أور لم تكن تعني سوى مدينة، والحق أن استعداد القديس أفرام وكُتَّاب آخرين لمساواة أورهاي مع إرك، يوحي أن الشكل القديم لاسم أورهاي هو URH أو URK (ج.ب. سيغال، الرها، المدينة المباركة، ص3-6).
ويُعلِّق المطران يوحنا إبراهيم مُحقق كتاب سيغال على كلام سيغال: في القرن الرابع الميلادي يُسمِّي مؤلف كتاب شهداء الرها مدينة الرها (إرك) في حديثه عن شمونة وكوريا فيقول: في أيام قونا مطران إرك، ويعقوب السروجي في مقاله عن سقوط الأصنام يُشير إلى نمرود أن أحد آلهة حاران هو بارنمري، ويذكر يعقوب الرهاوي نهاية القرن السابع أن الكلدانيين يعني وثنيّ حاران، وابن العبري يعزو تأسيس أورهاي لأخنوخ، وفي مكان آخر يعتبر نمرود باني الرها، ثم يذكر مقام إبراهيم الخليل في أورفا (الرها)، وميخائيل الكبير ينقل عن المطران بارشمومانا أنه بعد الطوفان بنى نمرود مدينة الرها وسمَّاها أور، أي مدينة، والكلدان الذين عاشوا هناك أضافوا، "هاي"، أي، "تلك التي للكلدان"، تماماً كما أضافوا أور شالم إلى مدينة شالم (القدس). (نفس صفحات المصدر السابق، وانظر، تاريخ ميخائيل الكبير، ج3 ص256، عربي، وانظر ج1 ص402، وهي هوامش ميخائيل في النص السرياني حيث يقول: إرك هي الرها وشيَّدها نمرود).
18: يقول الطبيب والرحالة آنسورث سنة 1842م في كتابه، الرحلات والبحوث في آسيا الصغرى وميزوبوتاميا الكلدانيين وأرمينيا: إن اور الكلدانيين هي الرها (أورهاي أو أورفا) وقد أشار إلى ذلك قديماً ومنذ بداية المسيحية أكثر من مؤرخ، وإلى عصر حديث في الحروب الصليبية تُسمَّى مدينة حاران (أورها، الرها، أورفا) أي مدينة الكلدن، ويُسمِّي شمال العراق، كردستان، كلديا. (Travels and researches in Asia Minor Mesopotamia، chaldea and Armenia. ج2، ص104-108).
وشكراً/ موفق نيسكو