رسالة إلى -رفيق- حول مهامنا النضالية والتنظيمية وسط الحركة الطلابية

مصطفى بنصالح
2019 / 1 / 23

رسالة إلى "رفيق" حول مهامنا النضالية والتنظيمية وسط الحركة الطلابية

وهو "رفيق" أجهل صراحة هويته، كما أجهل كليا سبب عصبيته المفرطة وتشدده المثالي، دفاعا عن مواقف يصعب تبريرها أو الدفاع عنها بهذه الطريقة الهستيرية.. وبعيدا عن "الرفيق" نفسه وعن أية شخصنة للنقاش والحوار، سأحاول عبر هذه الرسالة، وقدر الإمكان، توضيح الأسباب الحقيقية التي دفعتني لانتقاد مواقف وممارسات "الرفاق" أنصار "البرنامج المرحلي" باعتبارهم رفاق طريق ما زالت جدوة النضال مشتعلة في دواخلهم، وما زالت الجدوى قائمة لفتح النقاش والحوار مع أنصارهم بهدف حل أزمة الحركة الطلابية المغربية، وبهدف الدفاع عن الجامعة وعن الحق في التعليم الجامعي، وفق حد أدنى من الشروط اللازمة المادية والمعنوية والديمقراطية، وعلى رأسها احترام حرمة الجامعة وصيانتها من التدخلات القمعية والهمجية، بالإضافة لإيقاف المتابعات وإطلاق سراح كافة الطلبة المعتقلين لأسباب نضالية سياسية ونقابية.. وفي السياق نفسه، السماح للطلبة بإفراز ممثلين عنهم، ينوبون عنهم في الحوار وفي تسيير مختلف المرافق الجامعية كالمقاصف والمطاعم، والإشراف على تنظيم الأسابيع الثقافية والرحالات الترفيهية والمنافسات الرياضية.. وكذا في قيادة المعارك والنضالات المطلبية..
والرسالة في عمقها تنبيه، وانتقاد "للرفاق" في إدارتهم باستماتة لطواحن الهواء، وفي استمرارهم في مطاردة الساحرات وليس إلا.. فإذا كان تسيير وتدبير المجال الطلابي بات محدودا ومقتصرا على بعض الكليات المحدودة، ثم مرهونا عمليا بإمرتهم وقراراتهم وإجراءاتهم التنفيذية، بعيدا عن الإشراك الطلابي الجماهيري وعن التنسيق النضالي مع باقي الفصائل الطلابية الديمقراطية والتقدمية.. فلماذا الصراخ إذن، والزعيق والتشكّي من آفة البيروقراطية مثلا؟ وكأن هذه الصرخة يمكن تعدادها كنوع من الدعوة للتصحيح والتقويم للعلاقة التي يجب أن تربط عموم الطلبة باتحادهم إوطم عبر ممثليهم وسط الأجهزة التمثيلية والتنفيذية المسيرة للهياكل التنظيمية داخل المؤسسات الجامعية.. والحال أنه لا توجد بتاتا تمثيلية ديمقراطية معتبرة وسط "القلع والحصون"، سوى تمثيلية التيار نفسه، والتي تتميز بالوحدانية والتفرد، وتمتلك السلطة المطلقة بناءا على "نجاعة" مواقفها التي لا تحتاج سوى للتأييد والمباركة، دون نقد أو تمحيص يضع الرأي العام الطلابي أمام اختيارات أخرى بديلة.!
فالنقاش الذي نود استكماله عبر هذه الرسالة، نقاش يهم في العمق الجماهير الطلابية، وبدرجة أولى نشطاء الحركة الطلابية التقدميين والديمقراطيين بجميع مكوّناتهم وحساسياتهم، باعتبارهم المعنيين مباشرة بأوضاع الجامعة، وبمستقبل الحق في التعليم، والحق في الجامعة الديمقراطية، وهو نقاش له علاقة كذلك بالمخططات التي تحاك ضد هذه الجامعة، والتي تروم نحو إفراغها من مضمونها العلمي والإبداعي الابتكاري، لبناء، بالمقابل والموازاة، جامعات خاصة مؤدى عنها، لأبناء الأثرياء.. وهو الشيء الذي يؤرق صراحة عموم التقدميين الديمقراطيين المغاربة الذين لهم حرقة على هذا المكسب التربوي والثقافي والتنويري الذي اسمه الجامعة.
فلم يكن "الماركسيون" وحدهم المعنيين بأوضاع الجامعة وبأوضاع الطلبة ومستقبل الطلبة، وإن كانت اهتماماتهم يجب أن تنصب بدرجة أولى على أوضاع الطبقة العاملة، وعلى غياب حزبها الثوري المستقل بالإضافة لنقاباتها المناضلة كهموم أساسية.. ومن ادّعى غير هذا من "الماركسيين" فهو تائه، أحول، ضل الطريق وفقد بوصلة التغيير الثوري السديد.
فلا مجال للمزايدة والارتباك في تحديد المهمات النضالية وسط الحركة الطلابية، فعموم الحركة الديمقراطية التقدمية وعموم الجماهير الطلابية المناضلة معنية بشكل كبير بأوضاع الجامعة هذه، وبنضالات الحركة الطلابية، وبمطالب جماهير الطلاب، وبضرورة النضال من أجل الحريات الديمقراطية والدفاع عن حرمة الجامعة ثم المطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين الطلبة لأسباب نضالية.. فهذه هي الحقيقة التي لا يمكن "أن يتناطح حولها عنزان"، وهي عكس ما اتجه له "الرفيق" عبر رده المتشنج والمفعم بالسب والشتيمة لا غير، حيث حاول جاهدا التعبير عن رأي غريب يدعو "لتأميم" الحركة الطلابية وخنقها تحت إبط "الرفاق"، لتصبح بالتالي مرتعا خاصا للتيار نفسه، خارج أي أفق وحدوي يشرك الجميع طلبة ومناضلين، ويوفر الشروط لإعادة بناء الاتحاد وهيكلته على أسس ديمقراطية وجماهيرية.
فالوقاحة والبولميك الفارغ لن يحل المشاكل ولن يجيب عن المعضلات، لأن المرحلة تحتاج فعلا لمناضلين ديمقراطيين لا يزدرون الاختلاف والتنوع، ولا يمنعون الصراع والتناظر الديمقراطي ولا يرفعون السواطير والبلطات في وجه الطلبة المخالفين، فقط لأنهم يدافعون عن اختياراتهم الفكرية والسياسية والثقافية المستقلة والحرة.!
جانب آخر ويتعلق بالطريقة التي تم بها التفاعل، والتي افتقدت لأية منهجية مقبولة تسوق التحليل وتؤطره، لما لاحظناه وتابعناه كما الجميع، حيث كان الرفيق ينط من موضوع لآخر، ومن نقطة لأخرى، مستميتا في دفاعه عن مواقف وممارسات رفاقه القاصرة والخاطئة، يقوّلنا ما لم نتلفـّظ به، ويلبسنا تصورات من نسج خياله، ويحشرنا في تجمعات لا علاقة لنا بها وبأهلها.. ولا يتوانى عن الخلط الفظيع بين الفريق التقدمي والفريق الرجعي، مؤكدا على جهله التام والمفضوح لمعنى التقدمية، ليقرر بكل أنانية وبيروقراطية مفرطة طرد عموم الفصائل المناضلة من الحركة الطلابية واتحادها إوطم.. إذ يصعب علينا ونخجل صراحة، حين يدفع بنا البعض لتقمص وظيفة الأستاذ في مثل هذه الحوارات التي نود صادقين أن يطبعها التفاعل، واقتراح البرامج، والبحث عن مخارج للأزمة التي تتخبط فيها الحركة الطلابية والجامعة المغربية، عوض التبجح والنرجسية المفرطة.
هذا الحوار الذي كان يفترض فيه أن يطبعه الإنصات، والتعاطي، والتفاعل مع وجهة نظرنا التي لا غبار على تقدميتها وديمقراطيتها ووحدويتها، اجتنابا للشتيمة والسباب والنابي من الكلام.. والذي نريد أن نبعده عن هذا النقاش الذي لا يهمنا لوحدنا كوجهة نظر مناضلة، بقدر ما يهم مصير النضال الطلابي بمجمله، ويعني حقوق الطلاب بتنوعها، وكذا وضعية وحال إطارهم المنسي الذي ما زلنا نعتبره اتحادا منشودا، إوطم التقدمي والجماهيري.. فأي معنى سيبقى للاتحاد إذا ما جازفنا وغامرنا متنطعين ومتياسرين، وأضفنا لمبادئه الأربعة مبدءا خامسا وسادسا وسابعا.. يشترط على الطالب بأن يكون ثوريا وماركسيا ولينينيا.. حتى يحظى بالقبول، ويسمح له بالانخراط في صفوفه.! فهو ذا المنطق الذي يحكم هذا الرأي الذي لا يقبل بالإصلاحيين والفوضويين والشوفينيين والعنصريين.. في صفوف الاتحاد.! فشتان بين النقد والإقصاء، وشتان بين الصراع الديمقراطي، والفضح، والتشهير بالأفكار الخاطئة أو القاصرة.. وبين الإقصاء والمنع والقمع تحت فتاوي أقل ما يقال عنها أنها لا ديمقراطية ومناهضة للتعددية ولجماهيرية إوطم المنشود.
وفي السياق نفسه، ثمة أسئلة كثيرة كنا نود تلقي إجابة صريحة عنها من طرف "الرفاق"، لإقناعنا كما عموم الطلبة والمناضلين، ليصبح الجميع من أنصار هذا التيار ـ البرنامج المرحلي ـ ولتتوسع قاعدته، ويتقدم فعله النضالي.. ومن بين هذه الأسئلة، ما هي العوامل الفعلية والحقيقية التي ضمنت حضور واستمرارية الحضور والسيطرة لشعارات ارتبطت إلى هذا الحد أو ذاك بتيار "البرنامج المرحلي"، لأزيد من ثلاثة عقود من السنين؟ ثم ما هو السر أن تظل الساحة الطلابية مرهونة بمطالب وعناوين غريبة على الساحة الجامعية والطلابية وتعتد في ظاهرها من بقايا مشاكل بداية الثمانينات ومخلفات فشل آخر مؤتمر للاتحاد الطلابي إوطم، مشاكل تنظيمية حاولت صد البيروقراطية ومنعها من الاستشراء، وأخرى لها علاقة بمستقبل التعليم الجامعي رفضت الإصلاح الجامعي الذي تم التخطيط له، وتم الشروع في أجرأته بداية الثمانينات، أي مباشرة بعد مناظرة إفران الثانية.. الجواب على هذه الأسئلة يستدعي المسؤولية وبعضا من الجرأة ليس من طرف "الرفاق" الذين لا يتوفرون على جواب، أغلب الظن، بل منا جميعا طلبة ومناضلين ونشطاء الصف الديمقراطي والتقدمي.. فمهما الجهود التي تقدمها بعض الفصائل الطلابية في مواقع عديدة، لم تبادر الفصائل هذه لإعلان أية خطوة وحدوية بين فصيلين أو أكثر، يكون لها شأن ووقع وتأثير على الوعي الطلابي.. فحيث ما زالت مثل هذه الخطابات وهذه السلوكات المناهضة للوحدة وللاتحاد، وجب حضور البديل الإوطمي الوحدوي، الذي لن يتوانى عن اتخاذ المبادرات اللازمة المشتركة، وتشكيل مجالس الطلبة ومجالس المناضلين لفتح النقاش وإعلان المعارك، حماية للجامعة وضمانا لجودتها ومجانيتها.. من هذا المنطلق وهذا التحليل الموضوعي نعترف بمساهمة جميع الأطراف في هذه الأزمة التي تعيشها الحركة الطلابية المغربية ومن هذا المنطلق نفسه نمدّ الأيادي وندعو الجميع للانخراط في هذا النقاش بكل الجدية اللازمة، بعيدا عن العبث وعن المزايدات الفارغة وانعدام المبدئية.. كأن يدّعي المرء ما ليس فيه بالمرة، ويتبجح بالديمقراطية ويتغنى بالجماهيرية والإخلاص الثابت للقواعد الطلابية.! وهي في الحقيقة مجرد إدعاءات وترهات لم تعد تقنع سوى العشرات من المريدين المخلصين لهذا الخطاب وما يرتبط به من ممارسات هوجاء.. فمن أسسوا النهج الديمقراطي القاعدي بداية، بادروا كذلك بناءا على تصور بديل في صفوف الاتحاد، راهن بقوة على إشراك جماهير الطلاب في تسيير الاتحاد ودمقرطته العملية، وليس الدعائية.. لتجسيد مبادئ الاتحاد على الأرض.
فمن داخل الاتحاد وعبر هياكله وقوانينه التنظيمية تم فرز لائحة الطلبة القاعديين.. حيث كان الاتحاد في شكله ديمقراطيا يقبل بوجود، وبتنافس مختلف التيارات والفصائل الطلابية التقدمية، من أجل تمثيل الطلبة وتسيير اتحادهم وقيادته أثناء المعارك النضالية.. ولم يكن هناك من شرط قبلي سوى الالتزام بمبادئ المنظمة الأربعة والتاريخية، الديمقراطية والتقدمية والجماهيرية والاستقلالية، بالإضافة للقانون الأساسي للاتحاد.
ومنذ ظهور هذه اللائحة المناضلة على الساحة، أبدت معارضتها للتيارات الطلابية الثلاثة المتحالفة والمرتبطة حينها بحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة 23 مارس، بسبب من تخاذلها ومساومتها وانتظاريتها وتسلطها البيروقراطي على الطلبة وعلى المنظمة إوطم.. كان الصراع مع هذه الفصائل السياسية من داخل الاتحاد، غير مفرّط في وحدته وغير متساهل في المساس بمبادئه وتوجهاته النضالية المرتبطة أشد الارتباط بمصالح الطلبة وبمستقبل التعليم والجامعة.. إذ لم تكن هناك من معارضة لتواجد هاته التيارات بسبب من سياساتها الإصلاحية أو بسبب من تحريفها للمرجعية الماركسية، بل بسبب التفريط في المطالب الطلابية ومهادنة النظام على الواجهة التعليمية والجامعية والديمقراطية.. فمثل هذه النقاشات لم تطفو للسطح إلا بعد صدور وثيقة "الكراس" سنة 84 وما رافقها من تحليلات وتقديرات سقطت هي نفسها في قعر البيروقراطية والتوافق الترقيعي على حساب المكتسبات الديمقراطية والجماهيرية المبدئية والقاعدية..الخ فحذار من الانحراف والانزلاق، فليس بالعبث إذن أن يرفض "الرفيق" هذه المقاربة الوحدوية وهذا الطموح لإعادة إوطم لأمجادها قوية منظمة وديمقراطية، تدعو جميع من هم على استعداد للنضال وقيادة النضال من أجل تحسين أوضاع الطلبة وتحقيق مطالبهم وحقوقهم المادية والمعنوية.. ويدعي في نفس الوقت مناصرته للجماهيرية والقاعدية والديمقراطية..الخ!
فالتيار المناضل الناجح هو التيار الذي يمتلك برنامجا واضحا، يحظى بالتعاطف الجماهيري اللازم ويخضع ويقبل بالنقد الذاتي، ويراجع نفسه باستمرار ويقف بشجاعة ضد النواقص والأخطاء.. إذ هو، أي البرنامج، بمثابة خارطة طريق لما يجب عمله وإنجازه على الأرض بكل ما يتطلبه ذلك من تنظيم وحشد للقوى الطلابية، ومن التصميم النضالي ومن حضور للبعد الديمقراطي والتقدمي خلال العملية.. فليس بالتيهان والتشبث بجمل رفضوية، شاخت ثم ماتت في لحظتها، ولم يصمد منها سوى الزعيق والتشجيع على الفراغ التنظيمي والعفوية القاتلة والأفكار الفوضوية البلهاء والعنف والتصفية الجسدية..الخ يمكن بها حل مشاكل الحركة الطلابية ومعالجة أزمتها التنظيمية.. ليس بهذه الرفضوية المقيتة وبهذه الانعزالية القاتلة يمكن توفير الشروط المثلى لخوض المعارك الطلابية بأكبر قاعدة جماهيرية ممكنة.. إذ بدون هذه القاعدة الضرورية والتي هي بمثابة الضمانة لنجاح الخط الديمقراطي الوحدوي، لن يكون هناك مستقبل لاتحاد طلابي مناضل قادر على خوض المعارك، وعلى تأطير النضالات الطلابية، للمساهمة في بناء الجامعة الديمقراطية بكل الحزم والإصرار المطلوبين، والمساهمة كذلك، وبالموازاة، في وضع أسس المجتمع الديمقراطي المنشود الذي سيقطع نهائيا دابر الاستبداد والاستغلال، ويؤسس لتعليم شعبي ديمقراطي علماني وموحد.
فالاستفراد بالساحة الطلابية في ظروف تتميز بالجزر واللامبالاة، ووهن الجسم الطلابي، ومراكمة الأخطاء والفظائع.. لا يسمح بتقييم "الانجازات" واعتبارها من خوارق "البرنامج" وأنصاره.. في الوقت الذي ظلت فيه الحركة الطلابية ومنذ بداية الثمانينات أي بعد فشل المؤتمر الوطني السابع عشر، غارقة في مسلسل لا ينتهي من المقاومة وردود الأفعال والتفاصيل اليومية.. دون هذا لا وجود لبرنامج طلابي نضالي على الأرض يستحق الإشادة والتنويه.
صحيح أن الحركة تضم في صفوفها وجهات نظر عديدة متقاربة إلى حد كبير في معالجتها للأوضاع وللأزمة التي تتخبط فيها الحركة والجامعة سواء بسواء.. لكن ما ينقص هذه الرؤى هو الاقتناع التام بخط الوحدة، والمبادرة الجدية والمنظمة من أجل تفعيله.. حيث المطلوب هو الجرأة النضالية اللازمة لطرح المخارج الملائمة والانكباب على حال إوطم الجريح وعلى صياغة برنامج للنضال الطلابي، لا مكان فيه للخوارق والمعجزات والأساطير والأشباح.. برنامج ينطلق من واقع الجامعة وما تحتاجه الجامعة من مطالب وحقوق وحريات.. فما كانت الوحدة والعمل الوحدوي منافية للصراع حول البرامج، أو مانعة للصراع الفكري والسياسي وسط باحات الجامعة، وفي القلب من حلقات النقاش، وعبر المجلات وعلى جداريات الكليات..الخ. على العكس فالوحدة اعتراف صريح بالتناقضات وتدبير ديمقراطي للصراعات الطلابية الثانوية، فحين تكلمنا عن الأسطورة عنينا ما نقوله حقا، علاقة بواجباتنا النضالية تجاه الجامعة والأوضاع الجامعية.. حيث أجمعت الفصائل الطلابية التقدمية، الإصلاحية والراديكالية، على رفضها لهذه المخططات وأعلنت عن تصميمها على مناهضتها وعلى إسقاطها.. كل حسب خطته ومنهجيته النضالية، انطلاقا من اقتناع جميع الفصائل بخطورة هذه المخططات وبمضمونها الطبقي الصارخ، الذي يستهدف بالدرجة الأولى أبناء الفقراء، وحقهم في مقعد جامعي يضمن لهم التكوين وينمي قدراتهم العلمية والمعرفية ويؤهلهم بالتالي لسوق الشغل..
وعلى هذا الأساس دعونا ولا زلنا ندعو كافة التيارات المناضلة وخصوصا تلك التي تعتقد وتعمل بوصفة "التحلبيل الملموس للواقع الطلابي الملموس"، وهي المطالبة أكثر من غيرها بالمتابعة اللصيقة لكل ما يجري التخطيط له في العلن والخفاء، ويهدد مصالح الطلبة ويمس بحقوقهم.. حيث المطلوب التفكيك والرد والفضح المستمر لهذه المخططات، وليس الاكتفاء بالرفض والاختباء وراء لاءاته، دون الخوض في نضالات تدعم المطالب وتحمي المكتسبات..
كذلك الشأن بالنسبة للأوضاع التنظيمية للحركة الطلابية وللفراغ التنظيمي الذي خلّفه اتحاد الطلبة إوطم الغائب عن تفكير "الرفاق" والغالبية من الفصائل التقدمية، وهو وضع مختل وسلبي، لا يساعد الحركة على انطلاقة قوية للدفاع عن حقوقها ومطالبها، إذ أن الرفض للبيروقراطية والمعارضة الشرسة لها، لا بد أن يقابله ويوازيه مشروع تنظيمي ديمقراطي بديل يقطع مع التسلط والتفرد والانتهازية والانتظارية.. فأين نحن من هذا؟ أين نحن في ظل الغياب الكلي لأي تنظيم، وفي ظل العداء المكشوف أو المبطن لثقافة التنظيم..؟!
فحجم المشاكل التي تعرفها الجامعة، يستوجب على حركتها الطلابية المناضلة بأن تتوفر على تنظيم قوي في شكل اتحاد يسمح لعموم الطلبة بالانخراط في صفوفه على أساس من المبادئ الواضحة والمرتبطة بطبيعة الحركة، دفعا للخلل الحاصل في تفكير "الرفاق"، وفي منظورهم للحركة الطلابية وللاتحاد الطلابي إوطم، حيث لا فرق في مخيلتهم بين الحركة الطلابية والحركة الثورية، ولا فرق بين المنظمة الثورية والمنظمة الطلابية إوطم.. فعلى هذا الأساس يتم البحث والتفتيش في مضمون الخطابات الطلابية المخالفة والمتنوعة، حتى تتلائم مع المرجعية الماركسية، في محاولة بئيسة لتحصين هذه الخطابات من "التحريفية والانحراف".. هراء.
فهل هذه يا ترى مهامنا وسط الحركة الطلابية في هذه المرحلة التي تستدعي منا نهوضا طلابيا عارما يحمي الجامعة من التلاشي ويصون حقوق الجماهير الطلابية، المادية والمعنوية والديمقراطية، ويترك الحرية لعموم الطلبة وجميع التيارات الفكرية والسياسية بأن تقوم بأنشطتها ودعايتها بكل الحرية المطلوبة، استنادا على ما تركه ورسّخه أوطم من مبادئ حيث يجب تجنب الخلط واللبس في المفاهيم، والابتعاد عن التفتيش والتربص بالإصلاحيين والتحريفيين والشوفينيين..الخ على سبيل المثال فليس كل التقدميين ثوريين، ولا بالتالي ماركسيين.. ودون هذا التوضيح لن نتخلص من هذه الإسقاطات المضرة بجسم الحركة والمؤثرة لا محالة على سيرها في الطريق السديد.
فالحركة الطلابية لها مهامها الخاصة والنسبية، وهي الدفاع عن المصالح المادية والمعنوية لعموم الطلبة، وأي برنامج لا يضع في سلم أولوياته هذه المطالب لا يمكن اعتباره برنامجا طلابيا أو برنامجا معدا للطلبة.. ثم إن الحركة في مضمونها وتوجهها، حركة ديمقراطية غير معنية مباشرة بالسلطة السياسية ولا بالتخطيط للاستيلاء عليها.. فهذه معطيات أولية وبدائية في الفكر السياسي، ستمكن الحركة الطلابية من عدم الانزلاق والخلط في مهام ليست من صميم مهامها، مهام طبقية صريحة تهم الطبقة العاملة المنتجة وحلفائها الموضوعيين من الطبقة البورجوازية الصغيرة في المدن والأرياف وهؤلاء هم المعنيون، حقا بالثورة والتغيير..لأن الحركة الطلابية غير مؤهلة لهاته الأمور التي يجب أن تتجنـّد لها أحزاب سياسية بالمعنى الحرفي للكلمة، وإذا غابت هذه الأحزاب فليست مشكلة الطلبة المباشرة، بأن ينوبوا عن هذه الطبقات، ليملئوا بالتالي الفراغ، ويتحملوا مهمات ليست من طبيعة مهامهم.. فالطلبة وكما أقر ذلك علماء الاجتماع والباحثون المختصون وعموم المثقفين الثوريين، ليسوا سوى فئة اجتماعية تعيش وضعا انتقاليا مؤقتا، وتفتقد لموقع واضح ومحدد في دائرة الإنتاج، ولا تعوض بالتالي أيه طبقة اجتماعية، كيفما كان دورها ومؤهلاتها للمشاركة في الثورة أو قيادتها.
وعلى هذا الأساس يصبح من الصعب على هذه الفئة وعلى الحركة المستندة عليها، أي الحركة الطلابية، امتلاك خط سياسي منسجم أو رؤية فكرية واضحة تعبر عن مصالحها وتدافع عن مستقبلها..فما ميّز الجامعة، وأعطاها بعدها الاجتماعي منذ ستينيات القرن الماضي، هو توافد أعداد غفيرة من أبناء الطبقات الشعبية المحرومة على الجامعة، والتي لم تكن إمكانياتها وشروط الدراسة بها تلبي الطموحات الجارفة لدى الطلاب، لتقوى الرفض والمناهضة للسياسات التعليمية القائمة، والاستعداد التام والدائم للنضال والمطالبة بجامعة ديمقراطية وتعليم شعبي وديمقراطي، يلبّي هذا الطموح.
كان هذا هو الحد الأدنى التاريخي المقبول والموضوعي، الذي أجمعت عليه المكونات الديمقراطية والتقدمية داخل الحركة الطلابية، ولم تعارضه قط الجماهير الطلابية، بل باركته وأيدته على طول الخط، ما دام هذا المتفق عليه لا يهمل في شيء مطالبها اليومية، المادية والمعنوية، ويلتزم بكل مبدئية، بالدفاع عن الحريات الديمقراطية وبصيانة حرمة الجامعة، وبالمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين الطلبة لأسباب نضالية واحتجاجية..
فهو ذا الوضوح المطلوب، وغيره الخلط والانزلاق الفظيع الذي لا يفصل ولا يميز بين النضال الديمقراطي المرتبط بمصالح القواعد الطلابية العريضة، وبين النضال السياسي الحزبي الصرف الذي يحاول بكل الأساليب الديمقراطية وغير الديمقراطية، فرض سيطرته وإثبات ذاته وتصوراته ومفاهيمه والعديد من مواقفه.. ضدا على التعددية والتنوع الديمقراطي والفكري والثقافي..
فبسبب هذا الهوس وهذه النرجسية القاتلة، لا يتوانى "الرفاق" عن التصنيف الأهوج للفصائل الطلابية المناضلة، والتشكيك في أحقيتها بالانتماء للصف الديمقراطي والتقدمي، ونعتها بأوصاف تتغيّى الإبعاد والإقصاء عن هذا الصف.. وهو سلوك نرفضه وندينه، لأننا بالمناسبة، جميعا تقدميين وديمقراطيين وفي غنى تام عن إثبات هويتنا اليسارية لأي كان، ولأية جهة، تريد فتح التحقيق حول صفائها ونقاوتها.. نقرّ بالتعدد والتنوع داخل الساحة الطلابية ونحترم جميع المكونات المناضلة وجميع الاتجاهات الفكرية والسياسية التقدمية، وسط الطلاب كيفما كانت درجة يساريتها وارتباطها بالماركسية أو ابتعادها عنها، والحال أن هذه الأخيرة لم تكن دائما محط إجماع أو مرجعية مشتركة لكافة المناضلين والمناضلات الطلبة.. حيث المهم هو العمل بكل ما في جهدنا لتوحيد الفعل النضالي خدمة لمصالح الجماهير الطلابية، ولمصلحة الحركة الديمقراطية التقدمية المناضلة من أجل إصلاح حال التعليم والجامعة والمدرسة العمومية.. وهو الشيء الذي لن يدفع بنا خلال هذه اللحظة العصيبة إلى الارتجال أو المزايدة واختلاق الأعداء، عبر الدعوة لمواقف ومطالب شاخت مع الزمن، وخفت بريقها من كثرة ترديدها بمناسبة وبغيرها، تأكيدا لوصفة "ما يمكن ولا يمكن" عوض التوجه لما يمكن عمله، حيث بإمكان فصائل الحركة الطلابية الديمقراطية والتقدمية، أي الطلبة القاعديون، والقاعديون التقدميون، والتوجه القاعدي، والطلبة الماويون، والطلبة الثوريون، والنهج الديمقراطي القاعدي، وممثلي الأحزاب، النهج الديمقراطي والاشتراكي الموحد والطليعة والمؤتمر الاتحادي، وممثلي الحركة الأمازيغية الديمقراطية والطلبة الصحراويين..الخ، أي جميع الحساسيات والفعاليات المناضلة،.. بإمكانها صياغة البرنامج الديمقراطي الموحد، والإعداد للمعركة الشاملة من أجل إنقاذ الجامعة وحمايتها من التلف والتلاشي عبر تحولها لمجرد بنايات وفقط.. إذ يجب رفع التحدي والانخراط الواعي والنوعي في هذه المعركة عبر عملية تعبئة عميقة وشاملة وسط الطلاب، بكل ما تستلزمه المعركة من إعداد تنظيمي وحشد للقوى والصفوف.. من أجل بناء الجامعة الديمقراطية التي ستلبي طموح عموم الديمقراطيين وعموم الطبقات والفئات الشعبية، عوض لاءات الرفض السخيفة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
لقد كان حريا بـ"الرفيق" أن يقدم الرأي في الأوضاع المزرية التي تعرفها الجامعة والتعليم العمومي والمدرسة، وأن يقدم الوصفة النضالية، أي البرنامجية، القادرة على تجاوز هذه الأوضاع، بتحسين مستوى وظروف التدريس والتكوين وفتح الآفاق المشجعة للخريجين من أبناء الفقراء قصد إدماجهم في سوق الشغل.. وهو النقاش الذي يمكن أن نصفه بالجدي، له راهنيته القصوى التي لا يمكن أن يزدريها، أو يقلل من قيمتها مناضل تقدمي عاقل.
فها يستقيم الوضع، وتتبدد الغيوم عن بصيرة "الرفاق" للانخراط في برنامج الدفاع عن الجامعة، وعن الحق في التعليم، عوض أن يبقوا مرهونين "ببرنامج" يستحي المرء من عرض نقطه على الملأ، وإن كان رافضا "للإصلاح التعليمي" ومناهضا للبيروقراطية وسط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الذي يئن تحت وطأة الحظر العملي..الخ من السمفونية التي طالما شنفت الآذان والأسماع.
فقبل أن يناهض المرء البيروقراطية، التي يعاني منها جسم التنظيم والاتحاد الذي ينظم ويؤطر صفوف الطلبة، وحركتهم النضالية، لا بد من إعادة التنظيم وإبراز وجوده عمليا، عبر رفع الحظر الذاتي عن المنظمة أوطم، لإطلاق المبادرات بعدها للتوافق بين كافة الفعاليات الطلابية التقدمية من داخل مجالس للمناضلين تضم عموم النشطاء الطلاب، المنتمين وغير المنتمين، قصد البث في شكل التنظيم، وفي مضمونه الديمقراطي الجماهيري.. وغير هذا مجرد زعيق وقفزات في الهواء، لن تمكن الحركة الطلابية من الخروج من أزمتها، ومن إيقاف التدهور الذي يعاني منه التعليم الجامعي وأحوال الطلبة.
فلهذه الأسباب اعتبرنا أن مجرد الكلام عن "برنامج" للحركة الطلابية خلال هذه المرحلة العصيبة، خارج التصور الوحدوي وبعيد عن المطالب الملموسة، المادية والمعنوية والديمقراطية..بصبح غير ذي موضوع، مجرد خرافة أسطورية، يلوكها البعض ويتمادي في ذلك، معتقدا في صدقيتها ومؤمنا بأركانها دون التفات للمخلفات والمضاعفات والتقهقر، ودون اعتبار للهزائم وضياع المكتسبات.. محولا إيّاها، ببلادة وغباء، إلى انتصارات وصمود وقبض على الجمر.. الخ من الترهات.
فإذا لم نكن نملك العين المتفحصة والرؤية الثاقبة لمعالجة هذه الأزمة التي تعيشها الجامعة وتتخبط في وحلها الحركة الطلابية، ونقدرها بكل موضوعية ونعترف بها، لنعمل جادين من أجل الحد منها وتجاوزها، عبر رسم خارطة طريق يشارك في وضعها مجمل الجسم التقدمي والديمقراطي، فلن يكون معنى لنقاشنا وحوارنا الحالي.. إذ لا مفر من حد أدنى نضالي بين جميع المكونات والجماعات والاتجاهات والأصوات المناضلة الراغبة في إعادة هيكلة الاتحاد الطلابي إوطم لفتح المعارك اللازمة لإنقاذ الجامعة وللمساهمة في التأسيس للجامعة الديمقراطية المنشودة.
وإذا كان لابد من صرخة في هذه اللحظة الحاسمة، وفي هذه الظروف العصيبة، فلن يكون مفادها وملخصها، سوى أعيدوا الاعتبار للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، شيدوه من جديد على أسس ديمقراطية نوعية وجماهيرية، تشبثوا جيدا وعمليا بمبادئ إوطم الأربعة التاريخية في إطار وحدة ـ نقد ـ وحدة، دافعوا باستماتة عن الجامعة وعن حقكم في التعليم المجاني، دافعوا عن الحريات وطالبوا بإطلاق سراح المعتقلين، ودافعوا عن حرمة الجامعة وعن إيقاف المتابعات والملاحقات في حق المناضلين والمناضلات.. فهي ذي رؤوس أقلام البرنامج النضالي الصادق الذي يعبر بعمق عن مشاكل الطلبة دون مزايدة، ودون تجاوز لطبيعة الحركة الطلابية، باعتبارها في الأول والأخير، حركة ديمقراطية مسؤولة عن صياغة برنامجها الذي يجب أن يكون موجزا، واضحا ودقيقا عن كل ما نريد بلوغه وكل ما نناضل في سبيله، حيث الواجب يقتضي صياغة برنامج واضح ودقيق لكي تعرفه الجماهير بأسرها وتراه في الأول والأخير.
وفي نهاية المقال نذكر "الرفاق" وجميع المناضلين الأوطميين بأن الهدف من نشر المقال هو الحوار والنقاش الديمقراطي ولم يكن الغرض بتاتا الطعن أو التشكيك في شرعية أحد من المناضلين أو التيارات التقدمية، معتبرين أنفسنا جزءا من الكل، أي جزء لا يتجزأ من الحركة التقدمية التي تناضل من أجل تغيير الواقع الطلابي والمساهمة في فك أزمته والدعم كل الدعم لبرنامج نضالي موحد ومتوافق عليه، يحظى بالدعم الجماهيري اللازم، يتناول الشؤون الطلابية بكل الجدية والمسؤولية، مراعيا للأوضاع والمعطيات الذاتية والموضوعية، والتي لن تحلها الرفضوية والنرجسية والتضخيم القاتل للذات..الخ، بهذا التوضيح نكون أجبنا عمليا عن سر "صمود" البرنامج المرحلي لكل هذه السنوات، بما يعكسه على النقيض من تقهقر في الأداء النضالي، وضياع للمطالب والمكتسبات، رغم هول التضحيات والاعتقالات، بل والاستشهادات حتى..

مصطفى بنصالح
يناير 2019

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول