أور الكلدانيين ليست في العراق ج2

موفق نيسكو
2019 / 1 / 19

أور الكلدانيين ليست في العراق ج2
أور الكلدانيين هي مدينة الرها (أور هاي، أورهاي) حاران، حرَّان، في تركيا الحالية، وليست أور الناصرية في العراق
يتبع ج1
ذكرنا أن كلمة كلدان لا توجد مطلقاً في النص العبري، بل هي أور الكاسديين، ولا علاقة لاسم الكلدان بمدينة أور ولا حتى بمدينة بابل مطلقاً قبل 612 ق.م.، وقبل هذا التاريخ وقيام الدولة الكلدانية، فالحضارات والسلالات التي قامت في بابل، وعددها عشرة، هي بابلية، لا كلدانية، كالأمورية والكاشية والبابلية الرابعة والخامسة..إلخ، وأقدم ذكر لكلمة كلداني في التاريخ وردت في مدونات الملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني (883–859 ق.م.) وكان الاسم يطلق على قبيلة تقيم على مقربة من الخليج العربي وأسسوا دويلات عديدة، بيت ياكين، بيت عموكاني، بيت دكوري. (حامد عبد القادر، الأمم السامية ص80. والمحيط الجامع، ص1031)، أمَّا في الكتاب المقدس فأقدم ذكر لكلمة كلدان هو في سفر أيوب (1: 17)، مع ملاحظة أنه لا علاقة لمفهوم كلمة كلداني هنا، بدولة الكلدان التي أسسها نابو بلاصر أبو نبوخذ نصر والتي أطلق عليها اليهود وبالذات النبي دانيال اسم الكلدان كصفة بمعنى ساحر، مشعوذ، هرطوقي، عرَّاف إلخ، كما ترد في جميع قواميس السريان الشرقيين الذين سمتهم روما كلداناً (انظر على سبيل المثال قاموس المطران أوجين منا الكلداني ص338)، وأتت كلمة كلدان في سفر أيوب، لا لتدل على قوم، بل صفة أيضاً بمعنى قطاع طرق ولصوص، وجاءت مقترنة بالسبئيين العرب، ومعلوم أن سفر أيوب كُتب في الصحراء العربية - السورية في أرض عوص والراجح أنها منطقة حوران.

والآن نناقش التوراة نفسها لنرى هل إن إبراهيم خرج من أور الكلدانيين؟، فنقول:
1: إن أور الكلدانيين ليست في العراق، إنما أور هي مدينة الرها (أورفا) الحالية شمال سوريا في تركيا، التي كان يسكنها إبراهيم وأبيه وأجداده، وحصلت مشكلة لتارح أبو إبراهيم وأبنه إبراهيم في الرها مع وثنيّ المدينة ومُنجِّميها وعبدة الإله القمر، أي الكلدان، بزعامة أحد جبابرة الرها المصوَّر باسم نمرود، والأرجح أنها كانت بسبب الحقول الزراعية والأرض والمشية، فانتقل إبراهيم وأبيه إلى حاران ونارحور القريبة جداً من الرها: (وأخذ تارح أبرام أبنه ولوطاً بن هاران ابن أبنه وساراي كنته إمرأة أبرام أبنه، فخرجوا معاً من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك، تكوين 11:31).
2 قلنا أن معنى أور هو مدينة، وليس معناها أور العراق، والترجمة السبعينية للكتاب المقدس سنة 280 قبل الميلاد، لا تقول إن أور الكلدانيين، معناها أور الناصرية في العراق، بل معنى أور هو مدينة (أرض، كورة)، كما أسلفنا.
https://d.top4top.net/p_11140j2451.png

3: في التوراة السامرية باللغة العبرية، تأتي أيضاً أور الكاسديين، ومعنى أور تحديداً هو: الضوء، النور، بياض، وليس أور الناصرية في العراق، أي المقصود أن إبراهيم رحل من سلطة الكلدانيين على الأرض أو الحقول، وفي الترجمة العربية للتوراة السامرية التي قام بها اليهود أنفسهم، حددوا المنطقة بالدقة والاسم الواضح، فتقول: كان مولد إبراهيم في محيط أو أطراف (بياض) خراسان (هورسان، حاراسان، أي حاران)، وهي منطقة تقع في أرمينيا، وحول أو قريبة من الرها وحاران الحالية في تركيا، (وكلمة بياض تعني ضوء أو أطراف، حقول).
https://e.top4top.net/p_11147lfju2.png

4: كلمة كلدان في كل قواميس اللغة معناها، مُنجم، عرَّاف، الكهنة المشتغلين بالكواكب، قارئ الغيب، فتاح فال، ساحر، مشعوذ، وهو ما ينطبق على حاران قرب الرها المشهورة بذلك، ولم تُعرف أور العراق بهذه المهنة.
5: إن فلك نوح استقر في جبال أراراط في أرمينيا (تكوين 8: 4)، وعدا التوراة السامرية، وتواريخ الأرمن التي تقول إن جنة عدن وأنهارها الأربعة المذكورة في سفر التكوين هي في أرمينيا مستشهدين بأقوال آباء مشهورين في التاريخ كديونيسيوس وأغسطينوس، فهناك كثير من يرى أن جنة عدن هي في أرمينيا، (مرشد الطالبين إلى الكتاب المقدس الثمين، 1869م، بيروت، ص46. القس أنطوان خانجي، مختصر تواريخ الأرمن، 1868م، ص6، 22، وغيرها. علماً أن مار أفرام السرياني أيضاً يُفهم كلامه في تفسيره لسفر التكوين، ترجمة الدكتور اسعد صوما، مُرفق بالنص السرياني ص205، إن أرض الطوفان هي في الشمال، وليس في الجنوب، فيقول: إن نسل يافث سكن بين نسل سام، واليافثيون انتشروا في الشمال الغرب)، ويؤكد الكتاب المقدس في أكثر من مكان أن الجنة هي في منطقة جبلية في الشمال: كنت في عدن جنة الله..إلخ، أنشأوا فيك صنعة صيغة الفصوص وترصيعها يوم خلقت، أنت الكروب المنبسط المظلل وأقمتك على جبل الله المقدس (حزقيال: 28: 13-14)، ويقول إشعيا: أنت قلت في قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسيي فوق كواكب الله وأجلس على جبل الاجتماع في أقاصي الشمال (إشعيا 14: 13)، ويُنشد داود: مدينة إلهنا جبل قدسه، جميل الارتفاع فرح كل الأرض جبل صهيون، فرح أقاصي الشمال مدينة الملك العظيم (مز 48: 1-2)، وأرفشكاد هو الجد الأبعد لإبراهيم، وورد اسمه منطقته أور فكساد أو أور بكسد، وهي المنطقة الواقعة قرب جبال أرمينيا وبلاد الحور التي كانت تعرف باسم آرابخيس.
6: إن إبراهيم نفسه يتكلم في سفر التكوين ويذكر مكان ميلاده وأرضه وبيت أبيه وعشيرته بالاسم الصريح بدون اسم أور، وهي مدينة ناحور، آرام نهرين، (حاران)، وناحور هو اسم جد إبراهيم، وأسم أخيه أيضاً.
وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له: ضع يدك تحت فخذي، فاستحلفك بالرب اله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم، بل إلى (أرضي وإلى عشيرتي) تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحاق، فقال له العبد: ربما لا تشاء المرأة أن تتبعني إلى هذه الأرض، هل أرجع بابنك إلى الأرض التي خرجت منا؟، فقال له إبراهيم: احترز من أن ترجع بابني إلى هناك، الرب إله السماء الذي أخذني من (بيت أبي، ومن أرض ميلادي)، والذي كلمني والذي أقسم لي قائلا: لنسلك أُعطي هذه الأرض، هو يرسل ملاكه أمامك، فتأخذ زوجة لابني من هناك، ثم اخذ العبد عشرة جمال من جمال مولاه، ومضى وجميع خيرات مولاه في يده، فقام وذهب إلى آرام النهرين إلى مدينة ناحور. (تكوين 24: 1-10).
ونفس الأمر مع إسحق وأبنه يعقوب: فدعا إسحاق يعقوب وباركه، وأوصاه: لا تأخذ زوجة من بنات كنعان، قم اذهب إلى فدان آرام، إلى بيت بتوئيل أبي أمك، وخذ لنفسك زوجة من هناك، ويعقوب سمع لأبيه وأمه وذهب إلى فدان آرام، فخرج يعقوب من بئر سبع وذهب نحو حاران. (تكوين 28: 1-10).
7: وقرب حران اليوم نفسها موقع أثري اسمه حران أوران يري في ولاية شانلي في الرها التي تُسمَّى أورفا أيضاً، ويحسم الموضوع أن أور هي الرها أهم الكُتَّاب في التاريخ والمعتمدين على التوراة.
ا- المؤرخ اليهودي يوسيفوس الشهير صاحب كتب الأمة اليهودية في القرن الأول الميلادي، وفي فصل: (كيف خرج إبراهيم من أرض الكلدانيين، وذهب للعيش في أرض كنعان)، يؤكِّد يوسيفوس أن حاران هي أرض الكلدانيين، والكلدانية هي اسم مذهب أو عقيدة، فيقول: إن إبراهيم غادر أرض الكلدانيين (حاران) إلى كنعان عندما كان في الخامسة والسبعين من عمره، وهو نص سفر التكوين 12: 4، (فذهب أبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران)، ويضيف يوسيفوس: إن حاران تقع أعلى بلاد بابل، وأن المشكلة حدثت بين تارح أبو إبراهيم الذي أثار ضده ضجة من هم على مذهب الكلدانيين والناس الآخرين، وكان تارح يكره الكلدانيين، وهذا ما يُطابق نص التكوين أن قائد الرحلة من الرها إلى حاران تارح، وليس إبراهيم: وأخذ تارح أبرام أبنه ولوطا بن هاران ابن أبنه وساراي كنته إمرأة أبرام أبنه، فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان، فاتوا إلى حاران وأقاموا هناك. (تكوين 11:31)، ويقول يوسيفوس أيضاً إن ناحور جد إبراهيم له مقاماً شاخصاً في عصره (أي عصر يوسيفوس) (تاريخ يوسيفوس، إنكليزي، ص98-101).
ب- أسابيوس القيصري +340م أبو التاريخ الكنسي وفي كتابه عوائل اللغات، يقول: إن نمرود بنى أور (إرك) وهي الرها، وكلنة هي سلوقية، وأكد هي نصيبين. (القيصري، عوائل اللغات، نقل وتحقيق الدكتور الأب يوسف حبي، ص282).
ج- مار أفرام السرياني +373م الشهير في تفسيره لسفر التكوين، يقول: إن إبراهيم سكن حاران، وفي شرحه لتلك المدن الواردة يقول: إن أرك (أور) هي أديسا (الرها)، وأكد هي نصيبين، ورحبوت هي حدياب (أربيل)، وكالح هي الحضر أو قطسيفون (المدائن)، ورسن هي رأس العين في الجزيرة السورية (تفسير مار أفرام السرياني، ترجمة د. أسعد، ص207، وانظر تفسير مار أفرام في المخطوط الماروني، هونت112، مكتبة أوكسفرد، وكان إبراهيم يسكن حاران في جزيرة العراق، ص100).
ج- أمَّا طه باقر عميد المؤرخين العراقيين فيقول: إن آرام نهرين هي حرَّان، ويرد اسمهما مترادفان، وميزبوتاميا هي آرام نهرين، والمقصود بها نهري الفرات والخابور، وليس دجلة والفرات، ويقول الدكتور فرج البصمجي الملاحظ الفني في الآثار القديمة العراقية: إن تسمية ميزبوتاميا هي يونانية أُطلقت خطأ على كل العراق (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، النيل، فارس، الإغريق، الرومان، ص303-304. مجلة سومر، ك2، 1947م، الدكتور فرج البصمجي، أقوم الشرق الأدنى القديم وهجراتهم، ص89)، وحرَّان، معناها الطريق، والآباء اليهود الأوائل جاءوا من هذه الناحية قبل استيطانهم فلسطين.
وللتوضيح أكثر نضيف:
8: لا يوجد أي تفصيل ولا قرينة ولا أية إشارة ولا دليل لا كتابي ولا تاريخي في كل قصة إبراهيم تدل على وجوده في العراق، أو أية إشارة لتلك الرحلة الشاقة والطويلة، بينما كل الأحداث المتعلقة بإبراهيم وفي كل خطوة من خطواته وبالتفصيل ترتبط بالرها وحاران وآرام نهرين وناحور، وبعدها في كنعان، وليس بأور العراق.
9: إن الأماكن والمقامات على اسم إبراهيم ونمرود في العراق قليلة ومحدودة قياساً بالرها وحاران في الشمال، ولم يُسجل لنا التاريخ شيئاً يُذكر عن اليهود المسبيين الذين عاشوا في العراق منذ القرن السابع قبل الميلاد وبلغ عددهم أكثر من نصف مليون حينها أنهم قدَّسوا أور الناصرية مسقط رأس أبيهم أو أقاموا كنيس أو مزار قربه، أو قاموا بزيارات للمكان، بل أن المقامات في العراق على أسم إبراهيم وبعد 2500 سنة من وجود إبراهيم هي للمسلمين، ومقامات إبراهيم ونمرود في العراق موجودة قرب الكوفة وكربلاء والحلة وكوثي، بعيداً عن مدينة أور، وأغلب المسلمون يقولون إن إبراهيم ولد في كوثي شمال الحلة، وبعضهم أشار إلى أن حاران هي مكان مولده، وقسم منهم ذكر أنه ولد بحاران ثم انتقل إلى بابل، بل أن بعضهم ذكر أن سارة زوجة هي أبنة ملك حاران. (انظر مثلاً، الطبري، ابن سعد، الثعالبي، ابن الجوزي، وغيرهم).
وشكراً: موفق نيسكو
يتبع ج3