جريمة قتل خاشقجي: رسائل مُشفّرة للسعودية

سلامة محمد لمين عبد الله
2018 / 10 / 28

تكشفُ التحركات وردودُ الأفعال السياسية المتسارعة في العواصم الكبرى في العالم المنحى الذي بدأت تأخذه جريمة مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي. لقد بات الآن بحكم اليقين لدى الأتراك و الأمريكيين و الأوروبيين، و الرأي العام الدولي، أن الأوامر بتصفية الصحافي السعودي قد صدرت من قمة هرم السلطة في المملكة المتمثل في شخص ولي العهد محمد بن سلمان، أو على الأقل بموافقته الضمنية. يؤيد هذه القناعة مستوى تأهيل أعضاء الفريق الذي نفذ عملية الإغتيال والمسؤوليات التنظيمية المسندة إليهم. ضف إلى ذلك أن الجريمة جرت داخل القنصلية السعودية في استانبول و بطريقة متهورة تتفق مع طريقة تفكير ولي العهد و سلوكه السياسي المدفوع بشعور زائد بالقوة و العظمة و القدرة على اتخاذ القرارات بلا حسيب ولا رقيب و دون اعتبار القيود و القوانين و الأعراف الدولية و الإنسانية. كيف لا، و هو ولي عهد عربي و شاب مدلل في بلد يملك ثروة نفطية هائلة و مواطنوه يعانون شتى انواع الإذلال و التدجين و القمع؛ و فوق ذلك فالرجل يتمتع بحماية القوة العظمى الأكبر في العالم.
الجانب التركي يبدو انه الآن أصبح يملك الأدلة الكافية اللازمة لإدانة ولي العهد رغم غياب بعض العناصر الهامة بسبب عدم تعاون الجانب السعودي. لكن الأتراك لا زالوا لم يفقدوا اعصابَهم، و لم يفقدوا مزاجَهم أيضا. فالتطورات الراهنة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك التحليلات و التكهنات و التسريبات التي عرفتها القضية على طول الأيام والأسابيع الماضية. ظهر هذا جليا في التصعيد في المواقف الغربية أمام موقف سعودي رسمي مرتبك و متناقض و مماطل. المواقفُ الغربية و الدولية تمثلت في جملة من التصريحات و الإجراءات و الضغوط التي تهدف الى جعل السعودية تدرك جدية و ثبات هذه المواقف و القناعات و المطالب، لإجبارها على الإعتراف بالحقيقة المرة التي يعرفها السعوديون الآن و لا يريدون مواجهتها و في نفس الوقت لا يستطيعون اخفاءها أو الإفلات منها. و بالتالي يجب عليهم اتخاذ قرارات سياسية أكثر وضوحا و صرامة، و "ذات مصداقية"، حسب التعبير الشائع، حتى و إن كانت غير مريحة.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الى جانب دفاعه عن العلاقة الاستراتيجية مع المملكة و أهمية عقود مبيعات الأسلحة للإقتصاد الأمريكي، فإنه لم يخف خيبة امله في الجانب السعودي، و اعلن ان الرد الأمريكي الرسمي سيتحدد بموافقة الكونغرس. إن ترامب، عندما يقول هذا الكلام، فهو يضغط على السعوديين من خلال تذكيرهم بأن عددا لا بأس به من اعضاء الكونغرس، خاصة من الجمهوريين، قد عبروا مرارا عن عدم قناعتهم بالرواية السعودية التي سخر منها العالم كله. بل أن الأمريكيين ربطوا بين ولي العهد السعودي و جريمة القتل، باعتبار انه لا يمكن ان يقدم احدٌ في السعودية على عمل بهذه الأبعاد و التداعيات دون أن يكون لولي العهد علم به، نظرا للسلطات و الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها. الموقف الأوروبي تمثل هو الآخربوضوح في البيانات و التصريحات التي صدرت من العواصم الأوروبية، بشكل جماعي أو بشكل فردي، و ينسجم معه الموقف الكندي الذي عبر عنه رئيس الوزراء، جاستن ترودو. إن الزعماء الغربيين الديمقراطيين لم يعودوا يستطيعون ولا يرغبون في التغاضي عن مشاعر شعوبهم التي تشمئز من الأساليب السعودية القمعية اللا انسانية. كما أن هؤلاء الزعماء واعون، بعيدا عن المصالح، بأن الشيء الجميل و الجذاب في الغرب و الذي هو مصدر قوته الحقيقية، هو القيم و الإنجازات الديمقراطية و حرية التعبير و دولة القانون و حقوق الإنسان، و أنه بدون الدفاع عن هذه القيم، فإن الغرب لن يبقى لديه ما يستطيع تسويقه و المنافسة به؛ خاصة أن الأمر هنا يتعلق بنظام متحالف معه و يعتمد عليه في بقائه.
من الدلائل التي تشير الى ما يتم تداوله الآن في الخفاء و يسبب ازعاجا كبيرا للسعوديين هو تصريحات ولي العهد بأنه اصبح يعرف مَن هم الأصدقاء و مَن هم الأعداء، و التي من شأنها اثارة حنق شركاء المملكة الغربيين و حلفائها الأمريكيين. و لا ننسى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قبل وقوع الجريمة بفترة وجيزة كان يهدد القيادة السعودية أثناء تجمع انتخابي أنها لن تستطيع البقاء في الحكم طويلا بدون الحماية الأمريكية.

الشفافية التي يطالب بها المجتمع الدولي تتطلب من الجانب السعودي، الذي يعترف بوقوع الجريمة في القنصلية و يدينُها علنا وقدم معلومات تفصيلية أخرى حولها، هي أن يبادر بنشر محاضر اعترافات المتهمين أو تسليمها للمحققين الأتراك. هذا ظاهريا. لكن في واقع الأمر، فإن المجتمع الدولي اصبح يريد أكثر من نشر اعترافات المتهمين أو تسليمهم، رغم يقيننا أن أيا من الأمرين لن يحدث ابدا، لأن ذلك سيفضي بشكل آلي الى توجيه الإتهام لولي العهد، و هو ما تريد السعودية جاهدة تفاديه. و اذا كانت السعودية تريد تفادي توجيه الإتهمام لولي العهد شخصيا، فهذا يتطلب من الملك سلمان، كشرط أدنى، إقالته أو على الأقل تقليص صلاحياته بشكل كبير. كما يمكن للملك، ايضا، تعيين ولي ولي العهد الحالي،الأمير خالد بن سلمان، وليا جديدا للعهد بدلا من محمد بن سلمان. ربما يكون هذا هو المعنى المقصود من طلب مقررة الأمم المتحدة لحالات الإعدام التعسفي، آغنس كالمار، الصريح بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الجريمة الشنيعة في المستقبل. و فيما يبدو أنه عزف على وتر التصريحات الغربية و التركية، طالبت كالمار باجراء تحقيق دولي في قضية خاشقجي و حملت السعودية رسميا مسؤولية اغتياله.
في ظل هذا الوضع المعقد، تبدو الخيارات الموجودة لدى الولايات المتحدة و حلفائها الغربيين للخروج من هذه الأزمة محدودة جدا. فولي العهد اصبح شخص غير مرغوب فيه، و الملك سلمان متقدم في السن و لا يستطيع إدارة جميع الملفات، لذلك فهو يعتمد اعتمادا كليا على ولي العهد.
الأمريكيون، إضافة الى اطراف دولية أخرى، لا نعتقد أن لديهم رغبة في تغيير نظام الحكم في السعودية في اطار ما يمكن وصفه ب"الربيع الخليجي" أو "ربيع الملكيات العربية" على غرار "ربيع الجملوكيات العربية"، لأن هذا السيناريو مرعب جدا لما سينتج عنه من الصراعات و القلاقل في منطقة متفجرة و سيقوض المصالح الأمريكية في الخليج و يعرض السلام والإستقرار الدوليين للخطر، اخذا في الحسبان أن الشعوب هناك ليست ناضجة سياسيا و العقليات قبلية و طائفية و لا وجود لدولة المؤسسات.
نعتقد أن الأمريكيين، في حالة عدم حدوث معجزة سعودية، سيضطرون في النهاية الى البحث عن وجوه أخرى من العائلة المالكة السعودية تكون اكثر اتزانا و قدرة على قيادة البلاد. لذلك نشاهد الرحلات المكوكية التي قام بها كل من وزير الخارجية، مايك بومبيو، و رئيسة الإستخبارات، جينا هاسبل لكل من الرياض و انقرة.
يصب في هذا الإتجاه كل التصريحات و الرسائل المشفرة الموجهة للسعودية من طرف المسؤولين الأتراك، و التي كررها بوضوح الرئيس رجب طيب اردوغان في خطابه الأخير، الذي استخدم فيه عبارة"ان غدا لناظره لغريب" التي تعبر عن درجة احباطه من عدم تعاون السعودية. فاردوغان يذكر السعوديين على ما يبدو، بالنتيجة الحتمية التي تنتظرهم. كأنه يريد قول للسعوديين، اذا لم تتحركوا فإنه ليس بمقدوري مساعدتكم بطريقة تحفظ لكم ماء الوجه، و هذا بالذات هو المطلب الملح الذي الذي يضغط الأمريكيون في الوقت الحالي من أجل تحقيقه. موقف الرئيس التركي، الذي أكده وزير الخارجية مولود داوود اوغلو في فرص سابقة، يضاف اليه تصريح نائب رئيس حزب العدالة و التنمية، نعمان كورتولموش، الذي اعتبره تحذيرا وديا للملك سلمان و ذكّره فيه بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه بصفته خادم الحرمين الشريفين و بالعواقب الوخيمة المترتبة عن عدم معالجة القضية بالشفافية و الجرأة المطلوبة، بالنظر الى ملايين المسلمين الذين يتوجهون الى المملكة سنويا لأداء الحج و العمرة. هذا التصريح الذي يحمل نبرة دينية، له اكثر من دلالة، خاصة أنه يصدر من قيادي في الحزب الحاكم في دولة اسلامية كبيرة وموجه للسعودية التي طالما استخدمت المؤسسات الإسلامية، مثل منظمة التعاون الإسلامي، لإضفاء الشرعية على سياساتها الخارجية.