ملاحظات على هامش قضية خاشقجي

سلامة محمد لمين عبد الله
2018 / 10 / 21

تكاد هذه الأيام قضية اغتيال الكاتب السعودي جمال خاشقجي، تطغى على بقية احداث العالم الأخرى. بداية لا يسعنا إلا ان نتوجه بالترحم على هذا الرجل الذي قُتل بهذه الطريقة البشعة الدنيئة و بتعازينا الحارة لأسرة الفقيد. اعترف اني، ربما لأسباب خاصة، لم اكن في السابق من المهتمين كثيرا بجمال خاشقجي شخصيا فأنا لا أكاد اعرفه. فهو كان و لا يزال بأفكاره المستنيرة يصنف، بالنسبة لي، في خانة المثقفين السعوديين الإصلاحيين الحداثيين الذين يعيشون في الخارج أو يقبعون في السجون السعودية و راجت اسماؤهم في وسائل الإعلام العربية لفترة ما، مثل الأستاذة مضاوي الرشيد و الأستاذ متروك الفالح. اللافت في هذه النخب السعودية هو أنهم لا يطالبون بقلب نظام الحكم، بل أنهم يعلنون ولاءهم للأسرة المالكة الحاكمة و يدافعون عن الوحدة الوطنية و الجغرافية للمملكة و التصدي لخصومها. كل همهم هو ادخال نوع من التفكير العقلاني على سير المؤسسات و الخطط و البرامج من اجل ان تتبوأ الدولة مكانتها كقوة اقليمية حباها الله بموارد هائلة.

من سؤ حظ جمال خاشقجي و سذاجته السياسية هو العيش في بلد كالولايات المتحدة الأمريكية المتحالفة مع السعودية و تحت ادارة الرئيس دونالد ترامب الذي لا يولي اهتماما كبيرا لحرية التعبير و الديمقراطية و حماية حقوق الإنسان في العالم العربي و متعطش الى المال. و هو كذلك انتماؤه لتنظيم الإخوان المسلمين. هذا التنظيم تُطرح حوله الكثير التساؤلات و يوجد غموض واضح في سلوكاته. فاذا كانت بعض التيارات السياسية ذات التوجه الإخواني، مثل حزب العدالة و التنمية التركي، هي تنظيمات سياسية ديمقراطية الى درجة لابأس بها و تتبنى أفكارا عصرية. حيث يحسب لحزب العدالة و التنمية التركي، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب اردوغان، علي سبيل المثال، رفع الظلم التاريخي في حق النساء المسلمات اللاتي كان يفرض عليهن خلع الحجاب في أماكن العمل و الجامعات في دولة اسلامية كبيرة كتركيا. فإن حركة الإخوان المسلمين المصرية المعارضة التي وصلت الى الحكم في اعقاب الربيع العربي قد ارتكبت اخطاء كثيرة، كتهميش و خيانة التيارات الشعبية و التقدمية الديمقراطية التي شاركت بحماس و فعالية في تظاهرات ميدان التحرير، قمع الحريات العامة الى درجة أن احد الشيوخ قام بتوجيه اتهامات لفظية للفنانة الهام شاهين عبر قناته التفزيونية، التحالف مع السلفيين، الذين وصل بنائب منهم الأمر الى رفع الآذان اثناء جلسة لمجلس الشعب المصري، من اجل طمأنة بعض الأنظمة الخليجية التي تقدم مساعدات مالية لمصر و تناصب جماعة الإخوان العداء و تواجهها بأساليب قمعية محليا؛ ناهيك عن التهم الثقيلة الموجهة لبعض قادة الحركة من طرف القضاء المصري. لهذه الأسباب يوجد تفهم كبير للتصحيح الذي اقدم عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، رغم معارضتنا الشديدة للأساليب العسكرية.

اذا كنا لا نشاطر افكار خاشقجي للأسباب المذكورة، فنحن ندين بشدة الجريمة البشعة التي اقترفت في حقه و نعبر عن اشمئزازنا من درجة الإنحطاط و الظلامية و التهور التي وصل اليها التفكير السياسي في المملكة العربية السعودية. فالعالم لن يستطيع نسيان ملامح الذعر على وجه القنصل السعودي في تركيا، محمد العتيبي، الذي تزعم بعض التسريبات التركية أن مكتبه كان مسرحا للجريمة و أنه اُرغم على رؤية المشاهد المروعة.
من جهة أخرى، فإننا اذا اعتبرنا انفسنا اشخاصا ساديين و افتقدنا كل رحمة و شفقة، و حاولنا نظريا تبرير العمل الذي قامت به السعودية من زاوية تنفيذ عملية لتصفية أحد المعارضين في الخارج تزعم هي انه يشكل تهديدا لأمنها القومي، فإنه يجب علينا أن نتوقع أن افراد الكوماندوس، الذين يمثلون اطارات سامية في اجهزة الأمن و يتوفرون على مؤهلات عالية، كان يجب أن يعاملوا معاملة لائقة في بلدهم بعد انجازهم للمهمة التي تم تكليفهم بها من طرف السلطات العليا في المملكة. لكننا، حتى في هذه الحالة الإفتراضية، نرى أن هؤلاء الأشخاص أنفسهم يواجهون مصيرا مجهولا و مهينا. حيث توجد تقارير اخبارية تقول أن أحد أفراد المجموعة، و هو ضابط في القوات الجوية، قد لقي مصرعه في حادث سير غامض، في حين يصدر بيان رسمي يعترف بالجريمة و يعلن عن القاء القبض على عدد كبير من المشتبه فيهم من المرجح أن يكون من ضمنهم اعضاء الفريق الأمني الذين نفذوا عملية الإغتيال الجبانة. يضاف الى ذلك تحميل المسؤولية لمسؤولين سامين في الحكومة السعودية: نائب قائد المخابرات، اللواء احمد العسيري؛ و مسؤول الأمن السبراني، سعود القحطاني. كذلك فان إصرار اعضاء فريق القتل، اذا ما ثبت صحة التسريبات، على تلطيخ شخصية القنصل العتيبي، ينم عن الاخلاق التي تتحلى بها النخب السعودية المقربة من هرم السلطة في المملكة. فهو الآن اصبح طرف بشكل ما في جريمة قتل خاشقجي. فانا لا اخفي تعاطفي مع القنصل و لو كان بيدي الأمر لكنت طلبت منه تسليم نفسه للسلطات التركية لأنها ستكون اكثر رحمة و انصافا في حقه من الحكومة السعودية التي تريد التهرب من المسؤولية و التضحية بأقرب المقربين المخلصين.

إننا في الوقت الذي ندين من جديد جريمة قتل جمال خاشقجي و نطالب السلطات التركية بالمضي قدما في التحقيق لتوضيح الملابسات بمهنية و شفافية للرأي العام الدولي، و نشكر الزعماء الغربيين و الأصوات الحرة النبيلة التي تطالب بذلك، فإننا في نفس الوقت ننبه الى عدم الإنجرار وراء بعض الحملات الإعلامية التي تشنها اطراف معينة بهدف استغلال القضية لتصفية الحسابات و الإبتزاز السياسي لا أكثر!