عن مهام الحركة الطلابية المغربية وفي نقد أسطورة -البرنامج المرحلي-

مصطفى بنصالح
2018 / 10 / 20

ملحوظة:
نظرا لوجود بعض الاخطاء الإملائية وسقوط بعد الكلمات سهوا أثناء النقر على لوحة المفاتيح.. ونحن نكتب المقال الذي سبق ونشرناه بالحوار المتمدن والمعنون ب:(عودة لموضوع النضال الطلابي وأسطورة "البرنامج المرحلي")، نعيد نشره بعنوان جديد حتى نتمكن من نشره من جديد. فتحية لجميع المناضلين والمناضلات.

عن مهام الحركة الطلابية المغربية وفي نقد أسطورة "البرنامج المرحلي"

وهو موضوع له راهنيته، بسبب ما تتعرض له الجامعة والتعليم الجامعي من استهداف ومخططات لبرالية خطيرة، تحاول بشكل منهجي إفراغ الجامعة من محتواها المعرفي والإشعاعي والعلمي الابتكاري..الخ
ففي ظل الأزمة التي تعيشها الجامعة، والتي تعاني منها الحركة الطلابية وفصائلها التقدمية.. وهي العاجزة عن وباحتكاره للفعل النضالي داخل مجموعة من المواقع الجامعية التاريخية والمؤثرة كفاس، وجدة، مكناس.. وبرفضه القاطع والدائم لمجمل الدعوات، والمبادرات الوحدوية أو التنسيقية.. وهي المؤهلة حتما لإعادة الاتحاد الطلابي إوطم، ولإعادة هيكلته بطريقة ديمقراطية وجماهيرية، تؤكد على اعتباره الممثل الوحيد والتاريخي، لجمهور الطلاب، والقادر على تعبئتهم وتنظيمهم وتأطيرهم، والسير بهم قدما نحو أهدافهم، دفاعا عن مطالبهم المادية والمعنوية، وصيانة لحرياتهم الديمقراطية، ولحرمة الجامعة، وتأسيسا للجامعة الديمقراطية المنشودة، جامعة ستضمن لا محالة حظوظا أوفر لأبناء الفقراء في تعليم جيد ومجاني، ينمي قدرات المتعلمين الطلبة، ويساعد البلد والمجتمع على تأسيس اقتصاد وطني يحمي قدرات الوطن وخيراته، اقتصاد معادي في الشكل والجوهر لجميع الأطماع الإمبريالية، وصناديقها المالية وشركاتها العابرة للقارات.. فلا غرابة إذن أن نستل سياطنا في ظل هذه الأزمة وهذا الهجوم الكاسح، والترامي المفضوح على حقوق ومكتسبات الكادحين.. ولنستهدف بها هذا الفصيل الطلابي ونعرّضه للنقد، بهذه الطريقة، التي نود بألا تعتد متجنية أو محبطة لهمم الرفاق المؤمنين "ببرنامجهم المرحلي" وبقيادتهم الطلابية الميدانية.. وهي مهمة ملزمة لنا أولا تماشيا مع مبدئيتنا وصدقنا، وكذلك الشأن بالنسبة لجميع الفصائل الطلابية الديمقراطية والوحدوية، والتي وبالرغم من طموحاتها الوحدوية هاته، فما زالت تعاني الشتات وقلة الحيلة لفرض تطلعاتها، وتصوراتها الوحدوية، ومبادراتها في هذا الاتجاه.. فمبادرتنا لفتح هذا النقاش الذي نتمناه أن يكون مفيدا للجميع، ويفتح الباب لتعميق وتشجيع التواصل الديمقراطي الرفاقي مع جميع المكونات التقدمية، وبدون استثناء.. نعتبرها، أي هذه المبادرة، محاولة نضالية صادقة وحثيثة للتصحيح والتقويم، وليس إلاّ..
"فالبرنامج المرحلي" كما يدل عليه اسمه، يعبّر عن "مهام" مرحلة محددة من تاريخ نضال الحركة الطلابية المغربية، والتي تميّزت بفشل المؤتمر الوطني السابع عشر، وبتداعيات هذا الفشل على أداء أغلب مكونات الحركة الطلابية، والتي انسحب بعضها نهائيا من الساحة الطلابية ـ طلبة الاتحاد الاشتراكي ـ وارتبك رأس رمحها "النهج الديمقراطي القاعدي" بما لهذا الارتباك من تداعيات، كان أهمها تأرجحه بين إمكانية الاستفراد والهيمنة على الساحة الطلابية، وبين الدعوة للحوار والوحدة واستعادة الشرعية للاتحاد إوطم، الذي بدأ يعاني جليا من الحظر العملي لأنشطته ولتواجده التنظيمي والنضالي.. الشيء الذي عرّض "النهج القاعدي" لهزات وانشقاقات في صفوفه وكيانه، أثرت بشكل ملموس على مساره، وعلى اختياراته، ومستقبله داخل الساحة الطلابية والنضالية.
فالبرنامج النضالي المقدم لحركة تضم في صفوفها العديد من الفصائل والاتجاهات والفعاليات.. لا بد أن يكون معبّرا صادقا عن مواقف وتطلعات مجمل مكونات الحركة أو الأغلب منها.. كما هو الشأن بالنسبة لبرنامج الطلبة القاعديين أواخر السبعينات أو بداية الثمانينات، حيث تم تحيين البرنامج واعتباره مرحليا بعد أن أفرزه التنسيق الوطني للطلبة القاعديين، ولم يدّع حينها الرفاق بأنه برنامج الحركة الطلابية الوحيد، ولم يتهور أحدهم بادعاء هذا، مثل ما يفعله الآن الرفاق "المرحليون" الذين يروّجون، منذ ثمانينات القرن الماضي، لاستنتاج جماعي يعتبروه هو الحقيقة بعينها، واعتبار "البرنامج المرحلي" هي إجابة عن جميع معضلات ومشاكل العصر، وحل لجميع التعقيدات التي تمرّ منها الجامعة، وحركة التحرر المغربية والعالمية.! له حلوله الدّائمة والخالدة، وله أجوبته الشافية لجميع إشكالات المواقع التي يسيطر عليها، ويستبد بالرأي داخلها، طمعا في الانتشار وفي المزيد من السيادة والتحكم، ضاربا عرض الحائط مبدأ الديمقراطية والإشراك، ومتغافلا عن المبدأ الجماهيري الضروري، والحيوي لإعادة وبعث الاتحاد.!
فعلى عكس ما اعتقده، وآمن به المؤسسون للتجربة القاعدية، والذين جسدوا مبادئهم على الأرض وعبر الممارسة، وأقنعوا جمهور الطلاب لسنوات، بالانخراط في هياكل اتحادهم، وفي الدفاع عن مسؤوليه وقيادييه ونشطائه لنيل حريتهم.. إذ قدموا برنامجا نضاليا ديمقراطيا قدّروا من خلاله جميع الآراء العاملة والناشطة في صفوف الاتحاد، ولم يدّعوا قط أنه البرنامج الوحيد "العلمي" والصالح للحركة الطلابية.
كانت الحركة الطلابية حينها غنية عن مثل هذه التصورات البلهاء والمهزوزة، فبرنامج الطلبة القاعديين، أو النهج الديمقراطي القاعدي، الذي تمت صياغته أواخر السبعينات، وتم تنقيحه وتحيينه بداية الثمانينات كضرورة نضالية وليس كرغبة ذاتية، أي مباشرة بعد فشل المؤتمر الوطني السابع عشر، وبعد استباحة حرمة الجامعة، واعتقال المناضلين الطلبة، وفرض الإصلاح الجامعي، وإقرار الحظر العملي على جميع أنشطة الاتحاد، عبر التضييق والمنع ورفض الحوار واعتقال ممثلي الطلبة لهذا السبب.. اعتقال شمل جميع الفصائل الطلابية المناضلة ـ لائحة الطلبة القاعديين، ولائحة رفاق الشهداء، ولائحة الطلبة الديمقراطيين..ـ حينها كانت اللوائح الطلابية محدودة ولا تتعدى الخمس لوائح، والتي تتضمن كذلك لائحة الطلبة الاتحاديين، ولائحة طلبة حزب التقدم والاشتراكية.. حيث لم يتأخر الرد النضالي للاتحاد، والذي جدّد لحظتذاك إحدى هياكله التنظيمية المجمدة لسنتين ولأسباب وحسابات سياسية ضيقة، ونقصد به مجلس التنسيق الوطني، الذي قرر وبكل شجاعة الإعلان عن الإضراب الوطني الناجح ليومه 9 دجنبر 1981.. والذي كان مناسبة لتصعيد مسلسل الاعتقال وقمع الجماهير الطلابية في العديد من المواقع..
خلال هذه الفترة بالذات، سارع الرفاق القاعديون لتعديل برنامجهم الديمقراطي في إطار تنسيق وطني، لم يدّعوا خلاله بأن برنامجهم هو برنامج الحركة الطلابية بالذات، ولم يبخـّسوا التنسيقات مع باقي الفصائل، وبشكل خاص مع فصيل "رفاق الشهداء" الذي تقدم بمشروع أرضية للعمل الطلابي الوحدوي خلال هذه الفترة، إضافة للمقترح الذي تقدم به الرفاق في لائحة الطلبة الديمقراطيين ـ أنصار جريدة أنوال التي ستصبح فيما بعد الناطقة الرسمية باسم "منظمة العمل الديمقراطي الشعبي" ـ المقترح المتجسّد في ندوة الأطر، السابقة مباشرة عن جلسات المؤتمر الوطني الخارق للعادة.. وهي مقترحات لم يتم التعامل معها بالازدراء، والإهمال، أو التكبر.. رغم اكتساح الطلبة القاعديين حينها، لمجمل الساحة الطلابية، عبر التمثيل الديمقراطي الانتخابي، وليس عبر الإدعاء والإقصاء والعنف والترهيب.. إذ لا يمكن بتاتا مقارنة الجماهيرية التي تمتع بها النهج الديمقراطي القاعدي خلال تلك المرحلة، بجماهيرية أنصار "البرنامج المرحلي" في بعض الجامعات المحدودة، وداخل بعض الكليات المحدودة أيضا..
توالت الضربات واشتد القمع حينها، وبلغت الأحكام في حق مناضلي الاتحاد، وضمنهم بالطبع الطلبة القاعديين، لمستوى الثلاثين سنة كمحاولة للاجتثاث إوطم، ولإخراس صوته، ولمنع معارضته لما سمي حينها "بالإصلاح الجامعي".. لتبرز للسطح الدعوات الراديكالية الرفضوية بالجامعة، والتي اجتاحت بشكل بيّن صفوف الطلبة القاعديين، مطلقة صرخة مدوية زعزعت الكيان والأركان.. بأن تفتقت عبقرية بعض "القادة" بموقع وجدة مطلقين صرختهم التي أرادوا بها "تصحيح" الأوضاع، عبر تقليص البرنامج واختصاره في ثلاثة نقط، لمواجهة ما يمكن مواجهته من بنود الإصلاح الجامعي، والمطالبة برفع الحظر العملي عن المنظمة الطلابية إوطم، وفتح الصراع بشكل صريح مع ممثلي البيروقراطية وسط المنظمة، في محاولة مكشوفة لإقصاء اللوائح البيروقراطية، ورفض التنسيق أو التوافق مع ما يدعون له من خطوات أو مقترحات..
كانت هذه هي الظروف التي ساعدت بروز هذا التيار الطلابي سنة 86، وعززت حضوره، وشرعنت اكتساحه للساحة الطلابية، حالة الانسحاب، والتراخي الذي تميزت به باقي الفصائل الطلابية، بالإضافة لتخاذلها خلال مواجهة الغزو الظلامي للجامعة بداية التسعينات.. وهي التي مكنـّت الرفاق القاعديين بجميع حساسياتهم، من تبوء طليعة النضال الطلابي، والدفاع عن هوية إوطم التقدمية ردا على دعوات المسخ والتشويه التي أطلقتها هاته الجحافل، التي لم تتردد في قمع، واختطاف، وتعذيب، واغتيال القادة القاعديين، وكسر عظامهم.. ومنهم الشبل القاعدي، نصير البرنامج المرحلي، شهيد الحركة القاعدية، والحركة الطلابية، وإطارها إوطم، ـ المعطي بوملي ـ..
كانت هذه بعض المعطيات المهمة والضرورية، حاولنا من خلالها وضع مناضلي الحركة الطلابية والحركة القاعدية في الصورة، لفهم أسباب البروز و"النزول" ولفهم السياق الذي عزز خط الرفضوية في صفوف الطلبة القاعديين، والذي انتصر وتسيّد المشهد بصفة شبه نهائية.. خصوصا بعد محاولة إعادة البناء والهيكلة للمنظمة إوطم، عبر تجربة اللجن الانتقالية السيئة الذكر، والتي تميّزت بالتراجع عن مجمل التراث الإوطمي الديمقراطي والجماهيري، ولم تتوفق في إنتاج سوى مسخ مزيف للاتحاد، شوّه التاريخ وقزّم التراكمات، وبخـّس التضحيات القاعدية الجمّة، التي قاومت القمع والبيروقراطية والانتظارية الانتهازية.. داخل إوطم.
فالإشكالية التي هي أمامنا وأمام جميع الفصائل الطلابية الديمقراطية والتقدمية، والتي نحن بصدد تناولها واقتراح مخارج لها، ترتبط بشكل كبير بعجزنا نحن بالذات عن فرض معطيات تليق بتاريخ الحركة الطلابية ومنظمتها العريقة إوطم.. حيث كان حريا بنا أن نعزز من تنسيقياتنا الميدانية، ونبني الهياكل الطلابية الديمقراطية داخل المواقع الجامعية التي تعرف نشاطا طلابيا ملموسا، بعيدا عن مناوشات "البرنامج المرحلي" كما هو الحال في طنجة والعرائش وتطوان والقنيطرة والرباط ومراكش..الخ لاختبار مدى صدقيتنا، ومدى ديمقراطيتنا وجديتنا نحن وسط هذا النشاط الطلابي.. وكان حريا بنا كذلك، بأن نتقدم في تشكيل مجالس المناضلين ولجن الحوار، ونتدرب على التوافق، وعلى خوض الصراع، وعلى القبول بالاختلاف والتنوع، وعلى تجنيب الحركة من الخوض في صراعات لا أهمية لها في الوسط الطلابي..الخ
فما يجب أن يوحد الصفوف الطلابية هو خوض المعارك بشكل جماعي ومبدئي، دفاعا عن الحق في الجامعة وفي التعليم المجاني، حيث وصلت الجامعة للحضيض جراء الاكتظاظ، والزبونية، وسوء المردودية، واهتراء البنيات، وتدني الترتيب الذي يتعمق سنة بعد سنة، حيث توجد الجامعة المغربية خارج التصنيف، أي دون الألف جامعة المصنفة أولى في العالم، وهو الشيء الذي يمكن اعتباره عاديا في ظل هذه الظروف، زيادة على الفضائح المتتالية التي باتت تزكم النفوس، من قبيل الجنس مقابل النقط والنجاح، ومن قبيل المتاجرة والسمسرة في المقررات، وفي قبول التسجيل، وفي نيل شهادات الماستر.. والحبل على الجرّار. فضائح ألهبت الإعلام وتجاهلتها المكونات الطلابية بدون حرج أو إحراج.. والحال أنه ملف شائك يستوجب تجميع القوى، وخوض النضال بدون هوادة من أجل فضحه، والإطاحة بمهندسيه وجميع المتورطين فيه.
فالنقد في نظرنا يجب أن يتجه للذات قبل الآخر، مهما كان حجم الضرر الآتي من الآخر.. حيث أصبح البرنامج، وحاملوه، والمعتقدون في قدراته "الخارقة"، يشكلون عبئا ثقيلا ومعطلا لمهام الحركة الطلابية الراهنة، في البناء وفي توحيد الصفوف وتوحيد المعارك.. مهام يجب أن تعترف بقدرات الحركة الطلابية المحدودة خلال هذه المرحلة، مهام متطورة وغير ثابتة، مرتبطة أشد الارتباط بالمحيط العام الذي أصبح فيه التعليم العمومي والتعليم الجامعي الذي يعنينا، مرتعا خاصا بأبناء الفقراء المعوزين، أبناء العمال والفلاحين الفقراء، وأبناء الطبقة البرجوازية الصغرى بدرجة أوسع.. وهي حقيقة لا يجادل في صدقها عاقلان اثنان. وهي مهام وجب تحديدها بالدقة اللازمة، وإدراجها في برنامج نضالي يراعي شروط المرحلة، وموازين القوى ودرجة التعبئة والاستعداد، والظرفية الملائمة.. من خلال تصور يراعي طبيعة الحركة الطلابية، وموقعها في الصراع.. فالحركة كانت وما زالت، مكونا من مكونات الحركة الديمقراطية، التي لها دورها البارز في الصراع، حركة تضم في صفوفها تيارات وأحزاب وتوجهات، تناضل جميعها من أجل تحسين شروط التعلم والتكوين والخبرة العلمية العالية والأكاديمية، بكل ما يشترطه هذا التكوين من بنيات، ومدرجات كافية ومانعة للاكتظاظ، ومن قاعات دراسية ومختبرات ومكتبات.. بالإضافة للأحياء الجامعية، بمطاعمها القادرة على استيعاب جميع الطلبة الراغبين في السكن، وتمتيعهم بمنحة تمكنهم من كسب استقلاليتهم المادية التي ستساعدهم، لا محالة في كسب شخصيتهم والنهوض بها.. وسيساعد وبدون شك، على تجويد التعليم العالي، وسيضمن تحسين شروطه، وسيهيئ المتخرجين لنيل المناصب والظفر بفرص الشغل والإدماج بكل سلاسة.
هو ذا بشكل عام الحد الأدنى الذي أجمعت عليه تاريخيا مكونات الحركة الطلابية وقواعد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، والذي كان فعلا اتحاد جماهيريا وديمقراطيا وتقدميا، يغري بالانتماء والانخراط، الذي كان حينها تلقائيا ولم يكن في حاجة للبطائق وإثبات الانتماء، ولم يغامر قط مناضلوه بتجاوز هذا الحد الأدنى في تصوراتهم وقراراتهم ومواقفهم، حتى داخل قاعات المؤتمرات، وبما فيها المؤتمر الوطني الخامس عشر، الذي لم يتجه للإقصاء، رغم كل ما قيل وما كتب، عن هذا المؤتمر، الذي لم ينجو من الخلافات والانسحابات والابتزازات والصدامات، التي كان لها طابع فكري وسياسي صريح، ولم تتعداه أو تمس بالحد الأدنى المطلبي، المادي والمعنوي، والمدافع بشراسة عن حرمة الجامعة، وعن الحريات الديمقراطية، وعن الجامعة، والتعليم المجاني، وحق التشغيل..الخ غير هذا، كان الاجتهاد والتعبير الواعي والحر لكافة الفصائل والحساسيات التقدمية التي لم تكن تتردد في التعبير عن تطلعاتها خارج الحركة الطلابية والفضاء الجامعي، وهي تطلعات تقدمية لم تكن تعادي الاشتراكية، ومشروع التغيير، والنضال المستميت من أجله.. كان الصراع والتنافس الديمقراطي قائم بين جميع المكونات والأقطاب، ولم تكن تتجه الفصائل لإقصاء أحد أو عزله مهما كانت الأسباب، ومهما طبع الممارسات من بيروقراطية، وتخاذل ونفعية انتهازية.. كانت الديمقراطية قائمة، وآلياتها محمية ومتطورة، تسمح بانخراط الجميع في تحمل المسؤولية وتسيير هياكل الاتحاد وتمثيل المؤسسات في المؤتمرات الوطنية.. هذه التمثيلية التي عرفت صراعا حادا على طول تجربة الاتحاد، من حيث شكلها ومن حيث قدرتها على ضمان جماهيرية الاتحاد، وصيانة ديمقراطيته، وحماية هويته التقدمية، لأجيال وأجيال..
فالخطاب الجديد الذي برز أواسط الثمانينات، وتعزز بشكل كبير خلال التسعينات من القرن الماضي، مشكلا "اتحادا" جديدا على المقاس، بعد أن سيطر أنصاره على الساحة الطلابية، مستغلين غياب وانسحاب أغلب الفصائل الطلابية الأخرى.. حينها تمادي "الرفاق" في ممارساتهم الاقصائية، مبشرين ببرنامجهم السحري، الذي يلخص في نظرهم الإجابة الشاملة، والعلمية، والوحيدة، على جميع مشاكل ومعضلات الحركة الطلابية، وحركات التحرر المغربية والعالمية حتى.. برنامج اعتبر في لحظته مرحليا ومرتبطا بمهام مرحلية، لكن إذا تفحصنا جيدا مضمون هذا البرنامج سنجده عبارة عن شعارات رفضوية وليس إلا.. وسيتبين للعقلاء المتبصرين، والموضوعيين، أن البرنامج في مجمله احتجاجي على أوضاع عاشتها الجامعة والإطار الطلابي إوطم خلال مرحلة الثمانينات.. ولتغير بعدها الأوضاع والمعطيات.. بمعنى أن البرنامج لم يوفق في تقديم الحلول النضالية للأوضاع التي كانت تتخبط فيها الجامعة والحركة الطلابية، حيث كان المطلوب حينها، إجابات عملية للشروع في البناء والهيكلة وعقد المؤتمر الذي بقي مؤجلا ومعلـّقا لحدود اللحظة والآن.. حيث كان المطلوب تحصين الديمقراطية داخل الجامعة عبر فتح الحوار مع ما تبقى من المكونات، والاستماتة في الدفاع عن حرمة الجامعة، وخوض النضالات بجميع أشكالها لإطلاق سراح الطلبة المعتقلين.. كان هو هذا المطلوب وكتقويض عملي لحظر المنظمة إوطم، إلى جانب الاعتناء الدائم بمطالب الطلبة المادية والمعنوية..الخ
عكس هذا تقهقر الاتحاد، وخفت نور إشعاعه بوجود هذا المكون الجديد، الذي استند واستفاد من التراث القاعدي بطرق انتهازية، ومن بعض الشدرات التي تميّز بها الخطاب السبعيني، في تحديده لطبيعة النظام، وطبيعة القوى السياسية الإوطمية، وطبيعة الثورة..الخ إذ وبالرغم من استفراده بالساحة الطلابية لم تتقدم الحركة في عهده، ولم تنجح في نيل البعض من مطالب الطلبة وحقوقهم.. بل حصل العكس ووقع التقهقر، وما زال يتعمق يوما بعد يوم، وتفقد الحركة الطلابية المساحات تلو المساحات، متقوقعة داخل بعض الكليات والجامعات المحدودة، التي ما زالت نضالاتها مستمرة ودائمة، بفعل الدور الإيجابي الذي تلعبه الأحياء الجامعية في التجميع والحشد الجماهيري الطلابي، وما يتولد عنه من تعبئة واستعداد للنضال لتحسين الأوضاع.
ولا نريد في هذا السياق، أن يفهم من هذا أننا نسعى للتجني، وإلصاق الأزمة وجميع مظاهر التدهور الذي تعيشه الجامعة والحركة الطلابية، بظهر الرفاق، ونحن نعي جيدا خطورة المخططات اللبرالية المستهدفة للجامعة وللحق في التعليم، بالإضافة لخطورة الأعداء المتربصين بإوطم كعقبة كأداء في وجه العقليات اللبرالية والظلامية، المراهنة بشكل كبير على الجامعة، عبر هزم الفكر التقدمي، وعبر القضاء على مشاتله، وتجفيف منابعه، التنويرية..الخ
إذ لا أحد يمكنه إنكار عمق الخلافات التي عرفتها الساحة الطلابية بداية التسعينات، والتي لعب الدور فيها، وساعد على تأجيجها بروز القوى الظلامية على الساحة الطلابية، كرقم لم يكن في الحسبان خصوصا بعد تقوية عودها، من خلال الانزلاقات المتكررة، والمنظمة، والمحفوفة بكل مظاهر الاستعراض، والترهيب، وإعلان الحرب على الوجود التقدمي اليساري، والتخطيط المبيّت والمشبوه، لاجتثاثه وتصفيته..الخ على الرغم من هذا، فللرفاق حصتهم ومساهمتهم الواضحة في هذه الأزمة.
فتحت ذرائع شتى، نظمت القوى الرجعية الظلامية العديد من الهجومات والفتوحات، بهدف نسف الأنشطة الطلابية، والأسابيع الثقافية التقدمية، وبهدف التشويش على العديد من النضالات التي كانت تقودها الفصائل الطلابية التقدمية، أو ما تبقى منها مستغلة الفراغ التنظيمي، والمنازعات الفصائلية، وغياب التمثيلية الموحدة في إطار إوطم، وعجز المكونات عن إيجاد مخرج لهذا المأزق العضال والمستدام.. إذ لم يتم التعامل بجدية مع هذه الأوضاع الجديدة، ولم تتخذ أية مبادرة في هذا الاتجاه.. وعدا تلك المحاولة الكاريكاتورية لإعادة البناء، والتي رافقت تشكيل اللجن الانتقالية، والتي قبل بها الرفاق بداية، ليتم التراجع عنها وانتقادها بشدة وحمية زائدة.. استمر الرفاق قي الرفض لجميع المبادرات الوحدوية، كيفما كان شكلها وكيفما كانت مناسبة عقدها.. حيث أصبح مجرد الحوار، أو التنسيق مع فصيل من الفصائل الطلابية التقدمية، مرفوضا وممنوعا، وقد يؤدي بدعاته أو المشرفين على خطواته، إلى الطرد من الصفوف.. وهو ما وقع فعلا لبعض الرفاق خلال سنة 94.!
وظل الرفاق رافضين ممانعين، يؤكدون فقط على البعض من "نجاحاتهم وانتصاراتهم" بالرغم من حالة التدهور التي تعرفها الجامعة، وحالة التقهقر التي تعرفه حركتها الطلابية بفعل الهزائم المتتالية، والضربات المهولة التي مسّت الجماهير في حقها التعليمي.. فضاعت المكاسب، والمطالب، والحقوق، بين الأرجل، وتحت الهراوات والسيوف والسواطير..الخ فلا غرابة، ولا مجرد صدمة، وأنت تطـّلع على منشورات الرفاق، وصيحاتهم الثابتة والمخـّلة في جوهرها للخطاب ولهذا البرنامج الذي يدّعي محاربته الشرسة للبيروقراطية، وأنه فصيل مشبع بالديمقراطية، ومدافع مستميت عن القاعدية.. متناسيا أن الديمقراطية هي الأصل، وأنها التميز، من حيث التصورات التنظيمية المتصارعة، والتي حاربت فعلا البيروقراطية، ووسعت من المجال الطلابي الجماهيري، الذي يفتخر به القاعديون على طول تجربتهم النضالية.. فلا خير يرجى من حركة أقفلت باب الاجتهاد، والتطوير، وحق المنافسة.. وهي مستمرة في ادعائها لتملكها لجميع الإجابات من خلال برنامجها، الذي يشبه إلى حدّ ما تلك الأدوية المعروضة في حافلات السفر والقادرة على شفاء جميع العلل والأمراض.!
إنها مجرد قفزة في الهواء، قفزة بهلوانية لا غير، أساسها المزايدة والاستزادة، وليس الفعل النضالي الرزين الذي يوجهه البرنامج والنظرة الاستشرافية الثاقبة، التي لا تبخس مساهمة الجميع في النهوض بالاتحاد، وإشراك جميع مكونات الاتحاد وجماهير الاتحاد، في جميع القرارات المصيرية التي تهم الاتحاد.. فجميع الخرجات البطولية المتفردة لم تعد تغري أحدا، لأنها ببساطة لا تعمل سوى على تعميق الجراح، وتقليص القاعدة الطلابية المناضلة، وتزرع الشك في القيم والمبادئ الديمقراطية نفسها، كتحميل البرنامج ما لا يمكن تحمله، واعتباره صاحب الحل لجميع مشاكل الحركة الطلابية، وأنه يمتلك الإجابة العلمية لكل القضايا والمعضلات، أي بما فيها قضايا التحرر الوطني والعالمي المناهض للإمبريالية.! هراء، هراء.. لا يفسره سوى العجز، والعجز لن تتفوق عليه سوى الإرادة الجماعية والوحدوية، التي لا يُدخلها الرفاق أبدا في حساباتهم الحولاء..
فلم تعد الحركة في هذه الظرفية العصيبة محتاجة لخطابات اللاءات الرفضوية، المكثفة بشكل رهيب في صرخات "البرنامج المرحلي"، حيث من اللازم تطوير وتقويم البرنامج وإعادة النظر الشاملة في بناءه وهيكلته، على الشكل الذي أقدم عليه الطلبة القاعديون مثلا سنة 82، وبحضور الشهيد بلهواري، حيث توافق الجميع باستثناء الفقيد بنيس ورفاقه الذين تحفظوا على الخطوات النضالية المزمع اتخاذها، لمواجهة الإصلاح ومقاطعة الامتحانات..الخ كان حينها الفصيل القاعدي محقا في إعادة صياغته لبرنامجه أمام هذه المستجدات التي لم يكن يتضمنها البرنامج، حيث لم يعد "إصلاح التعليم" مجرد مشروع، بل أصبح واقعا ملموسا لم يتردد النظام حينها لإنزال بنوده ومحتوياته، كتقليص المنح إلى النصف، وتفعيل بنود الطرد، وتعديل نظام الامتحانات، وضرب الحق في متابعة الدراسة بالجامعات الأجنبية..الخ
كان حينها الفصيل القاعدي محقا في إعادة صياغته لبرنامجه مقتنعا بأن ظروف المرحلة تقتضي ذلك التعديل، ولم يدّع حينها بأنه اكتشف الوصفة السحرية التي بمقدورها فك جميع المشاكل والطلاسم.. حيث كان واعيا ومقتنعا بوجود فصائل طلابية أخرى، ونشطاء طلابيين مستقليين، لهم وزنهم وفعاليتهم داخل الساحة الطلابية، لا يشاطرون بالضرورة الفصيل القاعدي في العديد من آراءه، ومواقفه، وخططه النضالية.. كان "النهج الديمقراطي القاعدي" حينها متفهما لطبيعة الحركة الطلابية ولطبيعة الاتحاد الذي يؤطر نضالاتها، التي من طبيعتها التنوع، والتناقض، والذي يلفـّها في إطار منظومة وحدة ـ نقد ـ وحدة، وهي نفس القاعدة والمنظومة التي أطرت حركة وعمل الطلبة القاعديين على طول مسيرتهم وتجربتهم النضالية، ينسجمون فيها مع ما يدّعون، بكونهم نهجا ديمقراطيا وقاعديا ولا غير..
فلم يكن بالصدفة قط، أن يستهل القاعديون برنامجهم بنقطة الدفاع الجاد والمستميت عن كافة مطالب الجماهير الطلابية، المادية والمعنوية، ويشهرون رفضهم لجميع الإصلاحات التي لا تستجيب لمطالب الحركة الطلابية المناضلة من أجل تعليم شعبي وديمقراطي علماني وموحد، في إطار جامعة ديمقراطية من حيث برامجها والمستهدفين بها..الخ
لم يتأخر "النهج" كذلك عن التعبير عن تضامنه اللامشروط مع جميع النضالات التي تخوضها الجماهير الشعبية، بكل فئاتها المعنية بالحق في التعليم، وبدمقرطة محتواه، ومجانيته، أي التلاميذ والطلبة ورجال التعليم والآباء..الخ ـ وظل حازما، منددا بالحالة المزرية التي تعاني منها الحريات الديمقراطية، ووفيّا لمطلب النضال من أجل إطلاق سراح الطلبة المعتقلين، وكافة المعتقلين لأسباب فكرية أو سياسية أو احتجاجية.. ولم يغفل كذلك أوضاع المرأة، مطالبا بحريتها، ومساهما في النضال من أجل تحررها، ومساواتها مع الرجل، من منظور تقدمي مناهض لجميع أنواع الدونية والاحتقار.. وكما هو الشأن بالنسبة لجميع الحركات والقوى الديمقراطية والتقدمية في العالم العربي والعالم أجمع، حيث ساند الطلبة القاعديون جميع حركات التحرر الوطني المناهضة للاستعمار وللإمبريالية، ورفعوا بشكل خاص القضية الفلسطينية لمصاف القضايا الوطنية، معتبرين إياها قضية وطنية بامتياز، معادية للصهيونية ولجميع حلفائها في المنطقة من الأنظمة الرجعية.. مطالبين الجماهير الطلابية بتوظيف قواها للدعم والمساندة المادية والمعنوية عبر جميع الأشكال.. فمن صلب "النهج الديمقراطي القاعدي" تطوع المناضلون لنصرة الثورة الفلسطينية، منخرطين في صفوف المقاومة دون ضجيج أو بطولية سخيفة..
فهو ذا باختصار البرنامج الذي افتخرنا به لسنوات وسنوات، وكنا نتمنى صادقين تطويره للأحسن، وليس "بمواجهة ما يمكن مواجهته".. برنامج يستحق فعلا التحيين، فهو ليس بالمهزوز ولا بالجاف أو الغامض، برنامج واضح كل الوضوح، أسهبت في شرحه العديد من الأرضيات والمقالات، وتداولته الجماهير الطلابية في مجموع الكليات، خصوصا لحظة الانتخابات لفرز ممثلي الطلبة عن الكليات وعن الأحياء الجامعية، أو بصدد انتداب المؤتمرين.. فللاءات الرفضوية لا تقدم شيئا للجماهير الطلابية، ولا تخدم في شيء وعيهم النضالي، فالقاعديون كانوا ملزمين بتقديم وجهة نظرهم بشكل مسؤول ودقيق، فيما يتعلق بالإصلاحات الجامعية المزعومة، عبر الرفض، والنقد، وتقديم المقترحات لكي يطـّلع عليها الرأي العام الطلابي والوطني، وبشكل خاص الفصائل الطلابية الناشطة بإوطم، وامتداداتها السياسية والحزبية كذلك..
كان البرنامج الديمقراطي القاعدي حازما في هذا الرفض، ولم يكتف حينها بالشعارات المهزومة والمنهزمة، على غرار "ما يمكن مواجهته".. حيث كانت المواجهة شاملة وعملية، استهلها بمقاطعة الامتحانات، التي هددت وحدته، وسرّعت بانفصال مجموعة "بنيس" عن النهج القاعدي، وبعدها مجموعة "الكراس" لنفس الأسباب تقريبا.. وبالرغم من هذا، كان في مجمل خطواته نهجا وحدويا، يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الخلافات وسط الحركة الطلابية والتي هي ذات طبيعة ثانوية، فالفصائل جميعها تنتمي للاتحاد، وتتشبت به وبمبادئه الأربعة.. لذا كان من الضروري البحث في جميع الخطوات الوحدوية، وتدارس جميع المقترحات الفصائلية التي تنحو هذا المنحى وهذا الاتجاه.. لقد كانت الحركة الطلابية ملزمة بهذا الاختيار بعد المنع، والقمع، والمحاصرة لجميع أنشطة الاتحاد، كحظر عملي لشرعية وقانونية المنظمة إوطم، وهو موقف وقناعة تميز بها النهج القاعدي، وعمل كل ما بوسعه للنقاش ولإنجاح جميع المبادرات المتجهة لفرض شرعية الاتحاد، كممثل وحيد لعموم الطلبة، وكمناضل وقائد لجميع معاركها من أجل مطالبها الشرعية والمشروعة.
الشيء الذي دفع به للسبق، والإدراك بأن هذا الموقف نفسه يحتاج لما يكفي من العدة والعتاد والصدق النضالي اللازم، بالموازاة مع التنظيم القوي والصلب الذي يحتاجه الحشد الطلابي، اعتمادا على التحالفات والاصطفافات والإشراك الجماهيري الضروري لجميع الطاقات.. عكس الشعار الذي رفعه وما زال أنصار "البرنامج المرحلي" بحمية لا مثيل لها، وكأنهم يكتشفون لأول مرة سرطان البيروقراطية، والحال أن النهج القاعدي منذ ولادته وبروزه على الساحة الطلابية اتخذ طابعا احتجاجيا على البيروقراطية وصنف نفسه منتميا للقواعد الطلابية، ومنافحا من أجل الديمقراطية بأن عمل كلما في جهده لإشراكها في تسيير هياكل الاتحاد، بطرق عملية وليس بالشعارات.. فشعار "مواجهة البيروقراطية" لم يلتزم به أحد خلال التجربة الحالية، وهو مجرد ادعاء للغوغاء، بالنظر للممارسات الجارية والملموسة، وبالنظر للحصيلة النضالية والتنظيمية، في ما يخص جماهيرية الاتحاد.. حيث وضع دعاته أمام المحك، منذ أن استفردوا بالساحة وتحملوا المسؤولية في قيادة بعض المعارك الطلابية، دون أن تدفعهم هذه الأوضاع القيادية لإشراك الفصائل الطلابية أو التشاور معها حتى.. ودليلنا أمامكم، وحجتنا هذه الصيغة المتعالية والمتطرفة وهي أقصى درجات الانعزال والإقصاء، باعتبار أن "البرنامج المرحلي" ليس برنامجا للفصيل الذي قدمه للجماهير الطلابية منافسة لبرامج أخرى، بل هو البرنامج الوحيد والصالح للحركة الطلابية..
لاحظوا معي يا جماهير الطلبة الكرام، فهل يستقيم هذا التصور في تناول مهام إطار تقدمي تعددي وجماهيري وديمقراطي في نفس الوقت؟ يضم في صفوفه مكونات وفصائل طلابية تعبر على النفس الهموم، وإن كانت تختلف في أساليب معالجتها.. فهل الحركة الطلابية منسجمة وعلى خط واحد وخطاب واحد؟ ثم ما معنى الحركة إذا لم تكن حمّالة تناقضات في حد ذاتها، بعضها رئيسي والآخر ثانوي.. الشيء الذي يجب أن يدركه المناضلون، ويقبلون به عوض المنع، والقمع، والحصار، والإقصاء، والتشويه، والتشهير.. للمكونات الأخرى المخالفة، والتي تعاني منه حتى بعض التيارات المنشقة عن "البرنامج المرحلي" وأنصار الحركة الأمازيغية..الخ؟؟
فعبر جميع مراحل التاريخ النضالي للطلبة القاعديين، لم يهمل الرفاق الجانب التنظيمي لهياكل الاتحاد، حيث أبدعوا في هذا المجال، وأسهموا باقتراحاتهم، مقدمين تصورهم للاتحاد الذي يتطلعون لبناءه، مع الحرص اللازم على ضمان أقصى درجة من الديمقراطية وسط الاتحاد، ديمقراطية فيما بين المكونات، وديمقراطية مع الجماهير، تتأسس على الإشراك وعدم الإقصاء والتوافق والصراع.. بالإضافة طبعا، وهذا هو المهم، ضمان المناعة اللازمة لحماية الاتحاد وحرمة الجامعة من الهجمات القمعية المحتملة.. فمواجهة البيروقراطية ارتبطت بحماية الاتحاد وجماهيره الطلابية من القرارات الفوقية التي لا تنتج سوى التحكم، وإعاقة سير المعارك، وتوقيفها فجأة ضد تطلعات ومصالح الجماهير الطلابية.. يعني لم تكن معركة ضد الأشباح، كانت معركة داخلية إوطمية موجهة بوضوح ضد مكونات طلابية تقدمية ظلت تناضل هي الأخرى ضد الإصلاح الجامعي، وضد السياسة التعليمية التصفوية، وضد المساس بالحريات الديمقراطية، وبحرمة الجامعة، وظلت مطالبة بصيانة هذه الحريات، وبإطلاق سراح الطلبة المعتقلين.. لكن، ونسطـّر على هذه اللكن، ظل هذا النضال محط انتقاد وتحفظ من لدن القاعديين، بالنظر لانتظاريته، ومحدوديته، وقصر نـَفسه، وتذبذبه.. فهي ذي البيروقراطية، وهي ذي البعض من شروطها ومعيقاتها للنضال، والتي تتطلب إجراءات تنظيمية، تضمن وتحمي مشاركة جميع الطلبة، وجميع المناضلين، وجميع التيارات والاتجاهات التقدمية والديمقراطية.. في النضال الطلابي
فبناء الاتحاد وفق هذا التصور القاعدي ليس حلما أو ضربا من الخيال، بل تحقق على الأرض الجامعية خلال لحظة من اللحظات، أي ابتداءا من تجربة المجالس القاعدية السرّية والتي أنضجت الشروط لتوحيد الصفوف وخوض المعركة من أجل استرجاع شرعية إوطم ورفع الحظر عن أنشطته.. ثم بعدها، أي مباشرة بعد تمتيع إوطم بشرعيته، خلال التحضير للمؤتمر السادس عشر.. ليستفرد حينها النقاش ويتمحور حول نقطة التنظيم وعلاقتها بالديمقراطية وحماية الجامعة.. انتصر خلال هذه المعركة التصور القاعدي، ونجح في كسب هذا الرهان الديمقراطي، الذي باركته الجماهير الطلابية، وانخرطت تلقائيا في هياكله، التي لم تمنعها من المشاركة والانتداب..
أصبحت المؤسسات الجامعية بفعل هذا التنظيم القاعدي تتوفر على ممثلين يعدّون بالمئات، مشكلين مجالس طلابية مناضلة تتسع لجميع المكونات والحساسيات، مجالس في قمة الديمقراطية، تتمتع بقوة القرار والتقرير، وهي سيدة نفسها حريصة على استقلالية الفضاء وقراراته، ممانعة بالتالي لجميع مظاهر التحكم والبيروقراطية وجميع الحسابات الضيقة.. وبالإضافة لهذا كله، ومن حسنات هذا الشكل التنظيمي القاعدي أنه ساهم بشكل كبير في تحصين الاتحاد، وفي صيانة حرمة الجامعة وحمايتها من المنع والقمع والتضييق على أنشطة إوطم النضالية.
وضد المسار والتيار، تراجع الاتحاد عن هذا البناء القاعدي الصلب، من خلال مقررات مؤتمره السادس عشر، والتي كانت مخيبة للآمال وللتطلعات الطلابية الجماهيرية، معززة البيروقراطية من جديد، ومؤجلة الحسم لمحطة المؤتمر السابع عشر.. فأن تواجه البيروقراطية بشكل مبدئي وعملي، كان لا بد على الرفاق القاعديين من الدعوة لشكل تنظيمي يضمن الديمقراطية وحرية التعبير والتقرير والتنفيذ، داخل الاتحاد وداخل مجمل الفضاء الجامعي، حتى لا يبقى مجرد ادعاء ومزايدة صبيانية لا أقل ولا أكثر..
تراجع الاتحاد مرة أخرى عن هذا التصور القاعدي للبناء التنظيمي نتيجة لمقررات المؤتمر الوطني السادس عشر، وظل النقاش مفتوحا حول هذه الإشكالية التي باتت معطـِّلة لقدرات إوطم الجماهيرية، حيث أصيبت الجماهير بخيبة كبيرة وسط تواتر الضربات والهجمات القمعية التي استهدفت نضالاتها وقياداتها الميدانية.. إذ وبالرغم من هذه التراجعات واعتبار المؤتمر تراجُع وردّة في التاريخ النضالي الطلابي والإوطمي، لم ينسحب الرفاق القاعديون من ساحة النضال والمسؤولية بل ضاعفوا من جهدهم وحماستهم، واحترموا المقررات وانضبطوا لها، وسارعوا للمشاركة في انتخابات التعاضديات رغم بيروقراطيتها، والتي قبلوا بها على مضض، وعينهم على إفراغها من هذا المضمون عبر البحث عن أشكال وأساليب موازية لإشراك الجماهير الطلابية في تسيير الاتحاد وفي قيادة المعارك.
حينها اشتد النقاش وسط القاعديين وانحصر في رأين، رأي طالب بالانسحاب معتبرا عملية رفع الحظر عن المنظمة إوطم مجرد هدية مسمومة "من النظام"، ورأي آخر اعتبر العملية مكتسبا ديمقراطيا وجب تعزيزه عبر الانخراط العملي في هياكل الاتحاد، وقيادة معاركه، بالرغم من هذه العفونة البيروقراطية الجاثمة على صدر الاتحاد والمكبلة لقدراته النضالية، والتي يجب التفاني والاستماتة من أجل إفراغها من هذا المضمون، الذي يعد وصمة عار في تاريخ الاتحاد، وانتكاسة عن مكتسباته الديمقراطية والتنظيمية والتي سبق للاتحاد أن حققها وقررها في مؤتمرات سابقة 12 و13 و15.. حيث كانت المسؤولية النضالية تلزم الرفاق بالانضباط والالتزام بمقررات أفرزها مؤتمر وطني لا لبس في شرعيته ومهما كان تقديرنا له ولحيثياته.. حيث كان الرفاق يقدرون حينها أهمية الاتحاد ووجوده على الأرض مقارنة بمرحلة الحظر القانوني.. إذ بالرغم من التراجعات المسجلة، والبناء التنظيمي الهش وضبابية الرؤية فيما يتعلق بالأوضاع السياسية وأوضاع التعليم.. تبيّن والتاريخ شاهد، على سدادة الموقف ونجاعته، بأن مكـّن "النهج الديمقراطي القاعدي" من مكانته القيادية، والطليعية المتميزة، التي نالها عن استحقاق، وأكسبته الثقة والجماهيرية وسط قواعد الاتحاد.
فهذه التوطئة التاريخية كان لا بد منها لوضع الرفاق الطلبة في الصورة أمام النهج الأصلي، ومواقفه الواضحة والوحدوية.. فهي عكس الصورة التي يروج لها الرفاق في "البرنامج المرحلي" عن جهل لهذا التاريخ المشع، أو عن كذب، وتحامل، وادعاء، وتزوير لهذا التاريخ.. حيث قزّموا البرنامج إلى شعارات رفضوية، وحولوا الاتحاد إلى كتيبة تابعة لهم، تراقب من هم على الصراط المستقيم، ومن زاغ عن الطريق، ومن شكك في "البرنامج" أو كفر بما جاء به.. ليستحق حينها التأديب، والقمع والمنع من الحركة والنشاط، بل وحتى الطرد النهائي من الجامعة في العديد من الحالات.!
مع توالي السنوات، وشراسة القمع، وحصار القوى الظلامية، والتهاون البيّن في تحصين المكتسبات الطلابية.. فضلت مجموعة "البرنامج المرحلي" الدخول في نقاشات عقيمة لا فائدة منها كأولوية مثل الموقف من القوى التقدمية العاملة داخل إوطم واعتبارها رجعية وبالتالي لا تستحق شرف الانتساب للمنظمة إوطم، والموقف من وضع الاتحاد، ومن قضية الاعتقال السياسي، ومن النظام القائم ومن طبيعته.. والتي لا يجب تحت أي مبرر كان أن تؤثر على الوضع النضالي والكفاحي للحركة الطلابية، ولا أن تؤثر العلاقة بين مكوناتها.. وهو عكس ما أقدمت عليه المجموعات التي اختارت العزلة والانعزال، والسيطرة، معتبرة ذلك تفوقا و"انتصارا" للخط والبرنامج، على الإصلاحية والتحريفية والظلامية والشوفينية.. غير مبالية بالكارثة التنظيمية التي أنتجها هذا "الانتصار" المزعوم، وما عززه من ممارسات أساسها العنف والتهور.. بسبب من التصور المغلوط لدور ومهام الحركة الطلابية في الصراع السياسي والاجتماعي والثقافي..الخ لقد أخفقت هذه المجموعات في تطوير النضال الطلابي، وفي تنظيمه بناءا على التراث الإوطمي الإيجابي، ولم تتوفق في التعبير بصدق عن هموم الجماهير الطلابية البئيسة والمحرومة من جميع الحقوق.. متهاونة في الدفاع عن مطالب الجماهير الطلابية، وعلى رأسها المجانية، والحق في الدراسة الجامعية بدون شروط.. ومهملة بشكل صريح لمهمة استرجاع الاتحاد وإعادة بنائه، إضافة لصيانة حرمة الجامعة والدفاع عن الحريات الديمقراطية والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، باعتبار هذه المهام بمثابة محاور للنضال وللبرنامج النضالي القويم، والمؤهل لتوحيد صفوف الحركة الطلابية خلال هذه المرحلة.. فهي الخطوات النضالية التي يمكن أن تعيد حقا للنضال الطلابي توهجه وجماهيريته ونضجه، ويمكن بالتالي أن تحقق للحركة الطلابية وحدتها وديناميتها، لتصبح عنصرا فعّالا في حركة النضال الديمقراطي، وفي الدفاع عن المدرسة العمومية وعن المجانية والحق في التعليم والحق في الحريات..الخ
لقد أصبحت نضالية هؤلاء الرفاق مجرد إهدار للقوى والجهد، وأسقطتهم اختياراتهم المتصلبة في دوامة العنف، والبحث الدائم عن الأعداء والخصوم أو اختلاقهم في الغالب من الأحيان.! موظفين بعض الشعارات المغلوطة، من قبيل "المجانية أو الاستشهاد" في تولع غريب ومبالغ فيه، بأسلوب الإضراب اللامحدودة عن الطعام التي لا يمكن القبول بها أو التعاطف معها إلا في الحالات الضرورية والاضطرارية، دون الاستخفاف البيّن بالقمع والاعتقال.. مما أصاب الرؤية بالضبابية، وغيّمها في عيون الطلبة والطاقات الجديدة، والتي أصبحت ترى أن النضال الطلابي بهذا الشكل لا يعنيها في شيء، لأنه ببساطة، تاه وانحرف عن الطريق القويم، وانتهج أساليب بعيدة كل البعد عن همومه ومطالبه المادية والمعنوية.. أساليب غير نضالية في مجملها كالضرب، والجرح، والتصفية، وحلاقة الرؤوس، واعتقال وتعذيب بائعات الهوى وتجار المخدرات..الخ بالإضافة لإذكاء الحروب والنعرات العنصرية والشوفينية عبر ملاحقة مختلف الحساسيات الأمازيغية، باعتبارها جميعها شوفينية لا تستحق الوجود بالجامعة أو متابعة الدراسة بها، أو حتى الدفاع عن حقوقها الثقافية واللغوية..!
فما هكذا ستضمن جماهيرية المنظمة التي هي في الأصل مناهضة لجميع أشكال الحيف والتمييز العنصري.. إنها ممارسة مناقضة لمبادئ إوطم الأربعة، ومخلة بقانونه الأساسي الذي يسمح لعموم الطلبة بالانخراط في إوطم بغض النظر عن أفكارهم ومعتقداتهم وأصولهم، حيث يسمح لجميع الطلبة بالانخراط في صفوف المنظمة إوطم بمن فيهم الطلبة المغاربة الذين يدرسون بالخارج والطلبة الأجانب الذين يدرسون بالجامعات المغربية.. فعدا هذا الالتزام تصبح كل هذه الممارسات لا معنى لها، وتمس في العمق ديمقراطية إوطم وحرية جميع الحساسيات في الدفاع عن وجودها وعن مطالبها.. بشكل لا يمس بمبادئ الاتحاد الأربعة، التقدمية والديمقراطية والجماهيرية والاستقلالية.. وهي مبادئ نسبية، عجزت جميع القوى السياسية التاريخية التي قادت وسيّرت هياكل الاتحاد عن الالتزام بها وتجسيدها، مهما ادّعت عن ديمقراطيتها وتقدميتها وراديكاليتها.. والنموذج أمامنا فصيل "ديمقراطي"، أو هكذا يدّعي، لا يتوانى عن رفض التعدد والتنوع، ولا يخفي معاداته لقوى سياسية ديمقراطية وتقدمية مناضلة من أجل الحق في التعليم، ومنافحة عن مجانيته، ومدافعة عن الحريات الديمقراطية وعن حرمة الجامعة..الخ بدعوى أن هذه القوى إصلاحية أو تحريفية، بمعنى أنّ على هذه القوى أن تتحول لقوى اشتراكية ثورية، وماركسية ولينينية، حتى يقبل انتسابها لاتحاد الطلبة إوطم.! إنه هراء وما بعده هراء.. إنه جهل بالكامل للتصور التقدمي المرتبط ببناء المنظمات الطلابية ذات الطابع الجماهيري، والتي تختلف جوهريا عن المنظمات الطلابية التابعة لتيار أو حزب سياسي معين، قد يكون يساريا إصلاحيا، أو جذريا ينشد التغيير الثوري، أو ماركسيا يتوّخى الثورة الاشتراكية وبناء المجتمع الجديد الذي سيقضي نهائيا على الرأسمالية، وعلى المِلكية الفردية والخاصة لوسائل الإنتاج سيان.. إذ لا وجود في ظل هذا التصور السليم الذي يتبناه جميع العقلاء الديمقراطيون، للخطاب الواحد، والبرنامج الواحد، والقيادة السياسية الموحدة..الخ هذا الخطاب الذي لا يتردد في معاداته لأي عمل سياسي لا يحمل بصمته..!
فالمطلوب الآن في ظل هذه الأزمة التي تعرفها الحركة الطلابية والساحة الجامعية، وفي ظل غياب الإطار التاريخي الذي طالما وحّد الصفوف وعبّر عن المطالب والهموم.. هو إحياء مبادرات التنسيق الطلابي، وإطلاق المبادرات التي من الممكن أن تخدم هذا الهدف، اعتمادا على حد أدنى نضالي ومطلبي، يـُشرك جميع الفعاليات والحساسيات الديمقراطية والتقدمية، بناءا على برنامج انتقالي، يدافع عن مهمة بناء واسترجاع أوطم، وعن حق الجماهير الطلابية في مقعد جامعي، يوفر لها التكوين العلمي اللائق ذو الجودة العالية التي لا لبس عليها.. تكوين يؤهل الجامعة للانفتاح على محيطها، بتوفير فرص الشغل لخريجها دون تعطيل أو إهمال.. مطالب لا تقل أهمية عن المطالب الأخرى المرتبطة بتوفير الحريات الديمقراطية داخل الجامعة، وإسقاط الأحكام والمتابعات، وإطلاق سراح الطلبة المعتقلين.. وهي مطالب مترابطة، بل هي شرط من شروطها، قادرة على أن تشكل الأساس لبرنامج حد أدنى انتقالي مرحلي، متوافق عليه من طرف جميع الفصائل والمكونات الديمقراطية داخل الجامعة، ابتداء بجميع مجموعات "البرنامج المرحلي" وفصائل الأحزاب الديمقراطية والتقدمية ـ حزب النهج الديمقراطي وفيدرالية اليسار ـ إضافة للمجموعات والفصائل التقدمية الأخرى، الطلبة القاعديون، والقاعديون التقدميون، والتوجه القاعدي والطلبة الماويون والطلبة التروتسكيون والجناح الديمقراطي داخل الحركة الثقافية الأمازيغية، ومختلف الحساسيات الأخرى المستقلة والملتزمة بمبادئ الاتحاد وقانونه الأساسي.
فرهان المرحلة ينبني على هذا البرنامج أو على شيء ما يشبهه، بحيث من المستحسن أن تنطلق المبادرة من إحدى الجامعات التي تسيطر فيها مجموعة من مجموعات "البرنامج المرحلي" لتنضاف المبادرة "لندوة مراكش" وتثمينها، وتتفوق عليها بإشراك غالبية الأصوات الديمقراطية والتقدمية إن لم تكن جميعها.. حيث لا مناص من ظهور معارضات تستهتر ولا تبالي بهذا التوجه الوحدوي، بل وتخوّن أصحابه والداعين له.. وكذا المنظمين والمشرفين والمشاركين في هذه الندوة/المبادرة.
فبدون هذه المبادرات الأولية والوحدوية لن يكون هناك من جدوى لنضال طلابي فاعل وحازم في مواجهة مخططات النظام في الجامعة، وقادر على استرجاع الحق في التعليم الجامعي.. وستبقى نضالات الطلبة معزولة ومهمشة، ومحدودة التأثير، بالنظر لارتباطها بكلية من الكليات، حيث تغيب بشكل كلي ونهائي الإضرابات والاحتجاجات ذات الطابع الوطني، التي تشمل الجامعة ككل.. وما عهدنا هذا حتى في زمن السيطرة البيروقراطية خلال فترة المؤتمر السادس عشر.
فالخطير في الأمر، هو أن يتكرّس وضع وحالة التفتيت المستشرية، ويستمر إغلاق الآذان في وجه هذه المبادرات الوحدوية، والتي هي الكفيلة، من وجهة نظرنا، بإرجاع النضال الطلابي لسكته الصحيحة، وبعث إوطم التقدمي والديمقراطي الجماهيري على الأرض.. حيث يجب، أخذ العبر والدروس من تاريخ الاتحاد، ففي زمن المنع والحظر القانوني والاعتقالات الحاشدة والمحاكمات.. كان لمبادرة "الخط الديمقراطي" بالمدرسة المحمدية، أهميتها التاريخية، في إعادة الروح للنضال الطلابي الموحد، ولم يتوانى ممثلو هذا التيار عن الدعوة لعمل وحدوي، والالتفاف حول شعارات ومطالب محددة لا اختلاف حولها.. حينها بادر تيار "الطلبة الديمقراطيون"، والذي يعتبر استمرارية خطية "للطلبة الجبهويين"، للدعوة والمطالبة برفع الحظر عن المنظمة إوطم، وكذا بالمطالبة بإطلاق سراح كافة المعتقلين الطلبة، أي بمن فيهم قياديي ومسؤولي المنظمة.. فالتيار نفسه هو من ساهم، إلى هذا الحد أو ذاك، في إنشاء حركة الطلبة القاعديين وطورها إلى حد كبير.. فما كان من هؤلاء الرفاق إلاّ تكثيف الدعوات الوحدوية وإقامة الأنشطة التعبوية لهذا الغرض.. على الرغم من سيطرتهم المطلقة على مجمل النشاط الطلابي بالمدرسة، ومن ارتباطهم الوثيق بتجربة المؤتمر الوطني الخامس عشر، ودفاعهم الصريح عن قيادته ومقرراته، فلم يترددوا قط عن هذا المنحى، بأسلوبهم الوحدوي هذا، وعبر هذه المبادرة التاريخية.
كان للمبادرة وقعها الكبير، وفتحت الباب للعديد من اللقاءات والتنسيقيات، التي مهدّت لرفع الحظر، وتمتيع الاتحاد بشرعيته وقانونيته، التي عبّرت عنها الدولة رسميا خلال نونبر 78، بما شكله القرار من انتصار، والذي اعتبرته مجمل مكونات الحركة الطلابية والحركة القاعدية أيضا، مكسبا تاريخيا ونضاليا، وجب تعميقه وتثمينه إلى أقصى حد.. عدا بعض الأصوات الرفضوية ضعيفة التأثير.
فهذا درس من دروس عديدة وجب الاستفادة منها، وتقديرها أحسن تقدير.. فالتذكير بها أو الاستناد لخلاصاتها سيساعد الحركة الطلابية على تجاوز أزمتها، وسيساعدها كذلك على محاصرة جميع الأطروحات الانعزالية والاقصائية والأنانية، التي لا تقبل بالتنازلات والتوافقات.. وكأن الانخراط فيها يعتبر انهزاما وخسارة في حسابات التيار المهيمن.. كلا أيها الرفاق، فالساحة مضمونة لجميع الاتجاهات المناضلة والمخلصة والمستعدة للتضحية ومواصلة النضال بكل ما أوتيت من قوة، وصلابة ومبدئية، وإخلاص تام لمصالح الجماهير الطلابية.
فلا مناص إذن من اجتذاب أوسع القوى الطلابية التقدمية الفاعلة، لهذه الوحدة المنشودة، والتي لا نرى لها نجاحا في الأفق القريب، سوى بحضور وازن للرفاق في مختلف مجموعات "البرنامج المرحلي" بسبب حضورهم الميداني المتميز في الساحة الطلابية مما أكسبهم الخبرة والتجربة، لإدارة المعارك، وقيادتها، وتوجيهها، بما يستلزم ذلك من حنكة في التعبئة والتحريض والتنظيم والتأطير..الخ فهو شريك أساسي لا بد من وجوده، فنقدنا للبعض من مواقفه ومن ممارساته، لا يلغي قتاليته الميدانية، ومواظبته النضالية في الساحة.. ثم لا يجب أن ننسى أو ننكر أن في أحشائه العديد من الطلبة المناضلين، حازمين في الدفاع عن حقهم في التعليم الجامعي، يسترخصون حرياتهم وحياتهم دفاعا عن هذا المبدأ.. فقد لا يتفق الجميع أو الأغلبية من الفصائل الطلابية التقدمية، مع أساليبهم في إدارة هذا النضال، لكن الكل مطالب بأن يشهد لهم بتفانيهم وعطائهم السخي للساحة النضالية.. لقد كان الرفاق دائما، أو في أغلب الأحيان في الموعد بالضبط.. أثناء الدخول الجامعي، وخلال فترة التسجيل في الجامعات، وفي الأحياء الجامعية، متابعين لملفات الطلبة المطرودين أو المحرومين من التسجيل ومتابعة الدراسة بالشعب التي يختارونها.. إضافة لمتابعتهم لملفات المنحة والسكن الجامعي، بما تتطلبه هذه المتابعة من تعبئة وتأطير، ومعارك نضالية لا بد منها.
فهذا التواجد النضالي وهذه الكفاحية المشهود بها لهؤلاء الرفاق، هو ما يشفع لهم في أخطائهم وانزلاقاتهم البارزة، كالإقصاء والتفرد، والرفض للعمل الوحدوي، والتضييق على حرية إبداء الرأي، باعتماد العنف، بما تشكله هذه الأساليب من خطورة، ونسف للقيم والمبادئ الديمقراطية العريقة في ثقافة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، دون مراعاة لمضاعفات هذا المنحى، بحيث يتم إقحام الحركة الطلابية في نقاشات فكرية وسياسية ظلت اختيارية على طول تاريخ الاتحاد.. نقاشات من قبيل طبيعة القوى السياسية المغربية، وطبيعة النظام القائم بالمغرب، وطريقة التغيير الاجتماعي والسياسي المطلوبة وحجم مساهمة ودور الحركة الطلابية في هذا التغيير.. وهي نقاشات غير ملزمة لعموم الطلبة، ولا لعموم الفصائل الديمقراطية التي لا يهمها التغيير الجذري، بمعنى تلك التي اختارت الحل الإصلاحي للتغيير المجتمعي، معتمدة على أدوات تحليل ليست ماركسية، وهذا حقها.. فما دامت ترفض الأوضاع التعليمية، وما دامت متشبثة بإصلاحها، بما يضمن حق أبناء الشعب المغربي في تعليم يضمن تكافؤ الفرص والمساواة، تعليم ذو جودة، ينمّي قدرات الطالب على البحث، والابتكار، ويضمن له حقه في الشغل..الخ فمرحبا بوجودها وسط الحركة الطلابية ووسط إطارها التقدمي والتاريخي إوطم، فشروط الانتماء للاتحاد الطلابي إوطم هي مبادئه الأربعة وقانونه الأساسي لا غير، وغير هذا تبقى مزايدة وتعسف.. كأن يدّعي البعض أن إوطم "للثوار"، وأن للحركة الطلابية مرجعية فكرية واحدة، موحدة، هي الماركسية.. فتلك مزحة وهراء سخيف، خاصة حين تنضاف لمبادئ إوطم مبادئ من قبيل مناهضة الإصلاحية، ومناهضة التحريفية، وقد تنضاف مبادئ أخرى في إطار من المزايدات والمبالغات.. إذ ومنذ المؤتمر الوطني الخامس عشر ألغت نهائيا بطائق الانخراط وأصبح الانتماء لإوطم تلقائي، وليس له من شرط سوى التفاني والدفاع عن مبادئه الأربعة، الذي قاد سفينته الوطنيون لمرحلة، ثم الاشتراكيون الإصلاحيون فيما بعد، وبعدها الثوريون على اختلاف نزعاتهم..
فنحن بصدد البحث عن الخطة الملائمة لتجميع وتوحيد كافة الفصائل الطلابية التقدمية حول مهمة النهوض بالنضال الطلابي، وخوض المعارك الموحدة دفاعا عن الجامعة وعن الحق في التعليم وعن المجانية.. بالإضافة للحريات الديمقراطية، وما يستلزمها من حرمة، وجب أن تتمتع بها جميع مرافق الجامعة، ومن إطلاق سراح جميع الطلاب المعتقلين لأسباب نضالية..الخ ومهمتنا في هذا السياق مهمة إقناع، وليس مجاملة، ولا طلب تنازل من الرفاق الممانعين لاتجاه الوحدة.. فليست هذه شيمنا والتي لا تليق بالمناضلين المبدئيين الذين يجب أن يكونوا حازمين في نقدهم للآخرين، والذين يجب ألاّ يبنى نقدهم هذا على الحزازات الذاتية والشخصية، حيث يجب دائما البوح والاعتراف علنا بفضائل جميع المنافسين والخصوم السياسيين، وبشكل خاص رفاق الطريق أنصار "البرنامج المرحلي"، حيث نتمنى صادقين، ولما فيه مصلحة الحركة الطلابية وعموم الجماهير الطلابية، أن يستوعبوا الدرس، ويُقدموا على التنازلات اللازمة، بخصوص حالة الاتحاد ومستقبل الاتحاد، وما يلزمه من بناء، وتوطيد، وهيكلة لتتمكن الجماهير الطلابية من الدفاع عن حقوقها وتثبيت مكتسباتها.. إذ لا نزيد من الرفاق، أو من أي اتجاه كان، أن يتنازلوا عن أفكارهم ومعتقداتهم ومواقفهم السياسية، التي قد نشاطرهم البعض منها، أو قد "نزايد" عليهم في أخرى.. لكن ما يجب أن يستوعبه عموم الرفاق نشطاء الحركة الطلابية بأن الخلافات والصراعات وسط الحركة الطلابية، كانت وستظل مشروعة في إطار الاتحاد الذي لم يمنعها أو ينبذها قط، في مجرى تاريخه النضالي، حيث استوعب الاتحاد الجذريين والنفعيين، الثوريين والإصلاحيين، الجمهوريين والملكيين، الماركسيين والتروتسكيين، والماويين والجيفاريين والفوضويين..الخ دون أن يشكل هذا التنوع، أي خطر على وجوده، أو أي ضرر على مساره النضالي، أو أي تأثير سلبي على قدراته ومواقفه وتوجهاته الكبرى، والتي أجمعت كلها على النضال من أجل تعليم شعبي ديمقراطي علماني وموحد مهما اختلفت الصيغ والعناوين، حيث سعت جميع المكونات بكل جدية نضالية، لرفض الإصلاحات الجامعية التي لا تستجيب لهذا الهدف وهذا المنحى، بطرق شتى..
فالمسؤولية تقتضي الآن الإسراع في فتح النقاش الطلابي العمومي، وخلق الجبهات والتحالفات المؤدية لهذا الهدف العظيم.. إنها الخطوة الوحدوية التي لا بد منها، لبعث الاتحاد من جديد.. وهو الكفيل بصد جميع الهجمات، والمخططات الجهنمية المستهدفة للحق في التعليم الجامعي، والمتجهة نحو الإقبار النهائي لشيء اسمه الجامعة العمومية والمجانية.

مصطفى بنصالح
شتنبر 2018

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول