الرأسمالية، ايضا، لديها برنامج عمل وطني

سلامة محمد لمين عبد الله
2018 / 9 / 29

الرأسماليةُ، أيضا، لديها برنامج عمل وطني

في شهر ماي 2016 سافرتُ الى النمسا ضمن وفد تربوي في اطار مشروع للرفع من مستوى المعلمين والمكونين الصحراويين، مشترك بين المؤسسات التربوية في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية و الجامعة البيداغوجية فيينا PH Wien المختصة في إعداد المعلمين. التعاون الصحراوي النمساوي في مجال التعليم و التربية، خاصة في ميدان رياض الأطفال و المرحلتين الإبتدائية و الإعدادية بالمخيمات، متعدد الأوجه و تعود جذوره الى ثمانينيات القرن الماضي.
كان العمل كثيرا في الجامعة و المؤسسات التربوية المرتبطة بها: مدرسة ابتدائية، مدرسة اعدادية. العمل تمثل في حضور الحصص الدراسية، البحوث، اللقاءات. النمسا بلد جميل و متطور و الدولة تولي اهتماما كبيرا للتعليم و تحضير النَّشءِ.

إضافة الى ذلك، و بناء على رغبات الزملاء، نظم مضيفونا النمساويون زيارتين لمؤسستين هامتين في فيينا لهما علاقة بالقطاع.

المؤسسة الأولى هي دار النشر النمساوية للكتب و المنشورات المدرسية
Oesterreichischer Bundesverlag Schulbuchverlag
بعد زيارة الأقسام المختلفة، قدم لنا المسؤولون القهوة و الحلويات. إنها أجمل اللحظات في برنامج اليوم بالنسبة لي كمترجم، نظرا لكثافة المواعيد و التركيز المستمر ما يولد الحاجة الملحة الى التزود بشيء من الطاقة الغذائية. انا أفضل دائما القهوة مع الحليب، التي يسمونها في النمسا "مِلونج"، و كعكة التفاح المحلية "ابْفَلْ شْتْرُودَلْ".
بدأ مدير دار النشر الحوار بتقديم لمحة مقتضبة حول التطور التاريخي للدار و وضعها القانوني. قال لنا أن الكتاب المدرسي في النمسا مجانيٌّ. و أنه يوجد "برنامج وطني لتوفير الكتاب المدرسي المجاني"
Nationale Schulbuchaktion
تتولى الدولة بموجبه تمويل الكتب المدرسية. البرنامج يتيح لجميع التلاميذ النمساويين الحصول على كتاب مدرسي جديد في بداية الموسم. ردا على سؤال احد الزملاء الصحراويين عما إذا كان يتعين على التلاميذ اعادة الكتب في نهاية السنة، أجاب انهم لا يطلبون ذلك منهم. الكتاب ملكٌ للتلميذ يستطيع أن يصطحبه معه الى البيت و يحتفظ به في مكتبته المنزلية. يتم تكليف دار النشر من طرف الدولة النمساوية بطباعة العدد المطلوب من الكتب سنويا.

المؤسسة الثانية هي "دار أو مدرسة التثقيف الشعبي"، اورانيا Urania
أثناء استقبالنا من طرف جمعية الصداقة النمساوية الصحراوية، في مقر البرلمان النمساوي، قدمت لنا السيدة كارين شيليه، رئيسة الجمعية، الدكتور غونتر زيدل، مدير مؤسسة "اورانيا". زيدل هو سياسي اشتراكي نمساوي نشط جدا. شغل في السابق، من بين مهام أخرى، رئيس مكتب السيدة كارين التي كانت حينها رئيسة البرلمانيين الاشتراكيين النمساويين الأعضاء في البرلمان الأوروبي. الآن، كارين نائبة برلمانية عن الحزب في اقليم النمسا السفلى.
لأول وهلة، يبدو زيدل الذي يرتدي سروال جينز و قميصا ابيضا و سترة سوداء خفيفة، كرجل اعمال خرج من مكتبه للتو لقضاء بعض الوقت في احدى حدائق فيينا الكثيرة و استنشاق رائحة ازهار الربيع التي تعبق بها شوارع و ساحات المدينة الجميلة. لكن هذا الإنطباع سرعان ما تغير عندما بدأ حديثه. لقد أتي للترحيب بنا و استدعائنا لزيارة مؤسسته و معرفة الموعد المناسب. لم يُطِل الحديث، قال فقط أن فيينا لديها تقاليد اشتراكية عريقة، خاصة في مجال محو الأمية وتعليم الكبار.
عندما ذهبنا إليه استقبلنا بحرارة و طاف بنا على الأجنحة و الطوابق المختلفة في البناية. دخلنا على احدى المعلمات التي تقدم حصصا للتلاميذ الذين يحتاجون الى دعم اضافي. في احدى القاعات يوجد تلاميذ يتعلمون اللغات الأجنبية، و في جناح آخر دخلنا على فتيات صغيرات اثناء التدريب على رقص الباليه. في الطابق العلوي توجد قبة فلكية. كما يوجد طابق خاص بالسينما والمسرح. هنا يستطيع المنتجون الصغار الذين ليس لديهم المال الكافي عرض انتاجهم و ابداعاتهم.
كما تستخدم القاعات لإلقاء المحاضرات في اطار برنامج التثقيف العام. كما لو أن السيد زيدل اراد ان يفاجئنا مفاجأة سارة، ذهب بنا الى قاعة عرض أين القى الزعيم الفنزويلي الثائر، هوغو تشابيث رياس، محاضرة قبل عدة سنوات. كما اخبرنا أن زعيم اليسار الألماني اوسكار لافونتين، سيأتي بعد اسبوع لتقديم محاضرة حول مستقبل أوروبا. المؤسسة تملك بناية مدرسية قريبة و في حالة الاكتظاظ تلجأ الى تأجير اقسام أو قاعات اضافية. الجزء الكبير من التمويل تحصل عليه المؤسسة بمجهودها الذاتي و تتلقى دعما من الحكومة بطريقة غير مباشرة.
في ختام الزيارة، انضم الينا افراد من الطاقم المشرف و شابة أخرى من البلدان الاسكندنافية تزور بدرها هذه المؤسسة العجيبة لتنظيم يام للتبادل الثقافي. تحدثنا حول مواضيع عدة. شربت القهوة "ميلونج" و الحلوى اللذيذة التي اصبحتم تعرفون اسمها. رغم ان اليوم كان طويلا و شاقا ، فقد شعرب بالراحة في هذا الإشتراكي، خلافا عن بقية أيام البرنامج، و دون المراعاة لقواعد البروتوكول، بدأت احدث الحاضرين عن برنامج محو الأمية و تعليم الكبار الكبار عندنا في المخيمات، الذي كنا نسميه كذلك "برنامج التثقيف الشعبي" و الذي شاركت فيه عندما كنت في المرحلة الثانوية و الذي عرف تراجعا كبيرا ان لم يكن قد انتهى بشكل نهائي. وقفنا في البالكون لإلتقاط الصور التذكارية و رؤية فيينا و نهر الدانوب مع غروب الشمس. في الطريق الى المنزل قلت لزملائي أن ما رأيناه هو شيءٌ يدعو للتفكير حقا و محرج في نفس الوقت. أن تأتي من بلد الثورة الى وسط أوروبا الغربية الرأسمالية فيحدثونك عن مواضيع مألوفة لك لكنك اهملتها بشكل كبير!

اذا تحدثت مع احد النمساويين حول الإشتراكية والرأسمالية فإنه سيقول كلاما مثل هذا الكلام تقريبا: سيقول مثلا ان الموارد الطبيعية محدودة، و أن اقتصاد البلد يعتمد اعتمادا كبيرا على الخدمات، و ان الشركات تدفع ضرائب باهضة، و انه يجب علينا خلق الإستثمار و كسب المال أولا، لكي يكون لدينا شيءٌ يمكن توزيعه. ثم انه توجد اشياء اخرى مهمة، منها ان المؤسسات الخاصة تخضع للقانون، وان هذا القانون واضح للجميع و حقيقى و صارم. و ان رؤساء هذه المؤسسات ملزمون بتحمل المسؤولية الإجتماعية. فهم مطالبون بالمساهمة في اعداد و تكوين الشباب و توفير لهم فرص عمل ملائمة، و ان الدولة مسؤولة عن نظام الضمان الاجتماعي. و في حالة لا يوجد ما نستطيعُ توزيعَه، فلا يمكن الحديث عن وضع حد ادنى للأجور، أو زيادة الضرائب أو توفير أماكن العمل التي تتطلب مزيدا من الإستثمار و التوسع الإقتصادي.

احد المدافعين عن الرأسمالية يقول أن احدهم اتي الى رجل الماني ثري يدعى روتشيلد و قال له: اعطيني 500 وحدة نقد (تَالَرْ)، فبالنظر الى الملايين الكثيرة التي تملكُها، فلن يؤثر عليك اذا زيادة ُ مالِك بمقدار 500، أو نقصانُه. قال روتشيلد للرجل: ان ثروتي 30 مليونا، و عدد سكان المانيا هو 30 مليون. لذلك نصيبك من ثروتي هو واحد تالر. خذْه و يجب ان يكفيك لما تبقى من حياتك.
القصة طريفة جدا والكاتب يقدم الكثير من الأمثلة التي تثبت انه اذا ما تم فعلا توزيع أموال الأثرياء التي تفوق حدا معينا على الفقراء، هكذا ببساطة، فإن وضع الفقراء لن يتحسن. ربما يهمل الكاتب عمدا بعض العوامل المهمة، لكن القصة تبدو مقنعة، خاصة في البلدان التي تطبق مقاربة اقتصاد السوق الاجتماعي.