الو، بريسيدينتي

سلامة محمد لمين عبد الله
2018 / 9 / 23

الووو، بريسيدينتي" !
الكثيرون منا يتذكرون و يقدرون الزعيم الفنزويلي الراحل، هوغو تشابيث. و المقصود بالكثيرين هنا، هو كل الثوار الحالمين بعالم تسوده الحرية و العدالة و المساواة. الإنسان العربي الذي يعجز عن تحقيق احلامه و طموحاته و مثله العليا في بلده، يشعر بالسعادة عندما يرى تلك الأحلام و الطموحات و المثل تتحقق في بلدان بعيدة. لذلك كان هوغو تشابيث مثلا أعلى للكثيرين، و أنا واحدٌ منهم. ففي سياق ليس ببعيد عن هذا، هتف الصحفي فيصل القاسم في برنامجه الشهير"الإتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة القطرية: وا تشابيثاه، وا اردوغاناه!
تشابيث، بذكائه الخارق و احساسه الرهيف، كان يدرك قوة و نفوذ معارضيه السياسيين، و درجة تفشي الفساد والبيروقراطية و المحسوبية في مؤسسات الدولة، و تآمر الرأسمالية المتوحشة ضد خطط و برامج الحكومة الثورية الهادفة الى تحسين وضع الطبقات الفقيرة و المهمشة و ردم الفجوات داخل المجتمع الفنزويلي. لذلك كان يفكر في أساليب فعالة تمكنه من محاربة هذه الآفات و تشديد الرقابة على أداء المؤسسات العامة من جهة، و تجاوز العراقيل البيروقراطية التي تحول دون تنفيذ الخطط بالشكل المطلوب، من جهة ثانية. و قد وجد ضالته في الثورة التكنولوجية ذات الوسائط المتعددة (المولتيميديا)، التي اجتاحت العالم مع مطلع الألفية الثالثة، خاصة مواقع التواصل الإجتماعي و الهاتف الذكي و تطبيق الواتساب.
فكان برنامجه التلفزيوني المعروف "آلو، بريسيدينتي"، الذي يتواصل فيه مباشرة مع المواطنين؛ يستقبل مكالماتهم، و تغريداتهم و رسائلهم النصية.
في الوقت الذي ينظر المسؤولون عندنا الى مواقع التواصل الإجتماعي و الشبكة الرقمية بصفة عامة، برِيبة و تَوَجُّس ، ها هي جريدة الغارديان البريطانية تشيد ب"النجاح الشعبي" الذي حققه هوغو تشابيث بلجؤه إلى هذه المواقع قبل عشر سنوات. حيث كتبت على موقعها الألكتروني في 10 غشت 2010، أن الرئيس الفنزويلي قد حول موقع تويتر الى أداةٍ للحكم، و أن عدد متابيعه على الموقع وصل الى 720000 متابع، يشجعهم على التغريد، لأن ذلك "يسمح لعامة الناس بتجاوز بيروقراطية الموظفين و التواصل مع القمة" مباشرة. الغارديان تذكر أيضا أنه أمر بتشكيل فريق قوي مكون من 200 عضو يتولى الرد على سيل الرسائل النصية التي تتضمن شكاوى تتعلق بالخدمات و طلب المساعدة. و أنه يأمر وزرائه بالرد على تغريدات المواطنين. و أنه يقول أن اتصالات الحالات المرضية لا تدعه ينام، قبل ان يطلب من الوزير المعني مساعدته في تحديد مكان سكن المريض. ما ورد في مقال الصحيفة المنشور تحت عنوان "ولع تشابيث بموقع تويتر يثبت نجاحا شعبيا"، يدعمه الحضورُ الكثيف للتشابيثيين في الموقع: المخلصين، المثقفين، المدرّبين، و المنسجِمين، و المزوَّدين بالمعلومات الدقيقة حول مختلف الخطط والبرامج و الإجراءات في القطاعات المختلفة للدولة. الشيء الذي يتيح لهم الرد الفوري، بالدليل و البرهان، على تصريحات و مواقف و مؤامرات الخصوم في الداخل و الخارج؛ و بأسلوب مدني.
تذكرت هوغو تشابيث و فنزويلا، بينما كنت اصغي لقصة احدى المناضلات الصحراويات مع قطاع الصحة عندنا. فاطمتو، أجرت مؤخرا عملية جراحية على العين، ناجحة، لله الحمد و المِنّة. وصف لها الطبيب عينتين من الأقراص، احداهما خاطئة. ما تسبب لها في التهاب حاد و ألم شديد لفترة طويلة. قال لها احد الأطباء أنه يجب عليها البحث عن عينة حبوب أخرى تستعمل مع عينة الحبوب الصحيحة، لكنها لم تجدها على مستوى الولاية. ذهبت الى المستشفى الوطني، البشير الصالح، الذي نسميه نحن مستشفى الجراحات و نفتخر به أمام العالم، فلم يعطوها الحبوب التي تريد. وبالصدفة، و جدت عائلة تعرفها، و هذه الأخيرة تربطها صداقات مع أحد المحسنين الذي عمل في ميدان الصحة سابقا و يعيش الآن في إقليم الباسك الإسباني. اتصلت به العائلة و سألوه عما اذا كان يعرف شخصا في المستشفى الوطني يمكنه العثور على الدواء الذي يبحثون عنه. فاتصل على الفور بصديق له هناك يستطيع الوصول الى مكان الدواء و طلب منه ان يسلمه لفاطمتو. فاطمتو هي ارملة شهيد، عرف بأخلاقه الحميدة و تفانيه في خدمه القضية الوطنية و الصالح العام. تلقى تكوينه العسكري بمدرسة "اجنين" في الجزائر ضمن الفيلق النظامي الأول لجيش التحرير الشعبي الصحراوي سنة 1975. الفيلق كان يقوده الرئيس الشهيد محمد عبد العزيز. بعض المنتمين اليه، الذين لا يزالون على قيد الحياة، يقولون أنه توجد مجموعة أخرى من الصحراويين سبقتهم لنفس المدرسة يطلق عليهم "كتيبة الأطر". يذكر أن هذا الشهيد رحمه الله، توفى اثر علاجه بحقنة خاطئة في مستوصف الناحية. لكننا في الحالتين نرجِّح الخطأ البشري المتمثل في عدم خبرة الطبيب. فاطمتو هي أيضا أم لشاب و شابة، ذوي اخلاق حسنة، يعملان باخلاص و تفان في مؤسستين وطنيتين بارزتين. و هي عريفة في التنظيم السياسي للجبهة الشعبية منذ البداية، ومعروفة بالبساطة والصِّدق و الإستقامة؛ و النضال. فهي "تشابيثية" حتى النخاع. فلسفتها تتلخص في أربعة مفاهيم: رضى الله، الثورة، النّضال، الإستقلال.
رغم أنها تملك بطاقة تعريف اسبانية، لم تفكر قط في مغادرة المخيم من أجل الحصول على الجنسية و العيش في ديار الغربة. لا تتحدث لأحد إطلاقا عن معاناتها مع الأطباء والمستشفيات و الصيدليات؛ لأنها تُسامح الجميع كل صباح و مساء؛ وعقب كل صلاة. زرتُها في عيد الأضحى الماضي، و وجدتها بخير؛ و "تشابيثية" اكثر من أي وقت مضى. فما كدنا ننتهي من تبادل التهاني بالعيد حتى أخذت "توبخ" خريجين جامعيين بسبب انتقادهم للوضع السياسي، قائلة لهم أنه " لولا الثورة وتضحيات الجيل السابق، لما توفرت لهم فرصة الحصول على شهادات جامعية".
إذا كان هوغو تشابيث لم يعد موجودا بيننا و الشعب الفنزويلي و الشعوب الثورية الأخرى تفتقده بمرارة، فإشعُاعه وافكارُه و أسلُوبُه و تأثيرُه لا تزال حيةً، حاضرةَ، و مُعاشة. نقلَ موقعُ روسيا اليوم الناطق بالإسبانية،بتاريخ 25 غشت الماضي، خبرا سارا جديدا من فنزويلا.حيث قام رجل أعمال باسكي، يدعى اغوستين اكتوتورينا، بنشر شريط فيديو على صفحته في تويتر يُظهر عمال مجمع المواد الغذائية و الصيدلانية "فارما توظو"، يفرغون رفوف المحل من المواد المختلفة و يضعونها في عربات التسوق لإخفائها بهدف احداث ندرة في السوق بعد ايام من اتفاق الحكومة و رجال الأعمال و المنتجين الزراعيين والموزعين على اسعار موحدة. رجل الأعمال الذي كان يبحث عن دواء لإحدى الصديقات التي اصيبت بألم بعد وجبة عشاء، ولم يجده في المحل، ذهب الى محل آخر من محلات "فارما توظو" في كاراكاس، فوجد نفس المشهد يتكرر أمام عينيه. فغضب غضبا شديدا و قرر نشر الفيديو و ارفقه بوسم"هاشتاغ": ـ لِيَعُدْ استالين و لِيُطْلِق النّار عليهم جميعا.
رد فعل الدولة الفنزويلية أتى سريعا و حاسما. الرئيس نيكولاس مادورو، الذي كان يترأس احد الإجتماعات، أعلن، عبر التلفزيون، أنهم ابلغوه أنه تجري عمليات مضاربة في محلات "فارما توظو"، و وصف العملية بالسطو المسلح على حقوق الشعب، و أوكل الى وزيره للتجارة الداخلية، المعين حديثا لتنظيم السوق المحلي و ضمان الإستقرار الإقتصادي، متابعة قضية المجمع التجاري؛ و وعده بالضرب بيد من حديد.
المدعي العام من جهته، نشر على صفحته في تويتر تسجيل فيديو لعملية تفتيش بالمحل الذي زاره رجل الأعمال اغوستين.
إن كل دول العالم اليوم، بغض النظر عن نظامها السياسي، تخوض معركة مشتركة لا هوادة فيها ضد الفساد و سوء التسيير، قوامها الشفافية والمساءلة و الإجراءات الردعية.
قصةُ معاناة فاطمتو مع قطاع الصحة، و قصصٌ أخرى مماثلة نابعة من التجربة الشخصية، لا يتسع المقام لسردها، ليست حالات استثنائية أو معزولة. توجد بالتأكيد عشرات و ربما مئات القصص و التجارب الحزينة المؤلمة التي عاشها و تعرّض لها المواطنون الصحراويون الذين يضطرهم المرض إلى الذهاب لمنظومة صحية فاسدة و مريضة بداءٍ لا بَرُؤَ منه.
إن الحل ليس بتغيير أو تعيين فلان أو علان. فالقطاع عرف "حركيات" داخلية متتالية؛ أفقية و عمودية. و تلاقحت تجارب و خبرات إطاراته و كوادره بتجربة و خبرة إطارات و كوادر طبية أجنبية ذات مستوى عال؛ من الجزائر و كوبا و أوروبا؛ و لا شك أن أطباءنا قد أقسموا على ميثاق الشرف المهني. لا يوجد خلاف على وجود كفاءات جيدة و نزيهة نعرفها جميعا؛ مثلما هي موجودة في قطاعات أخرى؛ لكن عملية الإصلاح تتطلب جهدا أكبر و قرارات أكثر جرأة و تجردا وصرامة؛ و تشابيثية.
في نقاش مع بعض الزملاء، قلتُ أن الناس يستطيعون تدبُّر امورهم سنة كاملة بدون تعليم، و بدون ثقافة؛ و قطاعات أخرى. لكنهم لا يستطيعون ذلك عندما يتعلق الأمر بصحتهم و حياتهم. توجد قطاعات حساسة، لا تقبل التراخي أو التلاعب؛ و لا تُترك عرضة للحساسيات و التجاذبات و المزاج؛ و لا للمحاولة و الخطأ. هي: الغذاء، الدواء، الأمن. في العالم يسمون مثل هذه الملفات، ملفات الرئيس، أو شؤون الرئيس. مديرالمدرسة، أو الشركة؛ رئيس المنظمة، أو رئيس الدولة. نحن نستطيع بالفعل بناء هذه القطاعات على أسس صحيحة و سليمة، عندما تتوفر لدينا الإرادة، و نستفيد من طرق و أساليب تشابيث؛ أو على الأقل، من جرأة و صرامة و وضوح و حسن نية رجل أعمال من بلاد الباسك.