سقوفٌ ورفوفٌ...

حمدي حمودي
2018 / 6 / 1

سقوفٌ ورفوفٌ...
من يستطيع أن يملأ جعبة الموت التي تلتهم ليل نهار وتبلع، إنها تختار بعناية العناصر المفيدة. اليوم اختارت معلم، أحمد الشيعة، الذي يتركب أسمه الشائع من “أحمد” أعظم رجل أنجبت حواء، وذيع الصيت “الشيعة” التي تمتع بها الراحل وهو يملك صوتاً بلا صراخ وبلا حدة، صوت هادئ كرذاذ المطر “أردانة” ذلك الغيث الذي يتسلل إلى عمق الأرض ويفيد دون أن يحتاج إلى البروق والرعود كي يملأ الحياض والسواقي.
لم أعِبْ على أستاذي شيئا سوى أنه كان قاسياً على رفاقه الذين ظل سنداً لهم، ثم سقط فجأة ليتساقطوا واحداً واحداً منهارين، يتزحلقون في دموعهم وصرخاتهم وأناتهم تفيض بها الصفحات وتتدفق من اجهزة الكومبيوتر والهواتف الذكية في خيانة كبرى لأسلوب الراحل في التعبير عن الانفعالات بالبسمة الأقوى من
العويل وبلع الألم الأصعب من تقيئه.
كان سنداً لهم لأن السند يعني القوة، إنه تطبيق مباشر لنظرية القوة
الناعمة، تلك التي لا نلمس مظاهرها إلا في ردود الأفعال، لنظل نتعلم من أستاذنا حتى بعد رحيله دروس الحياة أيضاً.
ونتعلم كيف يمكن أن نحصد الغلال في الوقت الضروري وهو بعد الرحيل. تلك الكلمات العميقة والادعية الصادقة هي كموجات الراديو القصيرة المركزة التي تصل في مداها ما لا تصله الموجات الطويلة. دعوات الرحمات والغفران الحارة الساخنة، فالسخونة تصعد أولاً إلى السماء وإلى البارئ تعالى تصل مبللة بالدموع وبغصّات الحلق وحرقة الفؤاد.
إنَّ الدرس الذي نتعلم أيضاً أن ما تقدم من شيء إلا وتجني ثمرته، فليس في هذه الدنيا شيء ذي قيمة كمحبةٍ صادقة، تلك التي تنشب دائماً بفتح القلب فهو الباب أو البئر الذي تجد فيه المياه النقية الصافية وأن تكون لله وله وحده شفّافةً نقيةً ظاهراً وباطناً. وفي الحديث “ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه” يُظِلّهم الله يوم لا ظل إلا ظله.
لم يكن الراحل إلا صحراوياً بسيطاً هو ومن معه من المعلمين السابقين، لكنهم أخلصوا النّية وانجزوا الواجب وكوّنوا جيلاً يستطيعون أن يفخروا به تحولوا من تجهيل المستعمر الإسباني إلى دكاترة وأساتذة ومهندسين واعلاميين ودبلوماسيين واطارات في كل مناحي الحياة، أصواتهم تزلزل العالم، جيل يعيش المستقبل
ويتجه بالدولة الصحراوية إلى دولة علم إن شاء الله.
تعلمنا أن الهوية الصحراوية يجب أن تتجذر وأن نثق في قدرات شعبنا وأن المستحيلَ سرابٌ ووهمٌ وأن الإرادة حقيقة كالأرض التي نقف عليها والشمس التي تدفئ وتضيء والقمر الذي يحرك المحيطات.
ليس بيننا نحن تلامذة الراحل إلا أن نفعل لا أن نقول، فسنسير بالأمانة وهي تحديث الدولة الصحراوية بالعلم، وبالعلم وحده سنواصل العمل على تكوين مجموعاتٍ في مختلف التخصصات العلميةِ، كي نستمر في تنظيم طاقات شعبنا وتوجيهها ونعاهدكم ونعاهد الشهداء أن لا نملّ ولا نكلّ.
إنّ تحديث أساليب النضال هي عبارة عن آفاق ومستويات تتراءى كسقوف وهو ما نصبوا إليه ونسعى إلى رفعها ولا نفكر أبداً أن تبقى مجرد رفوف.
إن الخروج عن روح الدولة الصحراوية وهو التنظيم المحكم بما يتلاءم وروح العصر يحتاج إلى وقفاتٍ ومراجعةٍ مع الذّات ويجب أن يتجه الجيل الحديث إلى الدراسات العلمية المكتوبة، لا إلى الكلام وتضييع الوقت وإلى العمل ثم العمل كي تنتقل الدولة الصحراوية إلى المرحلة الجديدة.
إن الجيل المؤسس عمل ما عليه وأكثر وما زلنا ننهل من فكرهِ وتجاربه ولكن الجيل الجديد الذي تعلّم سينقل الشعب الصحراوي كما فعل الجيل السابق حيث قفز بشعبنا من الجهل إلى تثبيت الهوية وتحديثها.
فبالإرادة والعمل سننقلها نحن إلى دولةٍ تواكب العصر وسيرى مِنّا الغريم ما لم يره من الأجيال السابقة إن شاء الله.
نَمْ أيها الأستاذ قرير العين والرحمة والغفران لكل الشهداء...
بقلم حمدي حمودي
كاتب من الصحراء الغربية

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية