رأي في بعض الإشكاليات النظرية ذات الارتباط بالحركة الطلابية

مصطفى بنصالح
2017 / 11 / 4

رأي في بعض الإشكاليات النظرية ذات الارتباط بالحركة الطلابية

.. وهي إشكاليات معقدة وعويصة، لم نتعود في حقيقة الأمر على طرحها أو المغامرة بهدف حلـّها، أو التشكيك حتى في وجودها.. لمرحلة طويلة من زمن اليسار الراديكالي بالمغرب، وبغيره من البلدان، حيث وجب الحد من هذا التضبيب والتيهان.
فعن أدوار الحركة الطلابية في الصراع الطبقي، وعن مهام "الماركسيين اللينينيين" في هذا الإطار والسياق، حاول أحدهم ـ الرفيق أو شاما ـ تناول الموضوع، وتقديم بعض الإجابات، التي لا تعدو في نظرنا سوى تكرارا لنفس المفاهيم والتصورات القديمة الخاطئة والمتجاوزة، والتي لا تقيم أي اعتبار لطبيعة الطلبة كفئة اجتماعية انتقالية، لا تحتل أي موقع ملموس في الإنتاج وفي الصراع، ولا تقيم وزنا للرسالة التاريخية للطبقة العاملة، ولا تحدد بدقة من هم المعنيين بالتغيير والثورة، من الطبقات والفئات الاجتماعية التي تعاني من الاضطهاد والفقر والحرمان.
فليست هذه المرة الأولى التي نصطدم فيها بهكذا ادعاءات، حول وجود "ماركسيين لينينيين" شداد على الساحة النضالية، دون أن يكون لهم أدنى تأثير على الحركة العمالية.. وليست هذه المرة الأولى كذلك التي تساءلنا فيها عن مدى فاعلية هؤلاء "الشيوعيين" إذا لم يكونوا مرتبطين أشد الارتباط، وفي المقام الأول، بمصالح الطبقة العاملة، وبإستراتيجيتها الثورية الاشتراكية! "فالشيوعيون يمثلون دوما وفي مختلف المراحل التي يجتازها الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، مصالح الحركة ككل".. "هدفهم هو نفس هدف جميع الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكل البروليتاريا في طبقة، الإطاحة بسيطرة البرجوازية، استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية.. والقضاء النهائي على الملكية الخاصة" هو ذا باقتضاب التعريف بالشيوعيين وبأهدافهم النضالية.
فإذا كانت هناك من مهام ملحة، ملقاة على عاتق مناضلي الحركة الاشتراكية، فلا بد وأن تكون مرتبطة بهموم ومصلحة الطبقة العاملة، وأن تعمل جاهدة على تعبئتها، وعلى الرفع من وعيها بمصالحها الآنية والإستراتيجية، وعلى تطوير مداركها التنظيمية من أجل تشكيل حزبها الطبقي المستقل.. ليكون مصير الثورة مرتبط هو الآخر، بهاته المهام وبهاته الإشكالات، التي يجب حلـّها فورا وبدون تردد، أو على الأقل توضيح معالم الطريق الواجب إتباعه من أجل التغلب على جميع العقبات التنظيمية، التي تقف في طريق الطبقة العاملة وعموم مناصريها ومناصري مشروعها التحرري الاشتراكي، من أجل الظفر بحزبها السياسي المستقل.
فكل المهام المنحرفة عن مجرى هذا التفكير العلمي السليم، الذي يعتبر فكر الطبقة العاملة هو الماركسية نفسها، ومهام "الماركسيين اللينينيين" هي في الأول والأخير، مساعدة الطبقة العاملة نفسها على بناء إطارها السياسي المستقل، ثم التخطيط للاستيلاء على السلطة السياسية، بناءا على تحالف طبقي يضم جميع فئات الطبقة البرجوازية الصغيرة، وكذا العديد من الفئات التي لا موقع لها في الإنتاج، كالطلاب والعاطلين والمهمشين..الخ
فمن يدّعي تملـّكه لأدوات التحليل الماركسية، وجب عليه الانطلاق من التصور الماركسي للصراع الطبقي القائم على أوضاع ومصالح الفئات والطبقات المتصارعة داخل المجتمع، انسجاما مع تصورها وأطروحتها التي آمنت، منذ انطلاقتها، برسالة الطبقة العاملة التاريخية، التي حدّدت بوضوح من له الأهلية فعلا، لقيادة حركة النضال من أجل التغيير الاجتماعي المنشود، ضمن جميع الفئات والطبقات المضطهدة داخل المجتمع الرأسمالي. "فمن بين جميع الطبقات الخصيمة للبرجوازية حاليا، البروليتاريا هي الطبقة الوحيدة الثورية حقا، فالطبقات الأخرى تنهار وتندثر أمام الصناعة الكبيرة، أما البروليتاريا فهي، بالعكس، منتوجها الأصيل، أما أعضاء الطبقات الوسطى، الصناعي الصغير، التاجر الصغير، الحرفي والفلاح، فهم يحاربون البرجوازية انقادا لوجودهم كطبقات وسطى، من الزوال. فالطبقات الوسطى إذن ليست ثورية بل محافظة، لا بل رجعية، لأنها تسعى لجعل عجلة التاريخ تدور إلى الوراء".
فعلى أساس المصالح المادية الملموسة وُجدت الطبقات، وخاضت الصراع من أجل هذه المصالح نفسها.. "أما البروليتاريا الرثة، هذه العفونة المستسلمة لمصيرها، المنحدرة من أكثر طبقات المجتمع القديم وضاعة، فهي تنجـّر إلى الحركة وراء ثورة بروليتارية، إلا أن ظروف حياتها تجعلها أكثر استعدادا لبيع نفسها خدمة للمناورات الرجعية" كانت هذه مقدمة نظرية اعتمدت، بالأساس على النصوص الماركسية الحية، التي لم تشخ قط ولم تمت، بل تأكدت صحتها فعلا.. الغرض من بسطها، تحديد أدوار جميع الفئات والطبقات المتضررة موضوعيا بوجود الرأسمالية كاقتصاد، وكنمط إنتاج، حيث برز هذا السؤال منذ انتشار الرأسمالية في الغرب الأوربي، ومنذ ظهور أزمتها التي لم تتأخر عن التفاقم، وبلوغها الذروة سريعا، بعد أن تبخـّرت الوعود والآمال، عن الازدهار ورغد العيش المنشود.. والذي تحوّل فجأة إلى كابوس فظيع، عنوانه البطالة وإغلاق المعامل والمصانع والمناجم، في وجه العمال.. حينها تطورت الاشتراكية كفكر وكمشروع مجتمعي، وبالتالي كحل وحيد وحتمي لهذه الأزمة، راهنت البعض من تياراتها على حلول عملية وعلمية لها، والبعض الآخر اكتفى بالخيال مراهنا على الحلول الطوباوية الحالمة.. حيث كان أن اختارت الماركسية التصور العلمي، الذي أجاب بدقة عن السر وراء عملية تراكم الأرباح، واغتناء الطبقة البرجوازية في مقابل وعلى حساب تفقير العمال، عبر استغلالهم أشد استغلال.. حيث كان جواب الماركسية علميا وشافيا همّ الفلسفة والاقتصاد والسياسة، مما ساعده على اكتشاف فائض القيمة لأول مرة في تاريخ علم الاقتصاد. وبهذا الاكتشاف المهم، تعززت قوة الماركسية داخل الحركة الاشتراكية المطالبة بالتغيير، وبإنصاف الطبقة العاملة، لتبرز على السطح إشكالية أخرى ارتبطت بسؤال على من سيكون الرهان من الطبقات الاجتماعية المعادية للرأسمالية، لصنع التغيير الاجتماعي المنشود؟
حينها انفردت الماركسية بأطروحتها الشهيرة المتضمنة في إعلان مبادئها "البيان الشيوعي" الذي كان وما زال بمثابة نقد علمي لكافة الاتجاهات الاشتراكية الأخرى السابقة، وانحيازا واضحا لمصلحة الطبقة العاملة، باعتبارها الطبقة الوحيدة المؤهلة لخوض الصراع ضد البرجوازية، وقيادته نحو الثورة الاشتراكية.. الملزمة من أجل نجاحها بإشراك الطبقة البرجوازية الصغيرة بجميع فئاتها وأشباه البروليتاريا والعاطلين عن العمل.. في معمعان هذا النضال والكفاح.
فالإشكالية الحقيقة التي لازمت اليسار الراديكالي المغربي، يجترّها ويجرّها معه منذ تشكـّله وبروز منظماته وما تفرّع عنها، هو العجز الدائم لهذا اليسار نفسه، عن تحقيق الارتباط والإنغراس داخل هذه الطبقة المؤهلة موضوعيا لخوض الثورة ضد الرأسمالية، ولاحتلال موقع القيادة والطليعة في صفوف جميع الفئات المتضررة من وجود الرأسمالية، خلال جميع مراحل الصراع والنضال من أجل التغيير والثورة الاشتراكية.. حيث لا مجال لتعويض الطبقة العاملة بطبقة أخرى، أو بفئة اجتماعية أخرى، مهما بلغ نشاطها النضالي والاجتماعي داخل حلبة الصراع.. ولا مجال كذلك للنفخ في أدوار هذه البدائل السهلة، بالمقارنة مع الطبقة العاملة المحتاجة دوما للاختراق ونشر الوعي والتنظيم، والتحفيز على بناء حزبها المستقل ونقاباتها الجماهيرية وجمعياتها المتنوعة.. إذ أن الفئة التي نحن بصدد نقاش أوضاعها، وبالتالي أدوارها في الصراع الاجتماعي والطبقي ـ الطلبة ـ ليست فئة اجتماعية تعاني من الكدح أو تتعرض للاستغلال.. ولا تبيع قوة العمل خلال مسارها الدراسي، ولا تساهم في إنتاج السلع أو الخدمات، ولا في مراكمة الأرباح، ولا علاقة لها بتاتا بفائض القيمة المستخلص من عرق العمال الكادحين والمنتجين! فعلى أية أسس يتم الرهان على هذه الفئة بأن تلعب أدوارا طلائعية في مسار النضال من أجل التغيير؟
فأمام هذا الوضع المخيف الذي يعيشه اليسار الراديكالي من جراء تراجعه، وتقلص قاعدته، وضعف تأثيره داخل الطبقة العاملة، المعنية فعلا بقيادة التغيير، نجد تنامي نشاط هذه الأطروحات الطلابية الثورية، التي تبخس من دور الطبقة العاملة الريّادي لمصلحة الطلاب ولمصلحة حركتهم، التي لا تتعدى كونها حركة ديمقراطية تنظم نضالات هاته الفئة الاجتماعية وتسهر على تأطيرها، آخذة بعين الاعتبار طبيعتها الانتقالية وشهيتها المفتوحة للتسلق الاجتماعي ـ والأمثلة صامدة وكثيرة في هذا المجال ـ الشيء الذي يلزم جميع مكونات الحركة الديمقراطية، الإصلاحية والثورية، إبداء الاهتمام اللازم بهاته الفئة من أجل احتضانها، ومتابعة أوضاعها ومطالبها، وكذا تنظيمها ضمن إطار جماهيري تقدمي ومكافح، يتكفل بالتعبير عن مطالبها هذه، وعن التزامها المبدئي والميداني إلى جانب الجماهير الشعبية خلال جميع معاركها ونضالاتها النقابية والسياسية والثقافية..الخ
وأن أي نقاش يتم باسم الماركسية والماركسيين الشيوعيين خارج هذا التصور، وخارج هذه الحدود، فهو نقاش مغلوط لا يسعى سوى لتبرير العجز، وفتح الأبواب من جديد للهروب من المسؤولية النضالية.. إذ لا معنى أصلا لوجود ماركسيين بالمعنى الحرفي والحقيقي للكلمة، وهم خارج الطبقة العاملة جسديا وفكريا، ولا معنى كذلك لحلول ومخارج تنظيمية بهذا الشكل السخيف.. فالأزمة التنظيمية التي يعاني منها اليسار الديمقراطي لن تحلها مثل هذه البهلوانيات المضحكة، التي حاولت بكل ما لها من جهد وقوة خلال مرحلة البروز والانتشار، أواخر الستينات وبداية السبعينات، أن تداري عجزها، عبر التكثيف من ميدانيتها، وعبر المزايدة والتأكيد على راديكاليتها بشعارات ليست من صميم تصورها، مهملة في ذلك الحقائق التي أطـّرت الرسالة التاريخية للطبقة العاملة، مروّجة لأطروحة التشكيك والتضبيب "الحركة الطلابية طليعة تكتيكية وقنطرة للعبور نحو الطبقة العاملة" وهي أطروحة غير صالحة بتاتا للتداول في صفوف الشيوعيين، الذين سيفقدون البوصلة والاتجاه إن هم اعتمدوا هذه التكتيكات البهلوانية.. لأن المناضلين الشيوعيين آمنوا أشد الإيمان منذ تشكل عصبتهم الأولى، بضرورة الاتصال المباشر بالطبقة العاملة، كطبقة معنية بالتغيير والثورة، قصد الرفع من وعيها بقضيتها، وبإستراتيجيتها الاشتراكية في النضال.. حيث كان من اللازم العمل إلى جانبها بصبر ومثابرة لبناء حزبها المستقل، حجر على حجر، كشرط لا بد منه لإنجاز تحررها، وتحرر جميع الفقراء والكادحين والمهمشين..الخ
حينها يصبح الحزب ملزما عبر منظماته ولجنه الشبابية والطلابية على ربط الصلات وتقويتها مع الطبقة العاملة للنهوض بتحررها، دون أن يتراخى مناضلو الحزب داخل الحركة الطلابية على المزاوجة بين مهمتهم العمالية وبين مهمتهم الديمقراطية، تأطيرا لنضال الحركة الطلابية وتعبئتها حول ملفاتها ومطالبها الديمقراطية والاجتماعية الخاصة، وكذا المشاركة في جميع النضالات الخاصة بالحركة الديمقراطية عامة، دفاعا عن الحريات ومناهضة للاستبداد والبطالة وغلاء المعيشة..الخ دون أدنى إهمال لمهمة نشر الفكر الاشتراكي على أوسع نطاق، واستقطاب العناصر الطلابية النشيطة، للدفاع عنه وعن أسسه المادية والديالكتيكية. حيث كان يترتب دائما على الحركة الماركسية "بوصفها مناضلا طليعيا من أجل الديمقراطية أن تقود مختلف الفئات المعارضة النشيطة وأن توضح لها المغزى السياسي العام لاصطداماتها الخاصة والمهنية بالحكومة، وأن تجتذبها إلى دعم الحزب الثوري، يعني عليها أن تربي في بيئتها زعماء يستطيعون أن يمارسوا تأثيرا سياسيا في جميع الفئات المعارضة على اختلافها"
فواجبنا النضالي تجاه جميع الفئات الاجتماعية المعارضة ومجموع الحركة الديمقراطية ثابت وواضح لا يدعو للنقاش، بل يلزمنا بالمشاركة والتأطير والتنظيم والاحتضان، لعموم هذه الحركة الديمقراطية، التي لا تحظى أي من فئاتها بأي تميز يذكر.. سواء من حيث الاهتمام، أو التركيز، أو الرفع من موقعها في الصراع.. كان ذلك تكتيكيا مرحليا أو إستراتيجيا.
فالاعتراف بخاصية الحركة الطلابية ليس سبقا أو اكتشافا، بل هو اعتراف بحقيقة التنوع والاختلاف والتناقض الذي يعرفه المجتمع المغربي كغيره من المجتمعات.. وهو الشيء الذي لا تقر به الفصائل المهيمنة، على الفعل الطلابي داخل الساحة الجامعية، بالرغم من محدودية تمثيليتها وسط القواعد الطلابية، بجميع حساسياتها، المناضلة منها أو الغير مبالية بالمرة.!
وإذا كان هذا الاعتراف يقرّ أيضا بحقيقة أن الحركة الطلابية أقرب إلى جبهة سياسية، وأكثر من حركة اجتماعية مطلبية ديمقراطية، بالرغم من ضبابية وفضفاضة هذا التعريف.. فيجب أن تتبعه على الأقل، الخلاصات العملية اللازمة والمرافقة له، والتي تستوجب الاعتراف باتحاد الطلبة وصيانة وجوده، والإقدام على خطوات تنظيمية تعلن عن وجوده، تعزيزا لهاته الجبهة السياسية نفسها، لكي تتحمل فعلا مسؤوليتها في تمثيلية جماهير الطلاب، والدفاع عن مطالبهم وعن نضالاتهم اليومية، عوض التقاعس والهروب إلى الأمام عبر قفزات في الهواء وليس إلا.! فالحركة الطلابية التقدمية مطالبة الآن بتعزيز وجودها النضالي، وعبر صيانة وحدتها النضالية، التي لا بد لها من فرز أشكالها التنظيمية المعبرة فعلا عن هذه الوحدة، اعتمادا على تراثها الأوطمي المكافح، ذو الباع الطويل في الإبداعات التنظيمية الديمقراطية، من مجالس ولجان الحوار، ولجان الإضراب، ولجان الأقسام، ومجالس القاطنين بالحي الجامعي..الخ فحين تغيب هذه الرؤية التنظيمية، وهذا العمق الوحدوي الذي يستهدف الإشراك لا الإقصاء.. سيتسع حينها المجال لطرح الأفكار والتصورات السياسية للنقاش، والصراع الديمقراطي، دون إقصاء لأي من الاتجاهات، والتي يفترض أن تبقى تمثيليتها حاضرة، كمكون من مكونات الحركة الديمقراطية التقدمية.
فكل النضالات الطلابية يحكمها بالأساس واقع الطلبة المزري، وسعيهم الدائم للتخلص منه، عبر المطالبة بتحسن أوضاعهم الدراسية، وعبر المطالبة بالمزيد من المكتسبات المرتبطة بواقعهم التعليمي والمعاشي لحظة تكوينهم.. وهو الوضع المتأثر بالحالة المعيشية للغالبية الساحقة من الطلاب، حيث تصطدم الجماهير الطلابية يوميا وسنويا بواقع الاكتظاظ، الذي لا يسمح بالتحصيل الدراسي العادي، وشح المنحة الدراسية، وغياب المرافق الأساسية للتدريس والإقامة والإطعام والتمريض والترفيه..الخ إضافة لانسداد الآفاق وغياب أية فرصة للعمل بعد التخرج.! وهو وضع يـُشعر عموم الطلبة بالحيف والحرمان، يزيده أزمة انعدام الحريات والدوس المستمر لحرمة الجامعة،وقمع النشطاء والمناضلين الطلاب، بالضرب والاعتقال والمحاكمة والسجن.. مما يُعتبر مساسا سافرا ومفضوحا للحريات الديمقراطية، من حرية للتنظيم وحرية للتعبير وحرية للتظاهر وحرية في الانتماء..الخ فإذا لم تلامس الحركة الطلابية التقدمية هذه المهام، وهذه المطالب في المقام الأول، سيكون من الصعب عليها توفير قاعدة طلابية تنضبط لقيادتها ولتوجيهاتها، وسيكون من الصعب كذلك على أبناء الفقراء، العمال وجماهير الكادحين، وضع ثقتهم في هؤلاء الشيوعيين المفترضين، ثم الإقرار بأهليتهم للتعبير عن مطامح هؤلاء الطلبة الفقراء في جامعة وتعليم يضمن مستقبلهم، ويصون حريتهم.
عدا هذا التحديد، وخارج هذه المهام، سنكون انزلقنا فعلا، إلى الهاوية، إن لم نقل لمزبلة التاريخ التي تأوي جميع النفايات الفكرية والإيديولوجية.. وسنكون للمرة الألف، أكـّدنا عجزنا أمام المهام الثورية التي لا تقبل التأجيل، وعلى رأسها ظفر الطبقة العاملة المغربية بحزبها السياسي المستقل، عوض الخوض في هذه المهاترات البرجوازية الصغيرة التي علاها الصدئ.
فحين تعجز التيارات اليسارية الثورية عن الارتباط بالطبقة العاملة، وعن تنظيمها في حزبها السياسي المستقل، وبالتالي صياغة مواقفها وبرنامجها، سنكون بهكذا مهاترات لا نعمل سوى على تمجيد وتبرير عزلتنا، وتقوقعنا داخل مجموعات وحلقيات كسيحة، لا تخيف أحدا من الأعداء الطبقيين، سوى المنافسين داخل هذه الحلقيات نفسها وداخل المشابهين لها! حيث أصبح المغرب مثلا، يضم أزيد من دزينة من الحساسيات/التيارات، التي تنسب نفسها للحركة الماركسية اللينينية، إضافة لثلاثة مجموعات تروتسكية، تدعي جميعها امتلاك الوصفة السديدة لإنجاز التغيير الاشتراكي المنشود! وجلّ هذه المجموعات لا يتوانى عن توظيف جهده النضالي كاملا داخل هذه الفئات الاجتماعية الخارجة عن الاهتمام الأساسي للماركسيين، أساسا الطلبة وخرجي الجامعات المعطلين عن العمل.! عوض التركيز القوي والحاسم على الطبقة العاملة، وإذكاء الهمة الثورية في صفوفها من أجل بناء حزبها، ذاك الشرط الذي لا بد منه لنجاح الثورية الاجتماعية المنشودة، ذات المضمون الاشتراكي بدون شك.. الشيء الذي يجعلنا سنستحق فعلا هذا الاسم، وهذه الصفة العمالية والاشتراكية.. وفي المقابل، لا يعني هذا بالمرة، إهمال هذه الفئات البرجوازية الصغرى، ولا تبخيس مطالبها ونضالاتها، بل يجب مساندتها ودعمها.. دون زرع الأوهام حول موقعها في الصراع، كبديل للطبقة العاملة أو كطليعة تكتيكية أو قنطرة للعبور..الخ
فأي عمل ثوري لا يستند على هذه الإستراتيجية الثورية الاشتراكية، بما تستوجبه من مهام، سيسقط لا محالة في إعادة إنتاج نفس النظام الرأسمالي المعتمد على الربح، والاستغلال، والعمالة للإمبريالية ولصناديقها المالية وشركاتها العابرة للقارات.. فالثورة الوطنية الصادقة هي ثورة اشتراكية بالأساس، ودون لف أو دوران، والطبقة المعنية بهذه الثورة هي الطبقة العاملة القائدة، ثم الطبقة البرجوازية الصغيرة بجميع فئاتها، في المدن والأرياف.. باستثناء شريحتها العليا المندمجة في الرأسمال والمستفيدة من خدماته وريعه..الخ
..فمهمة الاشتراكيين الثوريين الحقيقية، إن لم تكن مهمة الحزب نفسه "لا تقوم على اختلاق المشاريع لإعادة بناء المجتمع، ولا في وعظ الرأسماليين وأذنابهم بتحسين أوضاع العمال، ولا في حبك المؤامرات، بل في تنظيم نضال البروليتاريا الطبقي وقيادة هذا النضال الذي هدفه النهائي هو ظفر البروليتاريا بالسلطة السياسية وتنظيم المجتمع الاشتراكي " هذا ما طالب به البلاشفة اللينينيون وزعيمهم التاريخي.. لأن الفلسفة الماركسية وتعاليمها كانت واضحة في أفكارها وتوجيهاتها وأهدافها، ولم تضل طريقها بتاتا من خلال البحث عن طليعة بديلة عن الطبقة العاملة فهي التي تستطيع ويتوجب عليها أن تتولى مهمة تحرير المجتمع والشعب قاطبة، وتحويل النظام الاجتماعي برمته، لماذا؟ لأنها الطبقة التي يتجسد في شروط حياتها كل شر المجتمع البرجوازي المعاصر"
فمن الغرابة إذن أن يستمر هذا الرهان على هذه الفئة الاجتماعية، التي لا يجادل عاقل في وضعها الانتقالي اللحظي، إذ لا وجود طبعا لطلبة مدى الحياة.. ومن الغرابة كذلك استعمال الماركسية ومنهجها التحليلي لتبرير هذه الانزلاقات.. فالماركسية كانت ولا زالت مستهدفة بالتشويه والتزوير والمراجعة، حيث كان من أشد المتحمسين لهذه المهمة، هم المنتسبون نفسهم لهذه الأطروحة الثورية والعمالية بامتياز، الذين لا يترددون في رفع شعاراتها المؤيدة "ماركسية لينينية هي اختيار وهوية".. مستندين في ذلك على فئات شبابية مجهول مصيرها ومستقبلها داخل النسق الاجتماعي الحالي، لها طموحاتها المتنوعة والمتعددة، يخرج من أحشائها المعطلون والعمال والموظفون الصغار والكبار والسامون، والقضاة والمحامون، وأطر الداخلية..الخ يعني جميع فئات المجتمع بكل تناقضاته.
فالتحليل الماركسي هو علم ومنهجية، الجوهري فيه كمذهب هو تبيان دور البروليتاريا التاريخي العالمي، بوصفها بانية المجتمع الاشتراكي.. هاته الحقيقية التي أصبح يقفز عليها الكثير ممن ينسبون نفسهم للماركسية وللفكر الاشتراكي.. الذي لم يكن بتاتا تبريرا لوصفة ما، أو هروبا من النقاش والدفاع عن هذه المراجعة وهذا الانحراف، عبر الفدلكات الديماغوجية الفارغة "كالانتقال من العام إلى الخاص ومن المجرد إلى الملموس" وترديد الحقائق ونواقضها.. حيث يتم الاعتراف بكون الطلبة ـ ومن باب التصحيح، ليس الحركة الطلابية ـ ليست سوى شريحة اجتماعية غير مستغلة وغير المستغلة، لأنها ببساطة خارج عملية الإنتاج، ولا تحتل أي موقع وسطي بين البرجوازية الصغرى والبروليتاريا، بل هي من الفئات البرجوازية الصغيرة.. وللتصحيح مرة أخرى فالطبقة المتوسطة هي نفسها البرجوازية الصغيرة، حسب القاموس الماركسي الذي لا يعترف سوى بهاته الطبقات الثلاثة كطبقات رئيسية داخل النظام الرأسمالي، هي البرجوازية والبروليتاريا والبرجوازية الصغيرة.
وخارج هذا الوضوح لن يستقيم التحليل ـ وهو هراء وليس إلا ـ حين يسترسل "أبو شاما" في تحليله الذي يعتبر أن الحركة الطلابية تستند من حيث "طبيعتها الطبقية" إلى شريحة في طور "التشكل/التكوين الطبقي".. تنتمي إلى الشريحة الدنيا من البرجوازية الصغيرة.. وهي مكون أساسي ـ لاحظوا معي ـ للطبقات الكادحة والمستغلة والمتضررة من العلاقات الإنتاجية ونظام الرأسمالية التبعية..الخ! وهو "تنظير وإبداع" ما بعده إبداع.. بحيث لم يفصح لنا الرفيق المنظر عن علاقة الطلبة بالكدح والاستغلال.. وعن علاقة البرجوازية الصغرى وفئاتها بنمط الإنتاج الرأسمالي وبالتبعية.. إذا لم تكن هذه الطبقة نفسها سابقة في وجودها عن الرأسمالية كاقتصاد وكنمط إنتاج.
ثم هل يمكن اعتبار هذه الفئة بالحليف الموضوعي للطبقة العاملة ولفقراء الفلاحين، أم أن هناك خلط بين مهام هذه الفئة ومهام المناضلين الاشتراكيين في صفوف الطلبة؟ حيث تبقى مساهمتهم ثابتة لها أدوارها الواضحة في الصراع والنضال من أجل الثورة الاشتراكية، هاته الأدوار التي يمكن أن تتقدم أو تتقلص، ارتباطا بأوضاع الحزب الثوري، حزب الطبقة العاملة الماركسي، ودوره في الصراع وقيادة هذا الصراع من موقعه الطليعي الذي لا جدال فيه.. وهو عكس الدور الذي يمكن أن تحتله هذه الفئة الاجتماعية الطلابية المتذبذبة والمحكومة بتطلعاتها الغير محدودة، وبمصيرها بعد التخرج الجامعي، دون أن ننكر التأثيرات القوية لعموم المدارس الفكرية والسياسية في صفوف نشطاء الحركة الطلابية بجميع اتجاهاتهم التقدمية والرجعية والطلابية والظلامية حتى..
فمهام الماركسيين الملحة، كانت وما زالت هي بناء حزب الطبقة العاملة المستقل، حيث يلزم عموم المناضلين المؤمنين بقضية التغيير الاشتراكي، وبدور الطبقة العاملة الحاسم، والقائد لعموم الكادحين خلال هذه العملية، استقطاب مناضلي الحركة الطلابية التقدميين للمساهمة الفعالة في هذه النصرة، ولتقوية صفوف الحركة الاشتراكية في وسط الطلاب، وعلى الخصوص ذوي الأصول العمالية والشعبية، الذين يلزمهم الإخلاص الثابت، والدائم، لجذورهم الطبقية وإن كان ذلك لا يتحقق إلا بشكل عرضي ونسبي.. إذ بدون هذه الإستراتيجية في العمل لن يكون هناك من معنى ومن مبرر لوجود شيوعيين وماركسيين لينينيين طلبة.
أكتوبر 2017
مصطفى بنصالح

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول