محاولة لتحديد مفهوم (نزعة الإستعانة بالخارج)

محمد سيد رصاص
2017 / 5 / 18


في التاريخ الأوروبي الحديث هناك أسرتان ملكيتان عادتا للعرش بعد ثورتين داميتين:آل ستيوارت في انكلترا(1660-1688)وآل بوربون في فرنسة(1815-1830).تولى تشارلز الثاني عام1660 العرش بعد أحد عشر عاماً من قطع الثورة لرأس والده الملك تشارلز الأول. بين هذين التاريخين عاش هو في القصر الملكي الفرنسي حيث كانت أخته هنرييت متزوجة من دوق أورليان شقيق الملك لويس الرابع عشر.كان معجباً بالثقافة ونمط الحياة الفرنسيان ورغم كون ملك انكلترا هو رأس الكنيسة الأنجليكانية منذ انشقاقها عن كنيسة روما عام1534فإن تشارلز الثاني كان معتنقاً سرياً للكاثوليكية وكان يقبض راتباً شهرياً خاصاً بعد عودته للعرش من لويس الرابع عشر وفي القصر الملكي بلندن كان يتكلم بالفرنسية أكثر من الإنكليزية.تحالف مع فرنسة ،حاملة لواء الكثلكة،في حربها على الجمهورية الهولندية .عندما تولى أخوه جيمس الثاني عام1685العرش فإن تبعيته لباريس كانت أكثر من سلفه الراحل،وقد أدت محاولاته لكثلكة انكلترا من جديد،وهو الكاثوليكي الصريح،إلى ثورة 1688-1689التي اختلطت فيها مشاعر الإنكليز القومية مع العداء للكاثوليكية ومع العداء للنجم الصاعد في السماء الأوروبية أي الملك لويس الرابع عشر في قصر فرساي بباريس.اختلطت الأمور الثلاثة مع السعي إلى سلطة البرلمان وجعل الملك"يملكولايحكم"فيماكان جيمس الثاني متحالفاً مع لويس الرابع عشر صاحب كلمة :"أنا الدولة".ظل الملك الفرنسي يسعى إلى عودة جيمس الثاني حتى عقد معاهدة1697عندما اعترف بوليام الثالث ملكاً على انكلترا مع اقرار بالتخلي عن دعم الملك الانكليزي السابق.مع هزيمة نابليون بونابرت عاد آل بوربون إلى الحكم في باريس عام1815على رؤوس حراب الأجنبي:البريطاني- الروسي- النمساوي- البروسي بعد ربع قرن من الثورة الفرنسية التي اقتلعت رياحها عرشهم.كانت تبعيتهم للأجنبي والطريقة التي عادوا بها إلى قصر فرساي،إضافةلماقيلعنهم:"لم ينسوا شيئاً،لم يغفروا شيئاً،لم يتعلموا شيئاً"،قد أدت ،كعوامل مجتمعة،للإطاحة بهم ثانية في ثورة تموز1830.
تعطي التجربة الأوروبية محددات للعملية السياسية الداخلية:أطراف اللعبة محليون حصراً،وممنوع الاستعانة بالخارج من أجل حسم أوتمييل ميزان القوى الداخلي في أثناء النزاعات أوالصراعاتالمحلية،سواء من السلطة القائمة أومن قوى المعارضة.الداخل والخارج ،هنا،يتحددان من خلال الحدود الجغرافية للدولة المحلية القائمة وقت النزاع أوالصراع.في تلك المحددات يمكن للسلطة القائمة طلب معونة دولة أجنبية في حالة تعرض البلاد لغزو خارجي(اليونان عام1940عندما طلبت المعونة البريطانية ضد غزو موسوليني)وليس في حال نزاع داخلي تكون هي أحد طرفيه. تعتبر من المحرمات ،التي تصل للخيانة العظمى،عملية التعامل مع الأجنبي الغازي والمحتل(تجربة جمهورية فيشي برئاسة الماريشال بيتان في فرنسة المحتلة من الألمان بين عامي1940-1944) ،وهو مايلامس حدود الفعل الجنائي الجرمي ولايمت بصلة للفعل السياسي في حدوده المعروفة والمتفق عليها.
في التجربة السياسية العربية الحديثة هناك حالات كثيرة من (نزعة الإستعانة بالخارج): حاكم استعان بالخارج ضد أطراف من السلطة تحالفت مع قوى اجتماعية ضده(الخديوي توفيق عام1882لمااستجلب القوات البريطانية ضد وزير الحربية أحمد عرابي والقوى الاجتماعية المصرية الواقفة وراءه وهو ماكان بداية الاحتلال البريطاني لمصر- الهاشميون في بغداد عام1941الذين استعانوا بلندن من أجل الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني وعادوا للقصر الملكي على ظهر الدبابات البريطانية- جعفر النميري وأفراد سلطته الذين استعانوا بالسادات والقذافي ضد انقلاب 19تموز 1971بقيادة الرائد هاشم العطا المدعوم من الحزب الشيوعي السوداني حتى عودته للسلطة بعد ثلاثة أيام).أحزاب أوقوى سياسية أوتنظيمات ذات طابع إثني حملت السلاح ضد السلطة المركزية مطالبة بتحقيق الانفصال أوالحكم الذاتيأوالفيدرالية واتجهت من أجل تحقيق أهدافها للإستعانة بالخارج الدولي أوالاقليمي أوكليهما معاً(حركة التمرد الجنوبية بالسودان بين عامي1955و1972ثم حركة جون غارانغ بدءاً من عام1983- تمرد الملا مصطفى البرزاني بين عامي 1961و1970ثم بين عامي1974و1975في الشمال الكردي العراقي وبعده مسعود البرزاني وجلال طالباني في الثمانينيات والتسعينيات- حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري بين عامي2014و2017). انقلابات عسكرية أومحاولات انقلابية فاشلة استعانت بالخارج(انقلاب الانفصال السوري يوم 28أيلول1961المدعوم من بريطانية - انقلاب حزب البعث في بغداد يوم8شباط1963المدعوم من واشنطن والقاهرة معاً ضد سلطة عبدالكريم قاسم المتحالف مع الحزب الشيوعي- خطة الانقلاب العسكري ضد حكم حزب البعث ببغداد التي كشفت قبل وقوعها بالشهر الأول من عام1970وكانت مدعومة من شاه ايران).أحد أطراف نزاع داخلي يستعين بالعدو الخارجي لدولته من أجل منع تمييل الموازين لصالح خصمه ومن أجل كسر التوازن وتمييله لجانبه (بشير الجميل بين عامي1978و1982). معارضة سياسية تتعاون مع الأجنبي الغازي والمحتل (عراق2002-2003).معارضة سياسية تتجه نحو المراهنة على الرياح الخارجية ضد السلطة القائمة من أجل تحقيق التغيير الداخلي ("اعلان دمشق"في عام2005) .معارضة سياسية أثناء نزاع وأزمة داخليان تنحوا إلى الاستعانة بالخارج من أجل الإطاحة بالسلطة القائمة("المجلس الوطني السوري"بعامي2011و2012و"الائتلاف الوطني السوري"منذ2012).فصائل عسكرية معارضة تحمل السلاح في أثناء نزاع وأزمة داخليان تتجه إلى الاستعانة بالخارج من أجل مساعدتها بالإطاحة أوهزيمةأوتمييل موازين القوى ضد السلطة القائمة(سوريا2012-2017).اعطاء قوات أجنبية مطارات عسكرية من قبل مليشيا محلية في مناطق تسيطر عليها الأخيرة من أجل المساعدة في انشاء توازنات عسكرية- سياسية لصالحها في المشهد المحلي العام الراهن والمستقبلي(قوات سوريا الديمقراطية بعامي2016و2017).
إذا أردنا التكثيف:في التاريخ الغربي الحديث مثَلت (نزعة الإستعانة بالخارج)شذوذاً ،بينما كانت في التاريخ العربي الحديث قوية وذات منحى رئيسي في سياق الحركة العامة.انتشرت بقوة في مجتمعات عانت من حالة (اللااندماج الاجتماعي)مثل السودان ولبنان والعراق،أومن (انفجار داخلي)مثل سورية2011-2012.وجدت هذه النزعة بقوة عند أحزاب أقليات دينية وطائفية وإثنية كانت قوية التمثيل لوسطها الاجتماعي الأقلويالخاص.انتشرت هذه النزعة بقوة عند تنظيمات (الاسلام السياسي ) بفرعيه الأصولي الإخواني والسلفي الجهادي.وجدت هذه النزعة بقوة طاغية عند ماركسيين تحولوا إلى الليبرالية في مرحلة مابعد تفكك الاتحاد السوفياتي أواخر عام1991.ترافقت هذه النزعة عند أغلب معتنقيها العرب مع نبذ(العروبة)والاتجاه نحو النظر إلى المجتمع "بوصفه مكوناً من مكونات دينية وطائفية وإثنية"وليس بوصفه مكوناً من "مواطنين متساوون بمعزل عن دينهم وطائفتهم وإثنيتهم".عند جميع هؤلاء كانت (النزعة الثأرية)قوية الحدة وكان هناك عدم أخذ بنصيحة لينين:"الحقد مرشد سيء في السياسة".