قنوات العمل للاجئي المخيم: من تعدد التمثيل إلى تمثلات السلطة: تجربة ق و م والعمل الفصائلي

بلال عوض سلامة
2016 / 7 / 29

اللاجئين الفلسطينيين
ثانياً : قنوات العمل للاجئي المخيم: من تعدد التمثيل إلى تمثلات السلطة: تجربة ق و م والعمل الفصائلي

لم يعد خفياً على المتابع للسياق الفلسطيني (داخلياً أو خارجياً) أن المجتمع الفلسطيني قد أدرك سريعاً أن العودة لم تكن بالمنظور القريب، بعدما انتظموا في المخيمات بشكل طوعي في بداية الخمسينيات، أو حتى بتشجيع و نقل اللاجئين الفلسطينيين من قبل وكالة الغوث الدولية لتشغيل وإغاثة اللاجئين الفلسطينيين للمخيمات، تحت ادعاء عدم تقديمهم للخدمات لمن هم خارج المخيمات؛ التي اعتمدتها وكالة الغوث في جميع أماكن تجمعهم، خصوصاً لاجئو المخيمات في الداخل( )، وقد كان لوكالة الغوث ولممثلها في تلك الفترة (مدير المخيم) دور كبير في اتخاذ القرارات وتحديد الاحتياجات للمخيم الصحية والتعليمية والإغاثية، مع وجود مساحات للاعيان والعائلات والشخصيات الاعتبارية في صنع القرار، إلى جانب الحكومة الأردنية في الضفة الغربية( )، والحكومة المصرية في قطاع غزة.

في مرحلة الستينيات، نشطت مجموعات من الشيوعيين والقوميين المتواجدون في المخيمات وبالتعاون مع المدن في تنظيم المظاهرات والاحتجاجات بمناسبات وطنية وعربية، إلا انها لم ترتقي لشكل التنظيم الذاتي المُؤطر في جسم سياسي يمثل جماعة سياسية للفلسطينيين أو للاجئي المخيمات، نظراً لحالة الرقابة الأمنية وحظرها، وزُج بالكثيرين من القوميين والشيوعيين في السجون الاردنية لنشاطاتهم السياسية والتي كانت تتميز بالسرية والعسكرية، وبعد احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية لمناطق ما تدعى بـ "1967" ومعركة الكرامة في 1968 بمشاركة من الفلسطينيين( ) والتي شاركوا فيها ببسالة، حينها بدأت منظمة التحرير بتنفيذ حملة من العمليات العسكرية التي طغت على المشهد، الأمر الذي سرع عملية استهداف كل الخلايا والعناصر الناشطة والمؤازرة للفصائل الفلسطينية من قبل الاحتلال الاسرائيلي.

على إثره بدأت تتشكل الخلايا الفصائلية في قطاع غزة والتي أخذت طابعاً عسكرياً في بداية السبعينيات؛ الذي انحدر معظم عناصرها وكوادرها من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، إلى جانب تشكلها بطابعها الشعبوي والمؤسساتي في الضفة الغربية، وبعض الخلايا العسكرية، وأخذت المؤسسات التي كانت محسوبة على القوميين العرب والشيوعيين بتأسيس لجان مرأة وعمال واتحاد الطلبة الثانويين، في محاولة منهم لخلق حالة من الامتداد الجماهيري لحركة التحرر الوطني، وبالرغم من ذلك إلا ان تلك المحاولات قد باءت بالفشل نتيجة الحملات العسكرية للاحتلال من: المطاردة والاعتقال والنفي التي طالت النشيطين سياسياً وعسكرياً.

في مرحلة السبعينيات والثمانينيات، بدأ الاحتلال بتدعيم البنى القروية واسنادها بالدعم اللوجستي ضد بنى المدينة لخلق بديل عن القوى التقدمية والوطنية التي بدأت بالتبلور، كان أشهرها "روابط القرى"، وتنصيب "المخاتير" في القرى والمخيمات من قبل الإدارة المدنية والحاكم العسكري للاحتلال، الذين عملوا على التوسط بين الاحتلال وبين احتياجات المواطنين، وعملت منظمة التحرير، أو بالأحرى حركة فتح على دعم قائمة انتخابات قريبة من توجهات منظمة التحرير السياسية في 1976 بعدما سمح الاحتلال بإجراء انتخابات في البلديات الفلسطينية، وعلى عكس توقعات الاحتلال فقد فازت تلك القوائم وتم التعرض لأعضائها بسلسلة من الاجراءات التعسفية؛ السجن أو بالنفي أو محاولة الاغتيال، علماً أن بعض فصائل منظمة التحرير ممثلاً بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد قاطعوا الانتخابات في تلك الفترة لأسباب أيدولوجية وسياسية( )، تلك المرحلة اتسمت بصراع خفي/واضح بين الاحتلال من جهة ومنظمة التحرير والحكومة الأردنية من جهة ثانية للهيمنة الاجتصاسية والثقافية على المشهد في الضفة الغربية على وجه الخصوص، فاعتمد الأردن من جهة/ وبوتيرة مختلفة الاحتلال على البنى التقليدية والعشائرية من أجل استمرارية/فرض سيطرتها على الضفة الغربية.

أما منظمة التحرير فانصب تركيز عملها على بناء مؤسسات تدعمها وتشكل نفوذها أو مؤسسات كانت قائمة كامتداد جماهيري لفصائلها، خصوصاً تلك المؤسسات في المخيمات؛ أبرزها كانت المراكز الرياضية، التي كانت تدعم من قبل وكالة الغوث، وتم استخدام تلك المراكز كإطار جامع في العمل السياسي والجماهيري والتعبوي والتنظيمي والثقافي من قبل فصائل منظمة التحرير إلى جانب الانشطة الرياضية والتي كانت عنوانها، أجريت بعض الانتخابات لتلك المراكز لاختيار ممثليها، ولكن لم يستمر الحال على هذا المنوال، حينما سارع الاحتلال إلى استهداف تلك المراكز واغلاقها في منتصف الثمانينيات. إلى جانب تلك المراكز الرياضية، نشطت الفصائل بفتح مؤسساتها الفنية والوطنية الجماهيرية، من لجان العمل التقدمي ولجان المرأة ولجان الشبيبة ومراكز كانت محسوبة على الشيوعيين، وشكلت تلك المؤسسات مراكز الأنشطة والاستقطاب والتعبئة الوطنية ضمن سلسلة الفعاليات التي تبنتها.

إن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية بعد عام 1967 طالت تفاصيل التجمعات السكانية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وضيق المكان وقسوة العيش في المخيمات قدمتهم كرأس حربة متقدم في عملية النضال، إلا أنه وكما اسلفنا، فقد هيمن الطابع العسكري على عمل المقاومة الشعبية وافتقادها للعنصر الجماهيري الذي وقف عائقاً دون انتشار قاعدتها الجماهيرية. ولا بد من التنويه هنا؛ أن النزوع والبحث عن توحيد الجهود في صيغ وطنية منظمة شاملة وجامعة فصائلية وجماهيرية ظهر في عدة مراحل من بينها؛ عام 1973 بتجربة الجبهة الوطنية، مروراً بتجربة التوجيه الوطني عام 1978، وانتهاءاً باللجان الشعبية التي تشكلت لفترة محددة في رام الله والقدس وبيت لحم في 1982( ) وهي مرحلة انتفاضة الحجارة في مخيمات محدودة - أشهرها كانت في مخيم الدهيشة الذي كان يختبر حراك وانتفاضة شعبية في عام 1982-، ولكن جميعها باءت بالفشل لأسباب مرتبطة بانعزالها عن الجماهير، وأخرى مرتبطة بإجراءات الاحتلال واستهدافها لتلك المؤسسات واللجان.

بعد خروج المقاومة من بيروت 1982 وانحسار عملها العسكري بدأت أزمة الاستراتيجية لمنظمة التحرير بالانحسار وبالتراجع خصوصاً بين أعوام 1983 إلى 1987 الذي انعكس بدوره على الجانب السياسي والجماهيري، بتلك الفترة شهدت نمو الحركات الإسلامية، أهمها حركة الاخوان المسلمين التي لم تتبنى التوجه العسكري، وإنما ركزت على الجوانب الروحانية والدينية وأسلمة المجتمع مستغلة هزيمة المشروع القومي والوطني وتراجعه، فتبنت اتجاهاً شعبياً وقاعدياً في خدماتها ومؤسساتها الخيرية والاغاثية( )، فتصاعد انتشارها وتنامى عدد العناصر المؤيدة لها في قطاع غزة بداية ومن ثم في الضفة الغربية لاحقاً، وشكلت جمعية الإخوان المسلمين في المدن والمخيمات العنوان الرئيسي لهم، وكان لعدم تبنيهم العمل العسكري بعد ايجابي من حيث عدم استهدافهم من قبل الاحتلال من حيث نجاحهم وانتشارهم في المجتمع وبدأ ظهورهم جلياً في الجامعات والنقابات المهنية والجمعيات، وصولاً إلى تنامي حجمهم في المخيمات، الذي أدى إلى بداية وجود توترات بين فصائل منظمة التحرير والاخوان المسلمين، وتصاعدت بعضها لحد المواجهة والاصطدام المباشر ومحاصرتهم من قبل بعض فصائل العمل الوطني، وإغلاق مؤسساتهم( ).

شكل عام 1987 في الثامن من كانون الأول مفصل جديد وآلية جديدة في خوض/إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي نتيجة لعوامل اقتصادية وسياسية ووطنية واجتماعية هيأت الظروف لانطلاق الانتفاضة الشعبية( )، ووسمت كذلك لكون السمة الأساسية لها كانت ذات طابع شعبي للنضال الفلسطيني في الداخل، وانضمام ومشاركة كافة شرائح المجتمع العمرية والطبقية (نساء ورجال وشيوخ واطفال وشباب، وعمال وفلاحين وفقراء) لما تستدعيه شروط انجاح الانتفاضة الشعبية والنضال المجتمعي، وأفضل توصيف للانتفاضة كان مصطلح سلطة الشعب( ) والذي عني به تلك السلطة التي "تتكون من مجموع البنى واللجان والمؤسسات والأطر التنظيمية والسياسية والجماهيرية والنقابية، الخاصة والعامة، الفصائلية الوطنية، التي تجسدت في صيغ ق.و.م-القيادة الوطنية الموحدة- واللجان الشعبية ولجان الأحياء واللجان الفرعية التخصصية والفرعية المنبثقة عنها والمحيطة بها، والمجالس-اللجان- الصحية والزراعية والنسوية والطلابية والعمالية، وأطر المحاميين والصيادلة والمهندسين والاكاديميين والمعلمين والكتاب والادباء والصحفيين والفنانين والمسرحيين".

الصيغة السابقة عبرت عن كفاح الجماهير في معركة التحرير من حيث العصيان المدني والمقاومة الشعبية بكافة أشكالها المتاحة، وهي تعبير عن نقل/ استعادة السلطة السياسية والقانونية والتشريعية والاقتصادية من سطوة الاحتلال إلى سلطة الشعب وسيادته في قراراته بعيداً عن تدخل المحتل، وإدارة احتياجات وشؤون المجتمع فلسطينياً، وفي حالة صدام وصراع مع كل تجسيدات وتمثلات الاحتلال ومؤسساته.

هذه الآلية والهدف يتطلب إطار تنظيمي يكثف الجهود ويعززها، وبالفعل بعد شهر واحد من انطلاق الانتفاضة الشعبية واستجابة لمتطلبات الانتفاضة وتنظيم عملها وشروط استمراريتها، تم تشكيل القيادة الوطنية الموحدة (ق. و. م) والتي اعتبرت الهيئة والمرجعية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل، والتي تكونت من (حركة فتح والجبهتين الشعبية والديموقراطية وحزب الشعب-الشيوعي سابقاً-)، - في حين لم تشترك حركتي حماس و الجهاد الاسلامي في القيادة الوطنية الموحدة رغم وجودها ودورها في الشارع الفلسطيني-. وتم تشكيل اللجان الشعبية بالتوافق بين الفصائل الوطنية في المدن والقرى والمخيمات( )، وتقسيم المهمات بين الفصائل المنضوية تحت الـ ق. و. م، مع وجود مساحة لكل فصيل للتعبير عن برامجه الاجتماعية والايدلوجية والسياسية بعيداً المرجعية وبما لا يتناقض مع المصلحة الوطنية العلاقة الجيدة بين الفصائل.

انصبت جهود القيادة الوطنية الموحدة وأذرعها التنفيذية الممثلة بـ اللجان الشعبية ولجان الأحياء –إن جاز لنا استخدام المفهوم- في توفير الشروط التي تضمن استمرار المقاومة، وتنفيذ الرؤية السياسية التي تعبر عن توجهات القيادة الموحدة للانتفاضة، وتعبر عن البرنامج السياسي للانتفاضة ممثلاً بالتعليمات والأنشطة المراد تنفيذها عبر البيانات( )، ومن الأنشطة التي تم تبينها؛ تعزيز العمل التعاوني، ومقاطعة المنتجات "الإسرائيلية"، دعم المشاريع الصغيرة التصنيعية والانتاجية والزراعية لدعم اقتصاد الصمود، الاضرابات الشاملة للمحلات التجارية والصناعية، توقف عمل الفلسطينيين في منشآت/ورشات/أراضي تابعة للاحتلال، الاستقالة من المؤسسات المدنية التابعة لدولة الاحتلال، عدم دفع الضرائب والغرامات، عدم دفع فواتير الكهرباء والماء خصوصاً في المخيمات، مقاطعة قوانين الاحتلال...الخ.

يمثل ما سبق حالة قطيعة نضالية مع إرث وقانون الاحتلال ومؤسساته، حيث استطاعت اللجان الشعبية تسيير الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وخلق بنى وطنية كبديل عن تلك البنى المحكومة بالعادات والتقاليد الرجعية، شكلت المرجعية الثقافية والوطنية للمجتمع المنتفض، بالاتكاء على رموز وطنية وشخصيات اعتبارية للبت في القضايا الاجتماعية والعشائرية في المخيمات والمدن والقرى، واصبح العرف الوطني المرجعية، بدلا من قانون المحتل والبنية العشائرية.

لم يرق الأمر للاحتلال، بل شكل تهديد جديد لوجوده وهيمنته وسيطرته على المجتمع الفلسطيني، ولهذا أصدر الحاكم العسكري أمراً عسكريا ًبتاريخ 19/8/1988 باعتبار أن تلك اللجان الشعبية خارجة عن قوانين المحتل، والتهديد بفرض عقوبة مدتها 10 أعوام لأي عضو نشيط في اللجنة الشعبية، وأي فرد يضبط لديه بيانات أو أي شيء له علاقة باللجان الشعبية( ). ويمكن اجمال سياسات الاحتلال بمجموعة من الأرقام: اصابة 20 الف فلسطيني خلال العام الأول، وإغلاق 900 مدرسة فلسطينية وتسع جامعات كان يدرس فيها حوالي 300 الف طالب/ة( )، وتم احصاء 1600 منع التجوال، عاش جميع قطاع غزة منع للتجوال، و80% من الضفة الغربية اغلبها في المخيمات، وهدم أكثر من 1228 منزل، وابعاد 140 قيادي من قيادات الانتفاضة، واستشهاد 1162 شهيد، ونحو 90 الف جريح ومصاب( )، و 100 الف معتقل، منع السفر للمعالجة او الدراسة...الخ، من الاجراءات التي استهدفت تطويع المجتمع وصهر وعيه الثوري.

الأمر الذي صلب من اعضائها ومواقفهم النضالية والتصعيدية ضد مؤسسات الاحتلال، في مواجهة القبضة الحديدية التي سلطها الاحتلال ضد جميع شرائح المجتمع الفلسطيني، ونشأت لجان محلية داخل المخيمات عملت على إدارة الصراع من جهة، ومن جهة أخرى عملت على تنظيم الغضب الشعبي بطرق شعبية، وتوفير المؤونة والتعليم والأدوية وباقي الخدمات الضرورية للمخيمات والمناطق التي يطبق عليها حظر التجوال( )، وتعاني من تلك السياسات، ولولا تلك اللجان والخدمات التي قدمتها تلك اللجان المحلية والاقليمية لما كان بالمقدور استمرار فعاليات الانتفاضة.

بجانب اللجان المحلية في المخيمات لعبت اللجان الاقليمية دوراً مهماً في رفد فعاليات الانتفاضة، مثلة بـ؛ مثل لجان العمل الزراعي والإغاثة الطبية واللجان التجارية والنقابية والطلابية والعمالية ولجان فض النزاعات المحلية، ولجان لتنظيم العمل التجاري، ولجان تساعد الفلاحين والمزارعين لإنتاج الخضراوات والمنتجات الحيوانية جميعها كانت تهدف لتعزيز الصمود الفلسطيني بوجه سياسات البطش العنيفة وتكسير العظام التي انتهجها الاحتلال، خصوصاً في الانتفاضة الشعبية عام 1987.

ومن المهم الإشارة إلى الدور الفعال والمؤثر للمرأة الفلسطينية بأطرها التنظيمية أو بمؤسسات المرأة في المواقع المحلية والاقليمية، حيث شكل حضورها وبجانبها الرجال والشيوخ رافدا مهماً لإنجاح فعاليات الاحتجاج والانتفاض منذ الثمانينيات، ومنذ بداية الانتفاضة الشعبية انتزعت النساء حقوقهن بتأكيد حضورهن ومشاركتهم الاجتماعية والسياسية، في تغيير واضح وملموس عن الأدوار التقليدية التي كانت تناط بها، فأصبح حضورها في المؤسسات الاجتماعية والتظاهرات السياسية والاحتجاجية كما هو دور الرجل، في قطيعة مع العادات والتقاليد التي كانت تختزل وجودها في المنزل فقط( )، فشاركت المرأة في المخيمات بعدة انشطة، منها: تعليم محو الأمية، وتعليم الطلاب نتيجة اغلاق المدارس والجامعات، توزيع البيانات، توزيع المساعدات العينية، تخليص الشبان من أيادي الجنود، حضورها في المسيرات والمظاهرات والاحتجاجات، والأهم من كل ذلك استند اقتصاد الصمود والاقتصاد المنزلي بالأساس على المرأة الفلسطينية.

وبالنسبة لتقييم الحالة العامة التي كانت تتسم بالإيجابية وتوحي باستقلالية الشعب الفلسطيني عن الاحتلال ومؤسساته باختلافها، إلا أن هذه التجربة سرعان ما تم احتوائها واستيعابها، بل واغتيال سلطة الشعب التي بدأت بالتبلور، عبر التحكم ببرنامج الانتفاضة المركزي والتعبوي والدعم المالي، الذي انعكس بالضرورة في رؤى وبرامج الفصائل السياسية واللجان المنبثقة عنها، وأهمها القيادة الوطنية الموحدة، فلم تكن استراتيجية منظمة التحرير واضحة للنضال من حيث استمراره، لاعتبارات عدة أهمها وجود توجه واضح لحركة فتح بالاستئثار بالقيادة واحتوائها دون القاعدة الشعبية لها في الداخل، ومن جانب آخر كان التعويل على التفاوض مع الاحتلال باعتباره المخرج الأخير للحصول على دولة فلسطينية.

بعد سنة واحدة من تأسيس/تجربة القيادة الوطنية الموحدة، غلب عليها نزعة بالاستثمار السريع والمتعجل لمنجزات الانتفاضة الشعبية، فكانت اللجان الشعبية أحد ضحايا هذه السياسية، وتوضح نداءات (ق.و.م) "السادس والثامن والسادس عشر والتاسع والعشرون امتزت بنهج ثوري وتحريضي للتصعيد والعصيان المدني، في حين اختبرت البيانات وبالتالي السياسة والنهج تغيراً واضحاً بعد البيان رقم ثلاثين وما فوق( )، واصبح جلياً وجود نهجاً سياسياً أقل حدة وتصعيد والتهويل من مخاطر العصيان المدني، وعكست البيانات رؤية لمشروع سياسي يفضي إلى الاعتراف بالدولة على مناطق فلسطين التي احتلت عام 1967.

وبهذا استطاع التيار الذي تتزعمه حركة فتح من السيطرة على برنامج القيادة الوطنية الموحدة الذي لم يتبلور حينها، وإزاحة حالة الحراك والنضال الشعبي تجاه التفاوض مع الاحتلال حول الأراضي التي تم احتلالها عام 1967، عبرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن تخوفها من سرعة الاستثمار السياسي السريع للانتفاضة-كما وعبرت ايضاً حركة حماس عن رفضها للمشروع السياسي الذي طرحته حركة فتح والممثل بإعلان وثيقة الاستقلال- كون أن التيار المؤيد لحركة فتح رأى في الانتفاضة باعتبارها المحطة الأخيرة للوصول لتسوية سياسية مع الاحتلال وتحقيق الاستقلال والدولة، والمراهنة على الموازين الدولية التي ستضمن من تحقيق ذلك عبر اعتراف دولة الكيان بحقوق الشعب الفلسطيني، حينها بدأت تتبلور رؤية سياسية أوصلت إلى محادثات مدريد واتفاقية أوسلو، مع تأجيل القضايا الأساسية في الصراع إلى المرحلة النهائية للمفاوضات، أبرزها؛ حقوق اللاجئين والقدس والحدود والمياه ...الخ، وبهذا تغاضت منظمة التحرير وفيما بعد السلطة عن طرق بل وتهميش وتأجيل قضية اللاجئين وحقوقهم.

بهذا السلوك السياسي يكون قد تم نزع الشرعية عن برنامج منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بخصوص تمثيليهم لقضية اللاجئين الفلسطينيين وقضاياهم واحتياجاتهم وأولوياتهم كانوا في دول الشتات او في الداخل، وتم اعطاء الأولوية في بناء جسد سياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة على حساب القضايا المصيرية التي بقت دائماً حاضرة وبقوة في المفاوضات والانتفاضات.

الفكرة الاساسية لاتفاقية أوسلو هو ايجاد جسد سياسي ينوب عن الاحتلال في احتواء حالة الاحتجاج الشعبي للفلسطينيين دون تكلفة يدفعها الاحتلال، ولهاذ عبرت السلطة في محطات كثيرة أنها وضعت نفسها وجزء من الشعب الفلسطيني في خانة الدفاع عن المن الإسرائيلي ومصالحه أكثر من مصالح الشعب الفلسطيني، واضحت اتفاقية أوسلو أقرب لنظام سياسي هادف إلى صهر الوعي الفلسطيني وتحريف روايته وحقوقه بما يتلاءم مع الرؤية الأمنية الاسرائيلية، ومع أن الشعب الفلسطيني عبر عن رفضه للعقيدة المنية التي ينتهجها الكيان الاسرائيلي، أرزها انطلاق انتفاضة الاستقلال والأقصى عام 2000 بعد انهيار محادثات كامب ديفيد 2، وذهاب الشعب الفلسطيني إلى عسكرة الانتفاضة سريعاً.