في جذور العنف وسط الساحة الطلابية المغربية

مصطفى بنصالح
2016 / 6 / 30

في جذور العنف وسط الساحة الطلابية المغربية

تفاعلا مع النقاشات المرتبطة بموضوع الحركة الطلابية وبقضية العنف المستشرية داخل الساحة الجامعية، ارتأينا أن نساهم وندلي بدلونا في الموضوع، ونطرح بالتالي وجهة نظرنا فيما يجري، تجنبا لمواقف الصمت المريب، وللمواقف الانتهازية التي تعشق الصيد في الماء العكر، والتي تفضل قرع الطبول وتسخين الطرح.. عوض المساهمة في معالجة الأوضاع، عبر البحث عن مخارج ومقترحات عملية لدمقرطة الساحة الجامعية. فالعديد من المواقف والآراء المتداولة بخصوص موضوع العنف داخل الساحة الجامعية، لن يزيد الطين سوى البلل، ولن يعطي سوى الشرعية للهجومات القمعية ولحملات الاعتقال الشاملة، والمحاكمات، والزج بالطلبة والمناضلين في غياهب السجون..الخ وهذه حقيقة لا يجهلها "الحقوقيون" المتمرسون!
صحيح أن العديد من الأقلام التي اهتمت بالموضوع، كانت تنتظر فقط حدثا كالذي وقع بمكناس، والذي كانت ضحيته "شيماء" المرأة العاملة، التي تعرضت هي وأختها للقمع عبر الضرب، وحلاقة الرأس والحاجبين، والاهانة، والطرد من العمل..الخ وهي ممارسة انتقدناها ونبذناها في حينها، بالنظر لبشاعتها ولبربريتها، من زاوية لا يمكن أن يتوه عنها ديمقراطيان اثنان.. لكن الموضوع/القضية جذب لكنفه تنوعا كبيرا ومتناقضا، من المتدخلين.. وعلى ما يبدو، كانت الغلبة فيه للصحافة الرجعية والصفراء، يليها ذوو السوابق ممن تضرروا فعلا من قساوة العنف، وجميع المخالفين المنتقدين لخطاب وممارسة مجموعات "البرنامج المرحلي".. مما استدعى منا التدخل لإعطاء الرأي من زاوية معاكسة، لا تصب الزيت على النار، بل تصب كل جهدها لإخماد النار أولا وقبل كل شيء، حيث يلزمنا كتيارات وفصائل ومجموعات مناضلة تقييم الأوضاع واقتراح المخارج لحل أزمة الحركة الطلابية، عبر إعمال الحوار وأساليب النقاش الديمقراطي بين جميع مكونات الصف الديمقراطي والتقدمي داخل الساحة الطلابية.. وغير هذه المنهجية سيصعب التقييم، والتقدير لكذا آراء، وتعليقات، بكل موضوعية واتزان.
فالوضع أصبح خطير للغاية داخل الجامعة، لدرجة يصعب معها عدم الانجرار لدوامة العنف في إطار من الدفاع عن النفس، وعن الطرح. فأسباب العنف باتت كثيرة، ولم تعد تقتصر فقط على الخلافات في الرأي والموقف، وفي طريقة تدبير المعارك الطلابية..الخ لأن الإنفلاتات التي تشعل وتؤجج نار العنف كثيرة ومتنوعة، منها ما يرتبط بالفصائل والجهات المعادية لإوطم ولأنشطته في الساحة، ومنها ما يرتبط بنشاط الفصائل الإوطمية نفسها، ومنها ما يرتبط بالحياة العامة لطلاب الجامعة، والتي يمكن أن تنشب خلالها اقتتالات بسبب التحرش الجنسي أو اللغوي أو القبلي أو لأتفه الأشياء حتى..الخ
وبالتالي لا يمكن أن نحمل المسؤولية لفصيل "البرنامج المرحلي" وحده في كل ما يقع من عنف داخل الجامعة، وإن كانت جميع مجموعاته تتبنى العنف وتمارسه كقناعة مبدئية.! إلا أن هذا التبني، وما يرافقه من حماس، من طرف فصيل طلابي مناضل ومتشبث بانتمائه لإوطم، ولحركته الديمقراطية والتقدمية، له من الضرر الكثير، والتأثير السلبي الكبير والبالغ، على مجموع الفصائل التقدمية الأخرى، وعلى قطاع واسع من الطلبة المتعاطفين ونشطاء إوطم العمليين.. فعلى هذا الأساس وجب النقاش والإنصات، ثم التدخل للإسهام في معالجة الأوضاع.
فمساهمتنا في معالجة هذه الظاهرة لن يتعدى في حقيقة الأمر حصر العدوى، والحد من انتشارها على أوسع نطاق. فلسنا بصدد القضاء على ظاهرة العنف بشكل جذري ونهائي، وهو الشيء الذي لا قدرة لنا على تحقيقه. فالعنف يسري في جميع مناحي حياتنا، والمجتمعات الطبقية جميعها في حاجة إلى عنف، وإلى أجهزة حرفتها وتخصصها ممارسة العنف، فالعنف ليس مكانه ومرتعه هو الجامعة، العنف منتشر داخل الأسر وفي الشوارع وداخل الملاعب الرياضية.. وهي ظاهرة ملموسة تتطلب أكثر من متدخل، وتحتاج لباحثين متخصصين أو علماء سياسة، وعلماء اجتماع وقادة في الحركات الاحتجاجية والشبابية..الخ
دون هذا تقتصر مهمتنا أو تتجه للقضاء على العنف المستشري بين الفصائل الطلابية التقدمية بالأساس، لما تخلقه من فوضى وتسيب، يعطلنا عن مهامنا وعن إنجاز برامجنا.. فلسنا بصدد القضاء النهائي على العنف، وليس كل عنف في نظرنا منبوذ، لأن الدفاع عن النفس وعن الكرامة وعن الحقوق وعن الوجود..الخ يستدعي عنف أقوى وأشد.. فهناك جهات عديدة تتربص بالجامعة وبطلابها ومناضليها، وتعمل كل ما في جهدها لإقبار الحركة التقدمية بداخلها.. وعلى رأس هذه الجهات الدكتاتورية الحاكمة، بالإضافة للأنوية الفاشية والظلامية بجميع تلاوينها.
وبصفتنا كمناضلين يساريين من صلب هذه الحركة الاحتجاجية الاجتماعية، نجد أنفسنا معنيون بأوضاع الحركة الطلابية وما يرتبط بالجامعة من مشاكل، في إطار من النضال السياسي الذي نخوضه إلى جانب مجموع القوى اليسارية التقدمية من أجل تغيير أوضاع المواطنين الاقتصادية والاجتماعية للأحسن، وللعيش بكرامة وبحرية دون الحاجة للقمع والقهر والاستبداد والاستغلال..الخ حيث تكمن مهمتنا كمساهمة لتصحيح الأوضاع داخل جميع الحركات المناضلة، والتدخل بالرأي فيما يجري داخل الحركة العمالية والحركة النسائية، وبحركة المعطلين والحركتين الطلابية والتلاميذية، وحركة المدافعين عن الأرض، والمناهضين للغلاء..الخ وهو الشيء الذي يتطلب منا جهدا كافيا ومتواصلا للتخلص من مواقفنا الذاتية والتبريرية من قبيل مواقف "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما"!
فلا نقبل بالعنف في صفوفنا، وداخل اتحاداتنا، وفي وسط جميع جبهات النضال الطبقي والشعبي.. دون أن ندعو في نفس الآن للسلم الاجتماعي وعدم مواجهة العنف بالعنف الجماهيري المنظم، ودون أن نحلم بالتساكن الطبقي المثالي، وتقديس الديمقراطية البرجوازية، ومَكـْيجة وجهها القمعي البشع..الخ صحيح أن الرفاق في "البرنامج المرحلي" ليسو إخوة لنا، ولا هم من أبناء عمومتنا حتى.. لكننا نظل منتسبين لنفس العائلة اليسارية، التي من المفروض أنها ديمقراطية وتقدمية، ولا تخيف أيا من المؤمنين بمشروع التغيير وبمجتمع الحرية والديمقراطية والاشتراكية.. فوحدتنا في المستقبل حتمية، وسنظل متشبثين بها إلى حين تحقيقها على الأرض، مهما طال زمن التفتت، والانشقاقات المريبة والمحبطة.. فليست بالورطة المستعصية عن الحل، حين يدافع بشراسة، من يشاركك المرجعية والطموح في مثل هاته الممارسات الهمجية والاستئصالية، التي تتناقض جذريا مع قيم الحرية والكرامة والاشتراكية.. فمن صلب الحركات الشعبوية والإرهابية والفوضوية الثورية، في أكثر من تجربة وبلد، سطعت نجوم الحركة الماركسية الثورية، مطورة أفكارها ومواقفها وممارستها.. فلنكمل المشوار.
وفي السياق ذاته، أثارتني بعض التعليقات الصادرة عن الرفيق "أحمد زايان" والذي يحاول جاهدا التتبع والرصد لأهم الأحداث التي تعرفها الجامعة وحركتها الطلابية، وهو تتبع لا يخلو من ذاتية وتجني في غالبية الأحيان، يُبرز ما يشاء ويغض الطرف عمّا يشاء بشكل منهجي وتبريري مقيت، من خلال تحديده للمسؤوليات وسوء تقديره لعطاءات الفصائل المناضلة وعلى رأسها مجموعات "البرنامج المرحلي"، بحيث يقدم الرفاق منشطي مجموعات "البرنامج المرحلي" وكأنهم المسؤولين عن جميع الكوارث التي حلت بالجامعة، وبكركوك، وقندهار، وطبقة الأوزون..! متجاهلا صمودهم وقيادتهم لغالبية المعارك الطلابية، وكذا تضحياتهم الجسيمة والواضحة.
فما يقع داخل الجامعة الآن ولسنوات من قبل، له أسبابه الواضحة وضحاياه الواضحين والمصنفين، بل وجب التدقيق في صناعه وفي طبيعتهم، تجنبا للسقوط في السطحية والتجني وتصفية الحسابات.. لأن استشراء العنف ليس وليد الجامعة، ولا هو من صنع واستنبات مجموعات "البرنامج المرحلي"، ويمكن أن نقول ونجزم بأن الفصيل ضحية للعنف، قبل أن يتحول لآلة عنف مدمرة، لا هاجس لها سوى الدفاع عن قلعها، والتبرير لممارساتها، واحتكار الكلمة، والرأي والخطاب، والعنف وآلياته وأساليبه..الخ
فالعنف موجود في جميع مناحي حياتنا، نقبل به ونمارسه، ولا نناهضه إلا إذا هدد وجودنا وحقنا في الهيمنة على الجميع، واستئصال جميع الأصوات التي تقف في وجه هذا الحق "المقدس"! فجميع المكونات الطلابية التقدمية، الوحدوية منها و"الاستئصالية البيروقراطية"، رضعت وارتوت من نفس الأم والمدرسة، لأن العنف ليس وليد اليوم، ولا ارتباط له بعشاق "البرنامج المرحلي" الذين أصبحوا من أبطاله مجبرين، لا ينازعهم في هذه الريّادة سوى بعض المتعصبين في الحركة الأمازيغية، والحركة الانفصالية الصحراوية، ومجموع القوى الظلامية.
فالقضية أعمق من هذا، وهي في الحقيقة مرتبطة بفكر اليسار وبمرجعيته، التي لا ترفض العنف من حيث المبدأ.. صحيح أن اليسار التقدمي عبارة عن اتجاهات ومدارس ومرجعيات، لها تقديراتها الخاصة لدور العنف، إلا أن هناك بعض الاتجاهات الستالينية تتبنى "العنف الثوري" باعتباره ممارسة من صميم العمل السياسي والعسكري الثوري، ولا تخفي سعيها لإبادة جميع المخالفين، الذين هم أعداء طبقيين في نظرها، وبالتالي فهي لا تومن بالتحالفات وإقامة الجبهات والاتحادات، إلا لبسط هيمنتها على الجميع، وقيادتهم نحو أهدافها.. على عكس الاتجاهات الماركسية اللينينية التي ترعرعت في معمعان النضال ضد الانعزالية اليسراوية، ودافعت عن التحالفات وعن خط النضال الديمقراطي، المشروط بوجود الاتحادات والتنسيقات، وبضرورة العمل الجماهيري المنظم، بما هو الواجب عمله ودعمه، من طرف الخط العمالي البروليتاري، وكذا تقويته داخل جميع جبهات التغيير والصراع الطبقي.
والتزاما بموضوعنا الذي يهم أساسا قضية العنف المستشرية داخل الجامعة، والذي أصبح ثابتا، ممنهجا ومنظما، يمارسه ويتقنه أغلب النشطاء الحركيين، من اليمين ومن اليسار.. والذي بات من اللازم البحث عن جذوره في عمق التاريخ. فعدا الدّجالون والأفاقون من ينكرون اختراقه ومصاحبته للنضال الطلابي منذ نشأته، أي منذ ستينيات القرن الماضي.
فمباشرة بعد انشقاق حزب الاستقلال كحزب مهيمن وموجه لكافة الحركات الاجتماعية المناضلة، بما فيها الحركة الطلابية التي هي موضوعنا. وعلى إثر هذا الانشقاق الذي قادته وانخرطت فيه مجمل القوات الشعبية التي سئمت الانتظار بعد أن تبددت أحلامها في الاستقلال، الذي كانت تطمح له، وفي البناء والتشييد الذي كانت تود المشاركة فيه بكل حماس وحمية.. لتشعر بالإحباط، بعد تيقنها من حقيقة هذا الاستقلال وشكليته والذي لم يعمل سوى على تجديد الارتباط بالاستعمار الجديد وبمؤسساته الإمبريالية. برز حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كممثل لجميع الغاضبين والمحبطين، الذين أعلنوا صراحة معارضتهم للنظام القائم، وعن استعدادهم للانخراط في معركة التغيير. وأصبح بالتالي قائدا منظما لجميع الحركات المعارضة، السياسية والنقابية والاجتماعية والثقافية..الخ مناصرا لجميع قضايا التحرر والبناء الاشتراكي، في العالم العربي وفي شتى البقاع.
في هذا السياق لم تسلم الحركتين الطلابية والتلاميذية من قوانين الصراع هذه، حينها كانت الحركتين منظمتين في نفس الإطار إوطم، لتعلن ولائها صراحة للاتحاد الوطني وتنضبط بالتالي لقراراته وتوجيهاته ومعاركه النضالية.. ليحتد الصراع حينها بين الحزب المنهزم حزب الاستقلال، وغريمه الصاعد حزب القوات الشعبية، ويتخذ هذا الصراع شكله العنفي والدموي، في بعض اللحظات النضالية المهمة والحاسمة.
كانت اللحظة بمثابة إعلان عن انتصار الخط التقدمي على الواجهة الطلابية، وعلى رأس المنظمة إوطم، التي أصبحت في يد الحزبين، اتحاد القوات الشعبية والحزب الشيوعي المغربي، مع هيمنة بارزة لصالح اتحاد القوات الشعبية.. وانكمش بعدها حزب الاستقلال واندحر، وفشلت منظمته الطلابية الاتحاد العام، في إيجاد موطئ قدم لها في الساحة الطلابية، ليبقى الصراع مفتوحا، والمناوشات قائمة بين الفينة والأخرى، على طول فترة الستينات.
ومع أواسط الستينات اشتد الصراع بين النظام من جهة، وقوى التغيير والتحرر من جهة أخرى، ليبلغ قمته في مدينة البيضاء ومدن أخرى، من خلال موجة الإضرابات والاحتجاجات التي وصلت ذروتها واتخذت شكل انتفاضة شعبية عارمة، أشعل شراراتها التلاميذ والطلاب، والعمال، والعاطلين.. دفاعا عن الحق في التمدرس، وعن الحق في الشغل، وعن الحق في الاستفادة من خيرات الوطن كاملة.
لهذه الأسباب، ولأسباب أخرى خارجية عرفتها قوى التحرر المناهضة للإمبريالية في مناطق عديدة في العالم، كان أهمها انتفاضة الطلاب في فرنسا ماي 68 بمعية ومشاركة الطبقة العاملة ومجموع الشغيلة وجماهير المستخدمين، لتنتقل الشرارة إلى مجموع البلدان الرأسمالية كألمانيا واليابان والولايات المتحدة وكندا وإيطاليا..الخ بالإضافة لتأثيرات نتائج المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي ولأحزاب الأممية جمعاء، وكذا الثورة الثقافية بالصين، ونجاح الثورة بكل من فيتنام وكمبودجيا واللاووس وكوبا..الخ تشكل اليسار الثوري في الساحة المغربية، وهيكل نفسه في تيارات ومنظمات، كان أبرزها منظمة "إلى الأمام" ومنظمة "23 مارس" ومنظمة "لنخدم الشعب" المنشقة عن هذه الأخيرة أواخر سنة 72، بالإضافة لليسار الاتحادي. وعدا اليسار الاتحادي الذي أعلن عن مرجعيته وعن أهدافه الاشتراكية القريبة من الناصرية والبعثية السورية والعراقية، تبنت منظمات اليسار جميعها النظرية الماركسية اللينينية بتفاوتات واجتهادات خاصة، تختلف من هذه المنظمة لتلك، استندت أغلبها على الأطروحة الماوية وحرب الشعب الطويلة الأمد.. مستبعدة صراحة خط الإضراب والانتفاضة العمالية الشعبية على الطريقة البلشفية واللينينية.
ومع ظهور هذا اليسار الذي تشكل بداية في قلب الجامعة أواخر الستينات دخلت الحركة الطلابية لمنعطف جديد، عرفت خلاله الساحة الجامعية صراعات حادة في المجالات الفكرية والسياسية والتنظيمية، انعكست بشكل مباشر على اختيارات الفصائل الطلابية، وبرامجها النضالية، وتصوراتها لتدبير الصراعات وصيانة حرمة الجامعة..الخ
فمن أجل الهيمنة وفرض السيطرة على المنظمة الطلابية إوطم، كان لا بد لمكونات الحركة الطلابية أن تستحضر العدة والعتاد، وإلا كان مصيرها العزل في الركن، والدفع بها للقبول بالتنازلات والابتزاز حتى.! فقليلا ما كانت تنتصر الديمقراطية وروح التدبير الجماعي للاتحاد بعيدا عن المشاكسة والابتزاز السياسي، وقليلة هي الفصائل التي قبلت بالتمثيلية النسبية لتنظيم وتدبير عمل الاتحاد، واختيار ممثلي الطلبة للأجهزة التحتية، ولمندوبي المؤتمرات.. فعدا الحزب الشيوعي، الذي تحول مع الوقت لحزب التحرر والاشتراكية، ثم لحزب التقدم والاشتراكية، صاحب الوصفة، لم تعر الفصائل الأخرى أي اهتمام لهذا التدبير الذي يبقى في عمقه ديمقراطيا، يضمن المشاركة النسبية لجميع الفصائل الطلابية، بغض النظر عن نوايا وحسابات المبادرين لطرحه.
فعلى طول تجربة السبعينات الطلابية، عرفت الساحة العديد من المشاحنات والتشنجات التي رافقتها مظاهر وأساليب عنف متنوعة، والتي لم ينجح الفصيل الديمقراطي القادم، في كبح جماحها وصدّها، رغم تصوره المتقدم نسبيا، والذي جسد بالفعل أرقى تجربة في تاريخ المنظمة إوطم من حيث البناء، وفي ممارسة الديمقراطية الداخلية، وفي تنظيم المقاومة لصد العدوان القمعي..الخ ورثه في هذا، النهج الديمقراطي القاعدي، الذي تشكل أواخر السبعينات لحظة التحضير للمؤتمر الوطني السادس عشر، والذي تميز بدفاعه المستميت عن وجهة نظره التنظيمية، والتي كانت تدافع عن إشراك جميع القواعد الطلابية في تسيير وقيادة إوطم ونضالاته، وقد تخللت مساره النضالي نقاشات وصراعات من أجل اعتماد النسبية لتمثيل الجماهير الطلابية في انتخاب ممثليها في التعاضديات والمؤتمر والأجهزة الإدارية والقيادية التنفيذية، دون أن تميل الكفة لمصلحة هذا التوجه الديمقراطي، وينجح بالتالي خيار الاقتراع بالأغلبية الذي كانت له عواقب وخيمة على سير المنظمة بما يفتحه من أبواب تساعد بوضوح على تفاقم الهيمنة وتكبيل نضالات الجماهير الطلابية.
بعد فشل النهج الديمقراطي في بسط هيمنته على الاتحاد خلال المؤتمر الوطني السادس عشر، وبعد نجاح اللوائح الطلابية البيروقراطية في الاستفراد بهياكل الاتحاد بواسطة التزوير والطعن والمنع والترهيب.. ألغت وعطلت الأجهزة الوسطية والتنسيقية التي مدّها المؤتمر بالدور الاستشاري، تعميقا منها للبيروقراطية والهيمنة والتحكم..الخ واحتد الصراع مرة أخرى حول الهيمنة، واستعمل العنف بكافة أشكاله ووسائله خدمة لهذه الغاية، ولم تنجح الديمقراطية في أن تأخذ مكانتها داخل الاتحاد، بالرغم من المجهود الكبير، ومن حجم التنازلات والتواطئات التي قدمها النهج الديمقراطي القاعدي لهاته الغاية النبيلة.
لم يكن حينها انتصار الحلف الثلاثي البيروقراطي المشكل من طلبة الاتحاد الاشتراكي زعيم الحلف، بتحالف مع الطلبة الديمقراطيين أنصار منظمة "23 مارس" بالإضافة لطلبة التقدم والاشتراكية، سوى بالمؤقت العرضي، على اعتبار أن لوائح النهج الديمقراطي القاعدي لم تفلح في الحصول على الأغلبية المطلقة لتفرض هيمنتها، وهو الشيء الذي لم يخول لها الحق في المفاوضات وكسب مكان لها في دسة الهيمنة والتحكم.
وابتداءا من هذا التاريخ بدأ الزحف على هياكل الاتحاد، واكتسح النهج القاعدي، عن طريق الانتخابات الحرة والديمقراطية، الغالبية الساحقة من التمثيليات القاعدية داخل الكليات، والمعاهد، والمدارس، والأحياء الجامعية ومراكز تكوين الأساتذة..الخ ما بين المؤتمرين السادس عشر والسابع عشر، قائدا ومؤطرا ومنظما لمجمل النضالات التي خاضتها الجماهير الطلابية في تلك الآونة.
وفي تناقض صريح مع طموحاته وادعاءاته، لم يدافع النهج القاعدي عن تصور يلائم ويجسد هذا المنحى، وبقي متشبثا بخيار السباق من أجل كسب موقع الهيمنة، رغم تعالي بعض الأصوات الديمقراطية المطالبة بتصحيح الأوضاع ودمقرطتها.. لتظل روح الهيمنة سائدة في صفوف الحركة الطلابية تسيل لعاب جميع الفصائل والمكونات، وتدفع بها منهجيا لاقتسام الكعكة، عن وعي أو بدونه، على حساب الديمقراطية والقبول بقواعدها داخل الفضاء الجامعي وداخل اتحاد الطلبة إوطم.
فشل المؤتمر السابع عشر في الخروج بقيادة وبمقررات تفتح صفحة جديدة من النضالات والإنجازات، وفشل بالتالي النهج الديمقراطي القاعدي في تجسيد البديل للقوى البيروقراطية والانتظارية، وكان هذا الفشل بمثابة النكسة التي جسدت بالفعل عجز التحالف الديمقراطي المشكل من النهج الديمقراطي القاعدي ورفاق الشهداء، عن تدبير جلسات المؤتمر بشكل ديمقراطي وجدي، يضمن مشاركة الجميع في تحمل مسؤولية قيادة الاتحاد.. لينفض المؤتمر بدون قيادة عملية وبدون مقررات توجيهية وبدون تصور لضمان استمرارية إوطم وقيادة النضال الطلابي على الأرض.. وكذلك بالنسبة للمهمة اليتيمة التي فوضت لما تبقى من القيادة غير المنسحبة، والمتمثلة في توفير الشروط لعقد مؤتمر استثنائي للاتحاد في أقرب الآجال.
مباشرة بعد هذه الانتكاسة التنظيمية، والتي ساهمت في توفير الشروط الملائمة لتكثيف الهجوم على الجامعة، وعلى مكتسبات الحركة الطلابية، بالدوس على حرمتها وتنصيب أجهزة الأواكس الإسخباراتية بقلبها، في إطار من التنفيذ الصارم لسياسة التقويم الهيكلي الرهيب.. لتتقلص بعدها المنح واعتمادات البحث العلمي وفرص التشغيل..الخ مع الإشارة التي لا بد منها، للأوضاع السياسية العامة التي ساهمت بشكل كبير في إفشال المؤتمر الطلابي، بعد انتفاضة البيضاء العمالية والشعبية، وما نتج عنها من اشتداد للقمع وتكثيف حملات الاختطاف والاعتقال والمحاكمة في صفوف المناضلين والنقابيين وعموم طلائع المتظاهرين.. بالإضافة للارتباك الذي أحدثه ثلة من المؤتمرين المنسحبين، اتحاديين وبعض القاعديين، من جلسات المؤتمر بدون رجعة.
وعوض التفكير بالطريقة الجدية للإجابة على الأزمة التنظيمية التي كان يعاني منها الاتحاد، وذلك عبر فتح النقاش مع القوى المناضلة داخل إوطم، اختارت أهم الفصائل العاملة والمستمرة في نشاطها الطلابي بالجامعة ـ الطلبة القاعديون ورفاق الشهداء ـ أسهل الطرق، وسارعت في بسط هيمنتها على مجمل أنشطة الاتحاد، وشرعت في ممارسات اقصائية لجميع الأصوات المتهاونة أو المترددة في الانخراط إلى جانب الجماهير الطلابية في نضالاتها.
وفي ظل هذه الشروط تعمقت الرؤية الهيمنية عند مجموع القيادات القاعدية، وبدأ التنظير والتبرير لها، وصياغة الشعارات المناسبة لها ـ البرنامج المرحلي نموذجا ـ والحصار بالتالي، لجميع المبادرات المشتركة في ما بين القوى السياسية المعروفة بانتمائها لإوطم. وفي هذا السياق، انحرفت النقاشات عن الجادة، ولم يعد الانتقاد للقوى السياسية يرتبط بتماطلها وقصور مساهمتها في معمعان النضال الطلابي، وفي بيروقراطية أساليب عملها ومقترحاتها التنظيمية، ليصبح الهم هو فضح إصلاحية القوى السياسية، علاقة بمشروع التغيير الاجتماعي، وكذا بتحريفية بعض التيارات اليسارية لتعاليم الماركسية اللينينية.. الشيء الذي فتح الأبواب على مصراعيها للاجتهاد والإفتاء في لائحة الممنوعات والمحرمات الفكرية والسياسية، مما ساهم بشكل كبير في إذكاء النعرات الاستئصالية، وفي تطويق الاتحاد وعزله عن جماهيره وطلائعه.
لقد تحققت هيمنة الحركة القاعدية على مجمل النشاط الطلابي بطريقة شبه مطلقة منذ بداية الثمانينات، وتعمقت بشكل خطير بعد أن هجرت جميع القوى السياسية الساحة الطلابية، وبعد أن تفاقم القمع مستهدفا بدرجة أساسية المناضلين القاعديين وتقديمهم لسلسلة من المحاكمات في جميع المدن الجامعية ـ مراكش، البيضاء، الرباط، فاس، مكناس، وجدة، وتطوان ـ وعبّئت السجون، وانخرط المعتقلون في الإضرابات السجنية الطويلة الأمد، والتي سقط خلالها الشهداء بلهواري والدريدي وشباضة.. مما وفـّر الشروط الذاتية والموضوعية لقيادة جميع المعارك الطلابية والاستفراد بالساحة الجامعية.. وهي معطيات لا بد من التذكير بها في سياق التحليل، حتى نفهم الوضع الجامعي بكل تفاصيله وجوانبه، ونتلمس بالتالي الجذور التاريخية للهيمنة داخل الساحة الجامعية وداخل الإطار الطلابي المناضل إوطم.
لم تجد الحركة القاعدية من ينافسها في هيمنتها، ولم تفلح دعوات العمل الوحدوي في الصد أو التقليص من هذه الهيمنة، بعد أن تم فتح النقاش مع رواده والمنظرين له، ومطالبتهم بالتالي بسحب أرضياتهم المنافية للتوجه العام داخل الحركة القاعدية ابتداءا من أرضية "الوحدة والنضال"، ثم "المبادرة الجماهيرية" و"وجهة نظر" الفقيد بنيس و"الكراسة" ثم "الكلمة الممانعة"..الخ حيث كانت هذه الدعوات بمثابة إعلان عن الفصل والطرد النهائي من صفوف النهج الديمقراطي القاعدي، الذي أحكم السيطرة على الساحة الطلابية ومنع الاختلاف، وصادر الحق في الصراع الفكري والسياسي، لتقتصر ساحة النقاش على الموقف الواحد، والرأي الواحد والفكر الواحد والممارسة الواحدة.. يحميها ويؤطرها القمع والمنع والترهيب، إذ لم تعد المهمة تقتصر على الفضح عبر النقد، والصراع الفكري والسياسي، الرفاقي والديمقراطي، بل تحولت العملية إلى مهمة عنف استئصالي، لها ما يبررها ويشرعنها من وجهة نظر "البرنامج المرحلي" حاليا، في إطار من الدفاع عن "المهمة الثورية" وتحصين "القلع الحمراء" وحمايتها من الاختراق والتجسس لمصلحة جميع الأعداء المفترضين، الإصلاحيين والتحريفيين والرجعيين والشوفينيين والظلاميين.." لتتراجع وتختفي نهائيا مهمة استرجاع إوطم، وإعادة بناءه بما يحافظ على هويته التقدمية وقاعدته الجماهيرية، لسبب بسيط يجد نفسه في خط الهيمنة والبيروقراطية والاستئصال.. بعد أن أصبح في نظر غالبية النشطاء الطلاب، تيار "البرنامج المرحلي" بمثابة "المنقذ المقدس"، "منقذ" الفكر الماركسي اللينيني من التحريف، و"منقذ" المشروع الثوري من الانحراف والزيغ عن الطريق القويم..الخ فمن أجل إنجاح هذا الخط وضمان استمراريته الميدانية، كان لا بد من وضع اليد على الحركة الطلابية واتحادها ومجالها الجامعي ككل.. وهي المهمة التي تناوبت على إنجازها بداية، مختلف التيارات ـ مجموعة بنيس والكراس والممانعين ـ بكل من الرباط وفاس ووجدة، التي عانت من ويلاتها وعنفها مجموعات "البرنامج المرحلي" أيضا، قبل أن تتغوّل وتسود.
ففي ظل هذه الأوضاع، أضحت الجامعة مجالا خاصا للفصيل المهيمن، وأصبحت الحركة حركة فصيل، ولم يعد الاتحاد اتحادا، لأنه ببساطة هو الفصيل نفسه، ومن تعدى حدود الفصيل ومراميه فلن يلوم سوى نفسه، وستـُتخذ في حقه الإجراءات اللازمة لتكميم فمه، ومنعه من النقاش، ومن الحضور والمشاركة في أنشطة الفصيل.. كإجراءات احترازية.. وإن هو تمادى، يشطب نهائيا من الجامعة، وإن تعنت وتشبث بحقه في الدراسة تعنف، وربما ذُبح ذبح النعاج!
فما ندعو له من مراجعات تهم مسلكيات الحركة الطلابية في المرحلة، لهو من صلب النضال الطلابي، الذي سيقلص ويحاصر مظاهر العنف، عبر إدانته أولا، ثم عبر نشر قيم الحوار والنقاش الديمقراطي الرفاقي، وعبر تعزيز قنوات الحوار وهيكلة المجالس الطلابية القاعدية، بداية عن طريق التطوع النضالي، لتتطور وتصبح مسؤولية منتخبة، معترف بها من لدن الجماهير الطلابية.. فنضالنا كتوجه ديمقراطي وقاعدي على الساحة الطلابية لن يكون سهلا، وسيستدعي منا جهدا جبارا لإقناع أنصار العنف، بالعزوف عن ممارستهم بهذا الشكل، الذي يمنع الحركة من التطور إيجابيا.. فقواعد نهج العنف وغالبية قياداته، مقتنعة جيدا، بأن الحل الجذري لجميع مشاكل الحركة والاتحاد والجامعة والتعليم والثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية.. بيدها كـ"قيادة سياسية"، ولن يتم سوى عن طريق العنف والتطويع والإخضاع.. ولن تكون الحاجة فيه لحليف أو لجبهة حلفاء، كما نتصور نحن الديمقراطيون الوحدويون.
فحملات القمع والمراقبة والمتابعة والاعتقال والتعذيب والمحاكمات والسجن.. التي تلاحق مناضلي مجموعات "البرنامج المرحلي" عززت التوجس من المؤامرة، وعملت على نشر فرضيتها على أوسع نطاق في وسط القواعد، الشيء الذي ساهم في هيمنة الفصيل على الساحة الطلابية، باعتبار مناضليه مستهدفين، وبأن الفصائل الأخرى تخلت، وانسحبت من ميدان النضال.. فهي مؤامرة حسب هذه الفرضية، الغرض منها تسهيل استفراد القمع بنشطاء "البرنامج المرحلي"، المتشبث بحركيته، وتضحياته، وصموده من أجل الاستمرارية ثم الاستمرارية، ولا شيء غير الاستمرارية.. دون عناء طرح الأسئلة المؤرقة استمرارية ماذا؟ وكيف؟ ولمصلحة أية جهة؟..الخ
فلم يعد هناك من مخرج للأزمة سوى التشبث بخط النضال الوحدوي الديمقراطي، واستيعاب كافة فعاليات "البرنامج المرحلي" في سياق هذا النقاش، لوضع أسس واضحة لكيفية البناء، وهيكلة الاتحاد بالطريقة التي تضمن مشاركة الجميع وعدم إقصاء أي من الآراء من ساحات إوطم، عدا الرجعيين والظلاميين.. وهي الطريقة المثلى لتقديم الدرس لأعداء الديمقراطية والاتحاد، الذين يهدفون ويشجعون على استمرار الاقتتال والحروب بين الرفاق الإوطميين.. فقوة الاتحاد تكمن في قوة فصائله الميدانية، وقدرتهم على قيادة النضال، وتأطيره من أجل تعليم شعبي ديمقراطي، والسعي لبناء جامعة ديمقراطية بديلة تناسب طموحات وتطلعات أبناء الكادحين والفقراء، وقادرة على الانخراط في برنامج تنمية حقيقية بعيدة عن الاستغلال وعن مخططات الرأسمال ومجموع الدوائر المالية الإمبريالية.
أما وأن نحصر ظاهرة العنف في الجامعة، ونجتهد في سبل حلها، ونربط الحل بقدرتنا على تدبير الخلافات، ونشدان "الوحدة الجماهيرية للطلاب تحت سقف إوطم ومبادئه الأربع" فلن يقدم عملنا في شيء، لأن الحاجة الآن لبرنامج، ولخارطة طريق، ولالتزام نضالي بين المكونات الديمقراطية المناضلة، تصاحبه هيكلة وتشكيل مجالس للنضال والتأطير والحوار، القادرة على استيعاب جميع النشطاء الطلاب، بانتماء ودون انتماء.. لأن العنف كأسلوب، أصبح يستحسنه جميع المظلومين والمحكورين في العالم، وليس الطلبة المغاربة فقط.. لتظل مهمتنا ثابتة تعمل على الحوار، وفتح النقاش الواسع مع جميع مكونات وفعاليات الحركة الطلابية التقدمية، للتقليص من ضرر هذه الآفة، ومعالجة مضاعفاتها لأقصى حد.
فوحدة الحركة الطلابية مرتبطة أشد الارتباط بوحدة مكوناتها التقدمية والديمقراطية، وهي الأساس لبناء متين للاتحاد المنشود، بمبادئه الأربع وبقانونه الأساسي التاريخي، في إطار من الالتزام بخارطة طريق واضحة من داخل الصف التقدمي لا غير.. أما الرهان على فصائل إضافية أخرى مثل تلك التي يلمح لها الرفيق "زايان" ـ وإن لم يعلن عنها مباشرة ـ ونعني بها أساسا فصيل "العدل والإحسان" الذي لا هو بتقدمي، ولا بديمقراطي.. فلن يفيد المشروع الوحدوي في شيء، بل سيضع المدافعين عنه خارج المشروع ـ طلبة حزب "النهج" وأنصار "المناضلة"ـ لأن المشروع يتطلب الوضوح وتحديد الحلفاء بالدقة المطلوبة، دون تآمر أو إرباك..الخ
فإما أن نعالج ظاهرة العنف في شموليتها، وبالشكل الجماعي المطلوب الذي لا تشوبه شائبة، تعكر صفوة ديمقراطيتنا ومبادئنا ومثلنا.. وإما السقوط والاتجاه لمزبلة التاريخ.. لأننا نريد ديمقراطية حقيقية ومستدامة في الجامعة، تليق بالفضاء الذي نشتغل داخله وتلائم الفئة المتعلمة والمثقفة، التي نشتغل من داخلها، باعتبارها في طليعة النضال من أجل الديمقراطية والتحرر، تنشر الوعي وتلتحم بالفئات والطبقات الاجتماعية المعنية فعلا بالتغيير، وبالجامعة الديمقراطية، وبالتعليم الشعبي الديمقراطي.
فلا مجال لأن نعوّم الظاهرة، ونرمي بمشاكلنا وعجزنا على الآخرين، وأن نتملص بالتالي من مسؤوليتنا تجاه هذه الأوضاع المزرية والمأزومة، من خلال الدعوة لخرائط طريق ملغومة، نعوض فيها رواد العنف اليسراوي بدعاة الظلامية والإظلام الإرهابي.. فالعصر يجب أن يصبح عصر الديمقراطية والحوار والنقاش الرفاقي الديمقراطي، مهما كان حجم الخلافات، التي يجب ألا تمس بالمبادئ والهوية.. مع العمل بكل تفاني على تعبئة مجموع الطلاب، وإشراكهم في العملية الديمقراطية، وفي البناء والتشييد لاتحاد يعبر عن مطالبهم وعن طموحاتهم، بشكل جماعي، وبدون إقصاء أو تهميش.. وفي قلب هذه الديمقراطية يجب أن يشكل التوجه الديمقراطي التقدمي، أساس بناءه وعموده الفقري، وألا نتخيل في اللحظة الحالية وعلى المدى المتوسط، جبهة طلابية تقدمية بدون مجموعات "البرنامج المرحلي"، باعتبارها أقوى المجموعات الطلابية المناضلة، فحضورها الميداني، وقيادتها لجل المعارك يشفع لها البعض من هفواتها، وانزلاقاتها، ورفضويتها وتعصبها..الخ
بهذا نغلق الباب في وجه التخريجات الملغومة والتصورات المتجنية.. فبدون هذا التصور، وبدون هذا البرنامج الواضح، الذي هو بمثابة استكمال وتعزيز لخطوات ندوة 23 مارس الطلابية.. لا يمكنك أن تكون سوى رفضويا لا تقبل بالحوار، والنقاش، والصراع الديمقراطي داخل المدرسة الإوطمية.. لأنك ترفض العمل الوحدوي، والتنسيق مع فصائل مناضلة أخرى، ولأنك عاجز عن تقديم مقترحات تخص النضال الطلابي، وتدبير المعارك بالطرق العقلانية، التي تستحضر التنوع والظرفية والتكتيك وخطط الهجوم والدفاع.. فلن يكون لك موعد مع التاريخ ومع لحظة انتصار الديمقراطية الإوطمية والقاعدية.

مصطفى بنصالح
يونيو 2016

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول