دفاعا عن خط الوحدة والاتحاد

مصطفى بنصالح
2016 / 6 / 2

دفاعا عن خط الوحدة والاتحاد

تفاعلا مع الأحداث الدامية التي عرفتها مؤخرا الساحة الجامعية بمدينة وجدة، والتي كان من المفروض أن يتدخل فيها بالرأي مناضلو وأطر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الوحدويين والديمقراطيين، أو ما تبقى منهم.. وذلك لاعتبارات تاريخية ونضالية معروفة، مكـّنت فيما سبق هذا الإطار المناضل من تنظيم وتأطير العلاقات داخل الأوساط الطلابية بحكمة ورزانة، وتمثيل الجماهير الطلابية أحسن تمثيل أمام الأساتذة، وأمام الإدارة، وأمام السلطات، وأمام الرأي العام..الخ
سأحاول أن أتقدم بوجهة نظري في هذه الأحداث، مغتنما الفرصة لفتح النقاش، وإثارة التساؤلات المتعلقة بمشروع الوحدة الطلابية، ودورها في رفع الوعي بأهمية الحوار الديمقراطي الفصائلي، كمدخل لحوار طلابي عام تساهم في وضع أسسه الجماهير الطلابية المناضلة.. حيث تلزمها مبادؤها ـ والفصائل هي المعنية ـ أو ما تدعيه من ذلك، حمل مشعل الديمقراطية عاليا، وإعطاء أحسن النماذج على مستوى الممارسة والتطبيق. دون أن ننسى تسجيل أسفنا الشديد حول ما جرى من أحداث مؤلمة، خلـّفت الجرحى والمعطوبين في صفوف الطلبة والمناضلين.
فمنذ سنوات، وابتداء من منعطف سنة 59 من القرن الماضي، أي منذ أن شرع الاتحاد في مراجعاته العميقة لمواقفه، ولمبادئه، ولتصوره ولموقعه في الصراع.. وفي الحصيلة، للدور الذي يمكن أن تلعبه الحركة الطلابية في نشر قيم النضال والحوار والديمقراطية، داخل الفضاء الجامعي.. وهو الشيء الذي التزمت به، ودافعت عنه بدون هوادة، ضد جميع التعثرات التي كانت تظهر بين الفينة والأخرى، في محاولة لحرف مسار النضال الطلابي عن أهدافه.
التزمت حينها جميع فصائل الاتحاد وحساسياته، بالمنهجية الديمقراطية المعمول بها داخل الإطارات الجماهيرية المكافحة، لاختيار ممثلي الطلبة عبر الانتخاب الحر، ومن خلال التجمعات العامة، وعن طريق اللوائح الطلابية التمثيلية أو عبر الترشيح الفردي، ليتم بعدها فرز ممثلي الطلبة عبر طريقتين اثنتين، احتد الصراع طويلا حول مدى ديمقراطيتها، وأيهما أقرب إلى الديمقراطية المبتغاة.
فكان التصور البيروقراطي يطالب بتعاضديات تمثيلية من فوق، وفق قانون الأغلبية، تشرف فيما بعد على هيكلة الاتحاد وتشكيل مجلس استشاري للطلبة شكلي لا حول ولا قوة له. وفي مقابل هذا التصور نادى النهج الديمقراطي القاعدي بقلب العملية، عبر هيكلة المجالس القاعدية أولا، ومدّها بالدور التقريري، ليتم بعدها فرز مكتب تعاضدية له دور تنفيذي للقرارات المتخذة جماهيريا عبر مجلس الطلبة، أو عبر الجموعات العامة.
واحتد الصراع حول هذه النقطة التنظيمية المحورية، لسنوات وعقود، وخيّمت الخلافات حولها داخل قاعات وجلسات المؤتمر ابتداء من المؤتمر الثاني عشر للاتحاد أواخر ستينيات القرن الماضي، إلى آخر مؤتمر طلابي بداية الثمانينات، والذي باء بالفشل كما هو معروف. ذكـّرت بهذه المعطيات فقط لإعطائها مكانتها التي تستحق، وسط الصراعات التي كانت الحركة الطلابية حينها، مسرحا لها.
فإلى جانب النقاشات الفكرية والسياسية الحامية الوطيس، والتي كانت تهم مستقبل الجامعة، وواقع التعليم بالمغرب، ودور الحركة الطلابية في الصراع الاجتماعي الذي تخوضه الجماهير الكادحة من أجل تغيير الأوضاع لمصلحتها، والقضاء بالتالي على نظام الاستبداد القائم، كنظام رأسمالي تبعي مغرق في العمالة للإمبريالية.. الشيء الذي لم يدفع بالطلائع والقيادات لإهمال الديمقراطية الداخلية وعدم إعطائها نصيبها في النقاشات، بل إن عقد السبعينات تميز بتكثيف النقاشات حول هذا الإشكال التنظيمي، وحول كيفية تدبير عمل الاتحاد، بشكل ديمقراطي وعملي.
فلم يكن عبثا أن يتم تصنيف التيار المناصر للمجالس القاعدية حينها "بالطلبة القاعديين" و"الطلبة المجالسيين" بعد تجربة "الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين" وفشلها في ضمان الاستمرارية، وتنسيق العمل بين مكوناتها.. إلا لارتباطه وارتكازه على التنظيم، واختيار النهج الأكثر، والأوفر ديمقراطية لتمثيل الطلبة وإشراكهم في تسيير الاتحاد، ودمجهم في هياكله وفي مراكزه التقريرية والتنفيذية.. لذلك وجب التذكير باستمرار بالعمق الديمقراطي للتصور التنظيمي القاعدي، منذ نشأته.
فلهذا السبب ارتبط جميع المناضلين الديمقراطيين الصادقين، بخيار النهج الديمقراطي القاعدي طرحا وممارسة، ودافعوا باستماتة عن مواقفه الفكرية والسياسية والتنظيمية، على نقيض تصورها البيروقراطي، الذي وظف كل إمكانياته للجم الحركة الطلابية وتهميش إمكانياتها الحركية والنضالية وبسط الهيمنة على هياكل الاتحاد، وتوجيه قراراته، ومؤتمراته وفق هذا المنطق التحكمي الفاشل.
بعد هذه التوطئة المنهجية، نصل الآن لعلاقة الديمقراطية والحوار الطلابي الفصائلي، والهيكلة، وفرز ممثلين للطلبة، منتخبين بشكل علني وديمقراطي..الخ بالأوضاع الحالية.. فما المغزى إذن من هذه التوطئة التاريخية والمنهجية؟
أعتقد أن الربط كان ضروريا، والتذكير به كان ملزما لمن يحترم هذا التراث المتنور، ولكي نفهم جيدا تأثير غياب الاتحاد وثقافة الاتحاد، كثقافة تنظيمية، ديمقراطية، عملت منذ التأسيس للاتحاد، على نشر قيم الحوار، والصراع، والنقد، والقبول بالاختلاف.. بعيدا عن العنف والعدوانية، وإلحاق الأذى بالمخالفين. الشيء الذي لا ولن يشجع الطلبة على المشاركة في الصراع لحسم الموقف بشكل ديمقراطي سليم، ويعالج جميع الإشكالات التي تعثر سير النضال في هذا الاتجاه الوحدوي والديمقراطي، ويعيق بالتالي فرملة نضالات الجماهير الطلابية من أجل تحسين أوضاعها، وتعزيز مكانتها ومشاركتها في النضال الجماهيري إلى جانب الجماهير الشعبية الكادحة والمحرومة.. وبالتالي فمن حق، وواجب جميع الديمقراطيين والتقدميين، بأن يدلوا بدلوهم فيما تعرفه الساحة الجامعية من أحداث، بطريقة توعوية وتنويرية، وليس عن طريقة الصيد في الماء العكر، أو عبر التحيّز لمصلحة فصيل ضد فصيل آخر.. بل المطلوب هو المساهمة والمشاركة في وضع خارطة طريق تضع الأساس لتشييد الديمقراطية وسط الحرم الجامعي، دون تأجيل وبلا تردد.
لقد عملنا منذ البداية كتوجه قاعدي، وكفصيل تقدمي أوطمي، مدافع عن التراث القاعدي، على الانخراط بالتزام وحماس شديد، في هذا النقاش بهدف إعادة بناء الاتحاد على أسس متينة، واعدة وقوية، تفتح الأبواب على مصراعيها في وجه جميع خصومها وأعدائها، الفكريين والسياسيين، دون طلب الإذن من أية جهة كانت.. فالممارسة الديمقراطية الحقيقية والثورية، لا تقبل الإنابة أو التفويض، بل المشاركة الفعلية والبناء والتشييد، حجرة على حجرة، دون إقصاء لأي رأي أو اتجاه، حيث إن محاربة الإقصاء والتهميش بنوع آخر أقوى وأشد، رغم ادعائه بأنه "ديمقراطي" و"قاعدي" يومن بمبادئ الاتحاد الأربعة الديمقراطية والتقدمية والجماهيرية والاستفلالية ويريد تطبيقها و"تسييدها بقوة العنف والسلاح".!
وكخطوة أولى في هذا المسار الشاق والطويل، كان لا بد من إدانة العنف وسط الحركة الطلابية الديمقراطية والتقدمية بداية، ليتم تعميمه فيما بعد على الساحة الطلابية جمعاء، وأن يتم الإعلان عن هكذا قرار وإشهاره بكل الجرأة اللازمة، على مستوى جميع المواقع الجامعية النشيطة، على أن يتم تعميمه واحتضانه في المستقبل. وفي هذا السياق يلزمنا من أجل تفعيل هذا القرار وتنفيذه، الشروع في هيكلة الفصائل والمجموعات، بالشكل تفرز فيه ممثليها الناطقين الرسميين باسمها، حتى نتمرس ونتشبع جميعا بالمسؤولية وما تعنيه حقا، ونعي من خلال ذلك أهمية التنظيم ودوره، الذي سيسهل لا محالة، التحالفات، والعمل الجماعي، والنضال الطلابي الجماهيري، داخل اتحاد يسعى لتنظيم وتأطير عموم الطلبة بالجامعة.
وفي سياق هذه الهيكلة، ستوضع الفصائل والفعاليات الطلابية الديمقراطية أمام امتحان الممارسة، حيث يلزمها ذلك، بالإشراف على حملة استقبال الطلبة الجدد، ومساعدتهم على التسجيل واختيار الشعب التي يرغبون فيها، مع تدريبهم على الاحتجاج الجماعي، الواعي والمنظم، ضد جميع القرارات الإدارية المجحفة، وعلى جميع الظروف المنافية والمعرقلة لاندماج سليم بمسار الدراسة الجامعية.. حيث يلزم جميع مناضلي ومناضلات الاتحاد القيام بحملة تعريف باتحاد الطلبة إوطم، وبأساليبه التعبوية والنضالية، دون أن تكون العملية خاضعة للمنافسة السلبية، أو مناسبة لاستعراض العضلات وفرض السيطرة من طرف الأقوياء..الخ حيث يجب أن يدشن العام الجديد بصورة وحدوية جديدة، لا يلمس خلالها الطالب الجديد الصراعات والمنافسة الحادة حول مهمة تسجيله، والتي يمكن أن تحسسه أنه مستهدف وموضوع استقطاب.! فحرية الانتماء يجب أن تبقى محمية ومصونة، ثابتة في وجه جميع الأصوات رغم حسن النية وادعاء الجميع عن رغبته الصادقة لخدمة الجماهير الطلابية.. فباسم المصلحة الطلابية، وحقوق ومطالب الجماهير الطلابية، تداس الديمقراطية، وتدنس مبادؤها وقيمها علنا بالسيف والساطور، في تناقض صارخ مع هذه المبادئ وهذه الادعاءات!
فعدا الاقتتال الذي شهدت فصوله الساحة الجامعية بداية التسعينات، والذي أشعل فتيله الوافد الجديد/القديم، المتربص بالجامعة، والذي انفضحت نواياه، وانقشعت مخططاته، والتوصيات المشبوهة التي عمل جاهدا من أجل تنفيذها، والتي كان عنوانها هو منع أي شكل من أشكال انبعاث إوطم التقدمي، عبر ضرب هويته الكفاحية والتقدمية لأي نضال طلابي في الجامعة، وبالتالي تخصيب الأرض لاستنبات المخلوقات الرجعية والظلامية السافرة، في محاولة يائسة لإيقاف الزحف اليساري وتقدمه بالجامعة.. فلم تكن هناك من جدوى للعنف المستشري الآن بين الفصائل الطلابية التقدمية، عدا التواجد المحتشم في بعض المواقع، وإبداء الرغبة في المشاركة والدعم لبعض المعارك!
عدا هذا تشتعل شرارات العنف و"التأديب" العنيف بسبب التصورات والمواقف من الأوضاع السياسية في المغرب ومرتكزاتها الفكرية والمرجعية، ليتم إقصاء واستئصال الإصلاحيين والتحريفيين والشوفينيين..الخ وهي عملية غير مقبولة، وغير مشروعة داخل اتحاد طلابي يقبل بانتماء جميع الطلبة لصفوفه على أساس اعترافهم وقبولهم بقانونه الأساسي بالإضافة لمبادئه الأربعة لا غير، فالمنظمة الطلابية إوطم ليست بالمنظمة الماركسية والثورية، فهي اتحاد طلابي للجميع، لا يرفض ولا يعارض وجود الأحزاب الإصلاحية داخله، أي الأحزاب التي ترى بأن التغيير لا يجب أن يكون ثوريا عنيفا، بل يجب أن ينتهج طريق الإصلاحات، والنضال السلمي في الساحة الجماهيرية، أو عبر المؤسسات، والمشاركة في العملية السياسية الانتخابية العلنية والشرعية.. وهي كذلك أي المنظمة الطلابية إوطم، لا تناهض وجود "التحريفيين" داخل الجسم الطلابي، باعتبارهم زوّروا المبادئ والتعاليم الماركسية واللينينية، وحرفوا اتجاهها نحو المصالحة الطبقية والمهادنة..الخ! وهي معطيات فكرية وسياسية موجودة داخل الساحة الطلابية، وداخل أي مجتمع طبقي في العالم أجمع، نقبل بوجودها ونسعى للتقليل من تأثيرها، دون أن نستميت في النضال من أجل استئصالها وإعدامها، لسبب بسيط هو تمثيليتها لنزعات وفئات اجتماعية لها جذورها داخل المجتمع وعن حق..
لهذه الأسباب ولأسباب أخرى ناهضنا هذه الرؤيا وفتحنا الصراع ضد مناصريها، منبّهين الرفاق لخطورة هذا المسار الذي يريد مذهبة الاتحاد على هواه. فالصراع يجب أن يكون حول برامج طلابية واضحة وملموسة، وحول خطط لتسيير وتدبير عمل الاتحاد، لنشر الوعي في صفوف الطلاب حول أهمية الجامعة ودور التعليم في النهوض بالمجتمع وتنويره وتثقيفه، وللدفاع عن الحق في مقعد جامعي وعن المجانية، وعن الخدمات الإضافية والموازية، وعن مستقبل الطالب وربطه بالحق في الشغل والحق في التكوين الجامعي العالي..الخ أما ما يحصل الآن فهو مناقض لطبيعة الاتحاد، ولتاريخ الاتحاد، ولتراكمات الاتحاد.. فغالبية الفصائل القائدة للنضال الطلابي تفتقر لبرنامج نضالي واضح يعبر عن انتماءها لاتحاد طلابي ديمقراطي وجماهيري، يقبل بوجود الفصائل على أساس مبادئه الأربعة، وبموجب قانونه الأساسي، والذي لا يشترط انتماء الطالب لأي توجه أو فصيل، بل إن مصلحة إوطم تقتضي تشجيع التنوع الديمقراطي وتعدد الآراء داخل الإطار، لإخراج الحركة الطلابية من التقوقع والانحسار الرهيب.
فالخلافات وإن كانت عادية وموجودة، فهي لا تعني في مجملها الجماهير الطلابية العريضة، والمناضلة من أجل جامعة ديمقراطية وتعليم شعبي وديمقراطي.. فهي، أي جماهير الاتحاد المنشود، لا تطالب جميعها بالتغيير الراديكالي للأوضاع في البلاد، ولا تتشبث في نفس الوقت بالحفاظ على نفس الأوضاع المختلة في الجامعة، أي نفس السياسة التعليمية التي تنهجها الدولة، والهادفة للقضاء على مجانية التعليم، والشطب النهائي لفرص الشغل بعد التخرج.. فموضوع الخلافات سبب الاقتتال، لم يكن مرتبطا بتدبير النشاط الطلابي ونضالات الجماهير الطلابية من أجل تحسين أوضاعها، عبر تعديل شروط التدريس بالجامعة، حيث تتفق جميع الفصائل، وتجمع على مشروعية المطالب، وتدعو لخوض المعارك من أجلها.. بل كان في مجمله مرتبط بالمرجعية الفكرية، وبالخط السياسي الذي يجب أن تتبناه الحركة الطلابية، "بإجماع" و"تطويع" من المجموعة السياسية المهيمنة، كطموح ذاتي مستحيل وغير قابل للتحقيق، بعلاقة مع طبيعة الطلبة كفئة اجتماعية غير منسجمة، متعددة ومتنوعة الأصول والطموحات، ليس لها موقع في الإنتاج.. بما يصعب تصنيفها كفئة برجوازية صغيرة، تعيش وضعا انتقاليا وغير مستقر، تتداخل وتتصارع خلال عملية تأطيرها ومن أجل استقطاب طلائعها المناضلة، العديد من التيارات الفكرية والسياسية، بتنوع مشاربها التقدمية والرجعية، الإصلاحية والثورية، التنويرية والظلامية..الخ وهو المعطى الذي يفقؤ الأعين، ولا تريد أن تعترف به هذه الفصائل المهيمنة على النشاط الطلابي في الجامعة..بالإضافة لجزء كبير من التيارات الضعيفة والهامشية، إذ أن الكثير من هذه المجموعات الصغيرة التي تشتكي من الهيمنة والتهميش دون الإفصاح عن نواياها الحقيقية.. فذلك ليس لأنها غير ديمقراطية في دواخلها، ولا تقبل بالتعدد وبمعالجة الخلافات بالنقاش وبالحوار الديمقراطي والرفاقي.. هي الأخرى، بل إنها لا تعدو أن تكون سوى نسخة للاتجاهات والفصائل المهيمنة، فصائل انتهازية ووصولية، لا تفصح عن طموحاتها وتصوراتها الحقيقية التسلطية، وفق منهجية "تمسكن حتى تتمكن"، عبر الصراخ، والعويل، وإعلان التظلم..الخ
فوحدة الطلبة تفرضها موضوعيا وحدة مشاكلهم، ووحدة مصيرهم ومآلهم.. التي يجب التعبير عنها بحرية وعفوية كيفما كانت الظروف، والأوضاع، والموقع الذي يحتله التيار الطلابي المخاطب، فبدون نشر قيم الحوار والنقاش الديمقراطي في الساحة الطلابية لن نسترجع إوطم النضال، إوطم المبادئ التاريخية الأربعة.. فقد نستطيع بعث الاتحاد من جديد وبشكل ملموس اتحاد يعطي الأمل لجمهور الطلبة لنيل حقهم في التنظيم والانتظام، له القدرة الكاملة على تكسير المخططات، والمؤامرات، إذا تجاوزنا فعلا قصر النظر هذا.
فقوة التنظيم وأهليته كسلاح أثبتها التاريخ، وأكدتها المعارك الجماهيرية الناجحة، كما حصل خلال معركة الطلبة الأطباء والطلبة الأساتذة خلال هذا الموسم، والذي قدمت خلالها الجماهير الطلابية نموذجا ديمقراطيا رائعا، لتدبير الخلافات ولرسم الخطط، ولتنظيم وتعبئة القواعد الطلابية، بعيدا عن العنف والبيروقراطية والتحكم.. فإذا لم نعترف بهذا الواقع، وبهذه المعطيات، لن يكون بعدها في مستطاعنا التغلب على هذه الأزمات، ولن يتقوى عود الاتحاد، ولن ينتصر خط الوحدة والديمقراطية، والقبول الرفاقي المبدئي، بالخلاف.. وستظهر بين الفينة والأخرى المعارك والحروب الشعواء والهوجاء، حول مواضيع ومشاكل تافهة، هامشية وصبيانية.. تبدأ صغيرة، لتكبر ككرة الثلج تدحرجها أيادي الأنصار، وجميع التافهين المتربصين بالحركة، والمعيقين لديناميتها في الاتجاه الصحيح، وفق منهجية "أنصر أخاك..." مثل ما وقع بوجدة وقبلها بمراكش والآن بالقنيطرة..الخ إذ المطلوب هو عدم التشويش على الطلبة أثناء الدرس بالأقسام والمدرجات وقاعات المطالعة، وبأن ترقى العلاقات بين الطلبة والطالبات إلى مستوى راق لا يقبل بالتحرش الساقط، المبني على الذكورية أو الإقليمية أو العنصرية أو الشوفينية..الخ وإذا حصل احتكاك ما، يفصل الأمر بالحوار وبتدخل من ممثلي الطلبة في الكلية أو الحي الجامعي، ويقع الصلح ويتم الاعتراف بالخطأ عوض الحشد والتهييج ودق طبول الحرب.. وهو الشيء الذي طالما عاش فصوله الاتحاد، وعالجه بالطرق الديمقراطية الملائمة، التي لم تترك حينها الفرصة لصحافة الرصيف بأن تنهش في لجم الطلبة، وطلائعهم المناضلة، عبر تقديم التقارير والملفات بشكل مشبوه ومخدوم يكون الغرض منه هو ترسيخ فكرة مغلوطة عن النموذج اليساري وعن مواقفه وممارساته.. باعتباره هو نفسه المتحرش بالطالبة، والمستفز للطالب الأمازيغي والمحتقر للأديان والتدين بشكل فج..الخ هو يدعي القبول بالاختلاف لكنه متشدد و"ستاليني" لا يومن سوى بالرأي الواحد، والموقف الواحد، والتصور الواحد.. مهووس بالعنف ويمارس الدكتاتورية والقمع والاستئصال..الخ فهل نحن معشر اليساريين هكذا؟ أهذا هو نموذج المناضل اليساري من أجل الحرية والديمقراطية والاشتراكية؟ أليس هذا نموذج آخر غير الذي نعرفه ونحتك به في الساحة، المناضل الذي ينخرط في النقاش والمقارعة النظرية والسياسية لساعات من أجل الشرح والإقناع، دون الحاجة للسيف أو الزبّارة؟! كلاّ ثم كلاّ فليس جميع الطلبة والمناضلين من هذه الفئة الضالة عن قيم الاتحاد العريقة، التي أفرزت الكتاب والأدباء والنقاد والشعراء والسينمائيين ورجال المسرح والمغنين والفكاهيين.. في عز فترات القمع والاختلاف والجّز في الأقبية المظلمة.. يومها كان الطلبة المناضلون يؤسسون الجمعيات والنوادي الثقافية والمسرحية والسينمائية، بالأحياء الشعبية إلى جانب التلاميذ والشباب العامل والعاطلين والمثقفين، يدخلون السجن والمعتقلات لهذه الأسباب ولأسباب أخرى، عبّرت عن سخطهم من سياسات النظام القائم وممارساته الاستبدادية والقمعية، وبالتالي عن رغبتهم في العمل الثوري لإسقاط النظام..الخ فليس هكذا كنا، ولن نكون سوى يسار مناضل حقيقي، يسار يشبه إلى حدّ ما يسار 65 ويسار 70/72.. اليسار الذي أفرز الشهداء زروال وسعيدة وحال وكرينة والبريبري والدريدي وبلهواري وشباضة..الخ
فلن نركع لهذه الحملات المشبوهة التي تحاول تزوير الحقائق والتاريخ، بمعطيات هامشية، تمارسها أقلية ضالة عن المبادئ التي نهتدي بها.. فهي بمثابة الشجرة التي يحاول البعض إخفاء الغابة بها، غابة التعدد والتنوع الفسيحة، والمفتوحة عن آخرها للجميع.
بهذه المساهمة البسيطة وعبرها، نكون قد أكدنا على سمو مبادئ وقيم الخط القاعدي وعلى مشروعية خط الوحدة، وعلى مطلب إعادة بناء الاتحاد، وهيكلته بشكل ديمقراطي وجماهيري، أي بالشكل الذي سيساعد الحركة على النمو وتصليب عود الذات، لاسترجاع المكاسب، ولنتقدم في النضالات الطلابية المشروعة، وفق الأسس والمبادئ المعروفة في تراث وتاريخ الاتحاد، وعلى القيم الديمقراطية والنقاش والحوار بين المكونات ومع الطلبة والطالبات.. بهدف إعادة اللحمة للاتحاد، وبعثه كتنظيم يحشد الصفوف ويقاوم المخططات، وتكسر على صخرة صموده جميع المؤامرات الرجعية والإمبريالية.. وعاش الاتحاد.

انتهى

مصطفى بنصالح
ماي 2016

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول