البؤساء.. وعمل قوة التغيير بفعل المحبة... !!! ؟؟؟

مريم الصايغ
2013 / 1 / 12

تعرفت بسن صغيرة جدا.. على بؤساء، و أحدب نوتر دام للفرنسي المبدع فيكتور هوجو.
و تمتعت بالكثير من الروائع الخالدة للقرن التاسع عشر، من المرحوم عمي
-رحمة الله عليه-
كان الطفل الأوسط المميز بين ثلاثة أشقاء، أديب رقيق المشاعر، ذو ذائقة أدبية مميزة.
يعشق الترحال ويتكلم بعدة ألسنة، يشدو ويرتجل الشعر بكل أريحية.
ويروي ويكتب القصص بأسلوب التشويق والمزج بين الحاضر والماضي و استقاء العبر لرسم مستقبل أروع.
غرس بداخلي بزار الإبداع بسن مبكرة جدا، لذا لم يستطيع حزنا ما، أن يقتلعها يوما.
لم يدخل لقلبي يوما، تفاصيل الشر الدخيلة ع طبائع البشر،
أو يؤذيني بتفاصيل محزنة للظلم الاجتماعي الذي تمارسه المجتمعات على مواطنيها.
لكنه أهتم أن يظهر لي أن حتى مواطن، ومدن الجمال، و السحر، والثقافة، والنور.. تستطيع أن تكون بؤر للقبح.
لذا، يجب علي أن لا أنخدع بالمظاهر الخارجية، ولا أستسلم للحزن،
بل استقى من المأساة العبر، وأبحث عن بارقة الأمل، والخير، والحب بكل النفوس، والأشياء، والأماكن.
لذا، تعرضت بطفولتي للبرمجة والشحن الإيجابي بقوى الطاقة السحرية من عمي، الذي مثل تأثير أسرة الوالد
بكل ما تحمل من مفاهيم.. القوة، والعزة والأصل، بلاغة التحليل والنقد البناء.
ومن جدتي، التي مثلت تأثير أسرة الأم بكل ما لديها من حنان، كرامة، جمال أخلاق ورغبة دائمة بالعطاء.
وكان أبي و أمي يمنحان النصح والإرشاد، والحكمة، و يزرعان بزار الإبداع، وينميان الثقة الواعية.
فتم إعدادي بكل سلاسة لأكون أنا ما عليه، أديبة صحافية كتبت الشعر والقصة والرواية،
أستاذة لاتيكيت التقديم التليفزيوني،
عاشقة للوطن وفاعلة بمؤسسة مدنية لتنمية الإبداع العربي،
خبيرة لاتيكيت العلاج بالطاقة الحيوية وناقدة للكثير من الخزعبلات التي أدخلت عليها،
خبيرة باتيكيت التنمية البشرية لإعداد أجيال قادرة ع الإبداع وليس النجاح فقط.
لكل ما سبق كان لبؤساء les miserables هوجو الأشهر بين روايات القرن التاسع عشر
التي نقدت الظلم الاجتماعي بفرنسا بالفترة من سقوط نابليون في 1815 والثورة ضد الملك لويس فيليب في 1832مكانة داخلي.
جعلت عبارات هوجو ترسم مدن أرتحل إليها، وحروفه أوتار تعزف موسيقى الإبداع داخلي.
فما أروع أن تقرأ لرجل يمارس الرومانسية، ليرتكب فعل الكتابة عميقة العشق و بصيرة الرؤى.
يجل حواء و يكتشف خبايا العالم من خلال حديث عيناها.
كما عبر هوجو عن بناء اجتماعي اشتراكي مكتمل الفكر، يحمل بين طياته المتناقضات المتوازية بالمجتمع.
كتب خلاله عمن يعيشون بفقر شديد وخارج نطاق اهتمامات المجتمع..
فلدينا جائع سارق" جان فالجان" والشرطي "جافيير"، سجن ودير، بؤس و غنى، شرف و خلاعة، ظلم وعدل، ثورة و معركة ومتاريس.
إنقاذ كوزيت وموت فانتين.
فرار سارق من الشرطي، وتسليم نفسه وهو ذو جاه لكي لا يظلم بريء.
تخليص جافيير الشرطي و إنقاذ ماريوس.
لم يتناول هوجو قصة عن معتادي الإجرام، والقلوب التي لا تحمل الخير!
بل كتب بأسلوب أديب وفكر ناشط للإصلاح المجتمعي، وطبيب يعرف أمراض المجتمع،
رواية عن فقراء يمرون بلحظات ضعف لظلم و إجحاف الوطن لحقوقهم كمواطنين.
قصد بكل براعة من خلال روايته أن يحدث نوع من استيقاظ الضمير المجتمعي للشعور بمعاناة الفقراء.
ولعل هذه الفكرة ذاتها التي سيطرت على عندما كتبت مجموعتي القصصيتين
"لحظات من الضعف الأولى والثانية"،
إيمانا مني أن لحظات الضعف قد تغير في تصرفات الإنسان لوهلة، لكن طبائعه الخيرة الأصيلة تعيده لمساره الحقيقي.
فهوجو من خلال بطلة الذي دار داخله صراع الضمير ما بين الحلال والحرام و عوز الفقر و التهميش المجتمعي،
في ظل التزام أخلاقي تجاه أبناء شقيقته!
ليختار الضعف ويسرق ويعاقب بالسجن ليعود للمجتمع موصوم بوصمة عار السجن ليذهب للدير ويسرق من جديد.
لكن محبة رجل الدين الساتر عليه تكون لها قوة سحر التغيير، و تحوله لإنسان محب شريف يجاهد سقطاته وينتصر عليها.
فينهض من فقر الذات، وتهميش فقر المال.. لغنى النفس الشبعانة بالخير.
و يصبح العمدة مادلين ويتحمل عبء تربية كوزيت بعد أن توفت والدتها بداء السل.
فعمل الطاقة الإيجابية لفعل الخير والمحبة، تغير النفوس الضعيفة وتجعلها قادرة ع الحب والعطاء وبذل الذات من أجل الجميع.
هذا الدرس تعلمته مبكرا جدا من فيكتور هوجو.

لذا، كنت أترقب كل طرح لرواية البؤساء منذ حكى لي عمي عن الطرح المصري لعام 1943
بطولة عباس فارس، أمينة رزق، زكي رستم،سراج منير ثم طرح فريد شوقي للقصة ذاتها.
وتمتعت بعدد من الرؤى العربية و الأجنبية تحليلا صادقا لسنوات الغضب التي أدت للثورة الفرنسية!
منها رؤية المخرج بيل أوجست عام 1998 من بطولة ليام نيسون، وأوما ثورمان وجيوفري راش،
وتمتعت برؤى البؤساء أكثر من مرة في السينما الفرنسية..
حيث قام الممثل جيرارد بارديو بتجسيد شخصية جان فالجان،
ثم تبعه الممثل جان بول بولموندو بتقديم نفس الشخصية في فيلم أخرجه "جودار.

إلى أن قامت شركة يونيفرسال بطرحِ دعايات وأخبار لفيلم البؤساء 2012
وكثر الحديث والنشر عن عرض نيويورك السري الخميس 22 نوفمبر للنقاد بمركز لينكولن نيويورك،
وتشوقت لمشاهدته من الشهادات التي قيلت فيه.
إلى أن عرض في ليستر سكوير لندن بالكريسماس وبدأت الروعة..
واو، ما هذه التحفة الغنائية التلقائية الرومانسية الدرامية المذهلة!!!
الجملة الأولى التي قلتها بمجرد انتهاء العرض.. حاصد جوائز الاوسكار توم هوبر قرر أن يقتنص من جديد.
اختيار هوبر المذهل لأبطاله.. آن هاثاواى، هيو جاكمان، راسل كرو، اماندا سيفريد،
ساشا بارون كوهين، هيلينا بونهام كارتر، سامانثا باركز وايدي ريدماين
كان عبقرية منه، لأنهم جميعا ممثلين يجمعون بين الحرفية العالية في الأداء، والأداء المسرحي الغنائي.
فلم يحتاج لاستخدام تقنية البلاي باك التي تضر كثيرا بإحساس المشهد،
فشاهدنا أحاسيس وانفعالات مباشرة ممتعة ذات ذائقة مميزة ذادت من استمتاعنا بالكثير من المشاهد.
و تميز اختيار توم هوبر ل آن هاثاواي، لتؤدي دور فانتين -فتاة المصنع-
بعبقرية، فهي مغنية مسرح مبدعة وتعشق عملها و تتفانى فيه.
لذا احتملت آلام فقدان أثني عشر كيلوجرامًا من وزنها الأساسي،
وتحملت الكثير من الألم و الضعف لتصل للوزن المطلوب.
كما تحملت قص شعرها و فقدانه، ليخرج العمل بكل هذه الروعة.
أماكن التصوير.. كانت مستوحاة من روح المدينة القديمة، من خلال صور المصور تشارلز مارفل النادرة،
التي قام بتصويرها قبل أن يتم تدمير المدينة.
سيناريو.. هربرت كريتزمير، ألان بيوبليل كان درامي، رومانسي، ممتع في سياق هوجو المميز.
صورة.. داني كوهين خطفت الأبصار.
مونتاج: كريس ديكنز، ميلاني اوليفر كانا ممتعين وذو إيقاع مميز.
ديكور: جون بوتون، لي براينت، ستيفن دويل معبر للغاية و نقلنا عبر الأجواء المختلفة ببراعة.
مدة عرض الفيلم مائة وستون دقيقة، تنقلت خلالها بين عوالم مختلفة،
واسترجعت خلالها ذكريات طفولتي الرائعة، وتنقلت خلال دهاليز القرن التاسع عشر أتمتع بذائقة هوجو الرومانسية
ومشاعر كوزيت و ماريوس الثائر، وروعة البناء الدرامي وعذب الغناء.
لتتأكد بنهاية الفيلم.. حقيقة أن التاريخ سلسلة من العبر، يجب أن نستقي الموعظة والحكمة، لنعرف كيف نعيش تجربتنا الخاصة.
فالتاريخ يعيد نفسه مهما اختلفت الأزمان، و الأماكن، والإبطال لأن طبيعة البشر ثابتة لا تتغير.
فما حدث يوما ما بفرنسا قد أعيد إنتاجه ببلدان "الربيع العربي" بفعل الظلم، والقهر، والإذلال.
بؤساء توم هوبر فيلم مشاهده..
تغلفها المعاناة، والدراما، والحب، فنعيش ملحمة يتوجها الشجن النبيل.
لذا، لم يحصد البؤساء الأموال فقط بتصدره إيرادات الكريسماس والأيام التي تلتها،
أو قد يحصد أو يترشح لبضع جوائز بالاوسكار، "ترشح لها ولم يحصدها"
لا.. بل حصد قلوب مشاهديه.
كليوباترا عاشقة الوطن، د. مريم الصايغ.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية