|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسن مدبولى
2026 / 8 / 6
هناك فارق جوهري بين الخطأ في التقدير السياسي وبين الخيانة الصريحة. فالخطأ قد يكون نتيجة قراءة غير دقيقة للواقع، أو اضطرار تفرضه موازين القوى والظروف القاسية، وقد يثبت الزمن صحته أو عدم صوابه، أما الخيانة فهي قرار واعٍ بالانقلاب على الوطن أو الحلفاء، وتقديم مصالح الخصوم والأعداء على المصالح الوطنية والقومية مقابل مكاسب شخصية أو سياسية أو سلطوية ،
والخلط بين هذين المفهومين أصبح أحد أخطر أمراض الخطاب السياسي في منطقتنا، إذ تحولت تهمة "الخيانة" لدى البعض إلى سلاح جاهز يُشهر في وجه كل مخالف، أو خصم أيديولوجي، بدلاً من مناقشة السياسات والاستراتيجيات، والنتائج بموضوعية،ومن هذا المنطلق، اندفع كثيرون إلى إصدار أحكام قاطعة على الرئيس السوري أحمد الشرع، استنادًا إلى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين أو أمريكيين، وكأن أقوال الخصوم أصبحت وثائق إدانة لا تقبل الطعن.وهى منهجية تفتقر إلى أبسط قواعد التحليل السياسي؛ فالدول، في أوقات الصراع، تمارس الحرب النفسية، وتطلق الرسائل المتناقضة، وتتعمد تضليل الخصوم والرأي العام لتحقيق أهدافها، ولا يجوز تحويل كل تصريح يصدر عن مسؤول معادٍ إلى حقيقة نهائية.
علما بأن تلك الظاهرة ليست جديدة على منطقتنا . فقد تعرض الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر لحملة مشابهة، عندما روج البعض لسنوات أن ثورة يوليو كانت "صناعة أمريكية". لكن تطورات الأحداث، والصدام الذي وقع لاحقًا بين القاهرة وواشنطن، وما تعرضت له مصر من حصار وضغوط وعدوان، أثبتت أن الواقع كان أكثر تعقيدًا من تلك الروايات التلفيقية ، وأن كثيرًا من الادعاءات السياسية لا تصبح حقائق تاريخية لمجرد أنها وردت في مذكرات أو تصريحات أجنبية ،،
بل واعتبر البعض أن الضغوط العسكرية والأمنية التي تتعرض لها سوريا ، بما في ذلك الضربات والتدخلات الإسرائيلية المتكررة، تفضى حتما إلى استنتاج أن النظام السوري متواطئ أو "عميل" لانه لم يرد بشكل عسكرى مباشر،
و هو استنتاج لا يسنده منطق سياسي أو عسكرى . فمن الطبيعي أن تستخدم أي قوة معادية الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية لإخضاع خصومها أو ابتزازهم، لكن مجرد وقوع هذه الضغوط لا يثبت، في حد ذاته، نجاحها، ولا يؤكد قبول الطرف الآخر بها أو خضوعه لها.حتى لو التزم تكتيكيا بعدم الرد المباشر، لانه ببساطة لم يحكم بعد، ولم تمر عليه فى السلطة سوى أشهر معدودة، وسط واقع سورى منهار عقب حرب أهلية استمرت لسنوات ، وهو أمر لايقارن بما كان يفعله نظام حكم البعث الذى استمر اربعين عام، يتلقى الضربات ثم يؤكد على الاحتفاظ بحق الرد على الاعتداءات الصهيونية فى الوقت المناسب !؟،
لكن المفارقة الاهم واللافتة للنظر أن الرد على المزاعم الأمريكية بهجوم من سورية ضد حزب الله ، التي تلقفها البعض وتعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، لم يأتِ من أحمد الشرع وحده حيث نفى الرجل تلك المزاعم، بل جاء أيضًا من الجهة التي ظل هؤلاء يرددون ليل نهار أنه يستعد لمواجهتها ومقاتلتها .
حيث وجّه الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، رسالة سياسية مباشرة لا تخلو من الدلالات، عندما أعلن التوجه إلى التواصل مع المسؤولين السوريين وفتح صفحة جديدة من الحوار. وهي رسالة تعكس إدراكًا بأن الخلافات، مهما بلغت، لا تلغي حقيقة أن الاحتلال الإسرائيلي يظل التهديد الأكبر، وأن السياسة الرشيدة تبحث عن نقاط الالتقاء كلما أمكن، لا عن توسيع دوائر الصدام بلا نهاية.
فإذا كان الأمين العام لحزب الله نفسه لا يتعامل مع الدولة السورية الجديدة بمنطق القطيعة المطلقة، بل يتحدث عن التواصل والحوار، فلماذا يصر بعض المتحمسين( قصيرى النظر ) على تخوين أحمد الشرع أكثر من أصحاب القضية أنفسهم؟
ولماذا يغلقون أبواب السياسة، بينما يترك أصحاب الشأن أنفسهم بابها مفتوحًا؟
إن هذه الرسالة من الامين العام لحزب الله لا تعني بالضرورة انتهاء الخلافات بين سورية والحزب ، ولا تعني ولادة تحالف جديد بين الشيخ نعيم والشيخ الشرع ، لكنها تؤكد حقيقة لا ينبغي تجاهلها، هى أن السياسة لا تُدار بمنطق الثأر والهوى والكراهية والبغض أو الحب ، وإنما بمنطق المصالح، وموازين القوى، وترتيب الأولويات.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |