معاهدة بريست-ليتوفسك: بين ضرورات البقاء السياسي وكلفة التنازلات الإقليمية

زيد نائل العدوان
2026 / 8 / 6

شكّلت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 نقطة تحول مفصلية في التاريخ الحديث، إذ وجدت الحكومة السوفيتية الجديدة نفسها أمام تحديات وجودية هائلة؛ أبرزها استمرار الحرب العالمية الأولى واستنزاف الجيش والاقتصاد.
وفي هذا السياق برز قرار السعي إلى السلام مع ألمانيا وحلفائها بوصفه خيارًا مثيرًا للجدل، انتهى بتوقيع معاهدة بريست-ليتوفسك عام 1918؛ فقد انقسمت القيادة البلشفية حول هذا القرار بين من رأى فيه ضرورة لإنقاذ الثورة، ومن اعتبره تنازلًا يمس سيادة الدولة ومكانتها، ومن هنا تبرز الإشكالية الآتية: إلى أي مدى كان توقيع معاهدة بريست-ليتوفسك ضرورة استراتيجية للحفاظ على الثورة البلشفية، رغم الخسائر السياسية والإقليمية التي ترتبت عليها؟
عقب نجاح الثورة البلشفية، واجهت الحكومة السوفيتية واقعًا عسكريًا بالغ الصعوبة، فقد كان الجيش الروسي منهكًا نتيجة سنوات الحرب، بينما تراجعت قدرته على مواجهة القوات الألمانية التي كانت تحقق تقدمًا مستمرًا، وفي ظل هذه الظروف، رأى فلاديمير لينين أن استمرار الحرب سيؤدي إلى انهيار النظام السوفيتي الوليد، ولذلك دعا إلى إبرام السلام حتى وإن كان بشروط قاسية، مؤكدًا أن الحفاظ على الدولة الجديدة أولى من مواصلة حرب لا تمتلك روسيا مقومات الانتصار فيها.
وانطلاقًا من هذا التصور، أصدر مؤتمر السوفييت مرسومًا يدعو إلى سلام ديمقراطي دون ضم أراضٍ أو فرض تعويضات، كما شرعت الحكومة في إجراء مفاوضات مع القوى المتحاربة، إلا أن هذه المبادرات لم تلقَ استجابة من دول الوفاق، في حين استغلت ألمانيا عزلة الحكومة السوفيتية وفرضت شروطًا تفاوضية قاسية خلال مفاوضات بريست-ليتوفسك.
وقد شهدت القيادة البلشفية خلافات حادة بشأن كيفية التعامل مع المطالب الألمانية، فبينما أصر لينين على ضرورة القبول بها حفاظًا على الثورة، تبنى ليون تروتسكي سياسة "لا حرب ولا سلام"، في محاولة لتجنب التوقيع دون استئناف القتال، غير أن ألمانيا استأنفت هجومها العسكري، الأمر الذي أجبر القيادة السوفيتية على قبول شروط أكثر تشددًا مما كان مطروحًا في البداية.
وأفضت المعاهدة إلى خسائر كبيرة بالنسبة لروسيا، إذ فقدت مساحات واسعة من أراضيها، إلى جانب ملايين السكان، وعددًا كبيرًا من الموارد الطبيعية والمراكز الصناعية المهمة، وقد اعتُبرت هذه المعاهدة من أكثر الاتفاقيات قسوة في ذلك الوقت، وأثارت معارضة داخل الحزب البلشفي نفسه، إلا أن لينين ظل متمسكًا برأيه، معتبرًا أن هذه التضحيات مؤقتة، وأن كسب الوقت لإعادة بناء الدولة والجيش يمثل الهدف الاستراتيجي الأهم.
وفي المقابل، يرى أنصار هذا القرار أن المعاهدة منحت الحكومة السوفيتية فرصة لإعادة تنظيم مؤسساتها، وترسيخ سلطتها، والبدء بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما ساهم في بقائها رغم الظروف الصعبة، أما المعارضون، فقد رأوا أن حجم التنازلات الإقليمية والاقتصادية كان يفوق المكاسب الآنية، وأنها أضعفت مكانة روسيا على الساحة الدولية.
إذًا، يتضح أن معاهدة بريست-ليتوفسك لم تكن مجرد اتفاقية سلام، بل كانت قرارًا استراتيجيًا فرضته ظروف استثنائية واجهتها الدولة السوفيتية الناشئة، فرغم ما ترتب عليها من خسائر إقليمية واقتصادية وسياسية كبيرة، فإنها أسهمت في منح الحكومة البلشفية الوقت اللازم لتثبيت أركانها وإعادة بناء مؤسساتها، وبذلك يمكن القول إن نجاح الثورة في الاستمرار ارتبط، إلى حد كبير، بقدرة قيادتها على تغليب اعتبارات البقاء السياسي على المكاسب العسكرية المؤقتة، وهو ما يجعل هذه المعاهدة مثالًا بارزًا على تعقيد العلاقة بين المبادئ السياسية ومتطلبات الواقع التاريخي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن