أيلول.. الدور الثالث والغش العلني

حسن الشرع
2026 / 8 / 6

​ليس هناك أصدق من النظام التعليمي العراقي بعد عام 2003 لفك شفرات السياسة وتكتيكات إدارة الأزمات؛ فهو النظام الوحيد الذي أثبت أن الإخفاق في "الدور الأول" ليس سوى تكتيك مدروس للوصول إلى نجاح باهت ومُصنّع في "الدور الثالث"... شريطة أن تتوفر في القاعة أدوات الغش الحديثة، وربما تهاون المراقب!
​وقف الرئيس أمام الشاشات، في حضرة "شيخ شيوخ المقاولات" وعميد الإتاوات، ليحدد أول أيام الخريف موعداً حاسماً لنزع الكمامات، فابتسم الشارع ابتسامة العارف بالخبايا. الخطوة الأولى للنجاح هي أن تحرز سعياً بالدرجات يكفيك لحسم هذا الامتحان الصعب من "الدور الأول" بعلامة كاملة وبلا تأجيل. لكن الموعد أطلّ واقترب، ليتبين أن الرئيس دخل القاعة بلا تحضير، بل بلا هوية طالب؛ بانتظار معجزة من المعجزات في قاعات الاجتماعات، ونجاحٍ لا يأتي بالتحضير والدرس، بل بـ "أدعية النازعات والنازلات".
​في الثقافة السياسية المدرسية السائدة، الموعد النهائي يشبه موعداً مع "حلاق إشبيلية". السياسيون في مدارس مقاولات العقارات يتعاملون مع "الكمامات المقدسة" تماماً كما يتعامل الطالب الراسب مع المنهج الدراسي التقليدي؛ لا رغبة في القراءة، بل اعتماد كامل على "البراشيم" المهربة عبر شفرات آذان الهواتف المبعثرة على جدران القاعات، وتطلع نحو مراقب القاعة الذي يتظاهر بالعمى التام إرضاءً لمدير القاعة الامتحانية، بأوامر شفوية لمطالب شخصية.. دولية بل وكونية، لترصين الحالة الأكاديمية!
​تخيل كواليس "امتحان أيلول":
يجلس طالب الفصل في مقعده، الكمامات مبعثرة على الطاولة أمام الجميع، بينما يقف مراقب سير الامتحان (وهو يمثل شرعية الموقف وروح المجتمع الدولي كما يروق له) مبتسماً، ينظر إلى السقف، مشغُولاً بتعديل ساعته. الغش علني، والكل يتبادل الأجوبة والتعهدات، بل إن الطالب يلوح بـ "البرشامة" أمام كاميرات المراقبة، والمؤسسة العليا المقدسة برمتها تدعو له بالنجاح الباهر؛ لأن رسوبه يعني كشف مستور الجميع وإسقاط هيبة النظام التعليمي برمته!
​الخطورة هنا ليست في الرسوب الأخلاقي للعملية الامتحانية، بل في أن نزع الكمامات كان يقتضي تعرية مراكز القوة في انتشار العدوى وصنع سيادة حقيقية ليس فيها منازع، لا نزع ما يستر العورات التنظيمية أمام العالم. المدرسة تريد إقناع شيخ الشيوخ بأنها أجرت "امتحاناً صارماً وزفّت الناجحين"، بينما الواقع يشهد أن النجاح تحقق عبر سماعة أذن لاسلكية، و"خمس درجات قرار" أُضيفت قسراً على ورقة إجابة فارغة.
​وهكذا تتحول السياسة إلى مدرسة تضمن النجاح الترقيعي للجميع؛ لا أحد يرسب، ولا أحد ينزع كمامته، والدور الثالث جاهز دائماً لاستيعاب المتأخرين... لحين إشعار آخر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن