العلم الذي يحمله الزائر... هوية لا سيادة بديلة.

هاشم معتوق
2026 / 8 / 5

رفع الأعلام من قبل الزائرين والسياح... تعبير عن الهوية لا انتقاص من الوطن

تثار بين الحين والآخر تساؤلات حول قيام بعض الزائرين أو السياح برفع أعلام بلدانهم على سياراتهم أو دراجاتهم أو في أماكن إقامتهم المؤقتة. ويرى البعض في ذلك مساسًا بهيبة الدولة أو انتقاصًا من رموزها الوطنية، بينما تبدو المسألة، في حقيقتها، أكثر بساطة مما يُتصور.
فعلم الدولة المضيفة هو الرمز الرسمي للسيادة، ولا خلاف على وجوب احترامه بوصفه عنوانًا للوطن ومؤسساته وقوانينه. لكن رفع السائح أو الزائر لعلم بلده لا يعني منافسة هذا الرمز ولا التقليل من شأنه، وإنما هو تعبير طبيعي عن الهوية والانتماء، تمامًا كما يحمل الإنسان لغته وثقافته وعاداته أينما ذهب.
في مختلف دول العالم نشاهد قوافل سياحية تجوب الطرقات، وقد زُينت سياراتها أو دراجاتها بأعلام بلدانها. كما نرى في الملاعب الرياضية آلاف المشجعين يرفعون أعلام أوطانهم دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه خروجًا على احترام الدولة المستضيفة. بل إن هذا المشهد أصبح جزءًا من الثقافة العالمية، يعكس التنوع والتواصل بين الشعوب.
ومن هنا، فإن منع السائح أو الزائر من رفع علم بلده، ما دام ذلك يتم في إطار سلمي ويحترم قوانين الدولة، قد يكون مبنيًا على فهم غير دقيق لطبيعة هذا السلوك. فالفرق كبير بين استخدام العلم للتعبير عن الهوية الشخصية، وبين استخدامه لأغراض سياسية أو تحريضية أو تمس النظام العام.
إن الدول الواثقة بنفسها لا ترى في هذه المظاهر تهديدًا، لأنها تدرك أن سيادتها تستند إلى القانون ومؤسساتها واحترام مواطنيها، لا إلى منع سائح من وضع علم صغير على مركبته. بل إن حسن استقبال الزائر واحترام خصوصيته الثقافية يعكسان صورة حضارية عن البلد، ويتركان في نفسه انطباعًا طيبًا يعود بالنفع على سمعته السياحية والإنسانية.
وربما يكون من المفيد أن تتوافر توجيهات واضحة بهذا الشأن، حتى لا يقع بعض الموظفين أو أفراد الأجهزة التنفيذية في اجتهادات شخصية تختلف من مكان إلى آخر. فوضوح التعليمات يحفظ هيبة الدولة، وفي الوقت نفسه يحترم حقوق الزائر ويعزز ثقافة الضيافة التي عُرف بها العراق عبر تاريخه.
إن الأعلام التي يحملها السياح ليست هي التي تصنع قوة الدول أو تضعفها. قوة الأوطان تُبنى بالعدالة، وسيادة القانون، والثقة بالنفس، والانفتاح على العالم. أما احترام هوية الزائر، ما دامت لا تتعارض مع النظام العام، فهو دليل على وطن واثق من نفسه، لا يخشى الرموز، بل يرحب بالناس ويحتفي بالتنوع الإنساني.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن