|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عادل منصف
2026 / 8 / 3
في مقاله الرمزي المليء بالشجن والمثقل بمرارة الذكرى، يعيد الكاتب سفيان مرزا صياغة مأساة سقوط الموصل واجتياح شنكال عام 2014 عبر إسقاط فلسفي حاد، يختزل الصراع في جغرافيا العراق المعذب في صورة "صراع آلهة" طائفية وإقليمية ودولية جعلت من الإنسان الإيزيدي الأعزل ضحيتها الجاهزة. ورغم نبل العاطفة الإنسانية التي انطلق منها مرزا في رثاء الضحايا، إلا أن القراءة الفكرية الرصينة للمشهد تستوجب تفكيك هذه الرموز ومواجهة النزعة العدمية بطرح يضع الحقائق في نصابها التاريخي والسياسي.
أولاً: تفكيك المجاز.. بشرٌ نَحَروا المشترك وليس "الآلهة"
إن الجناية الكبرى التي وقعت على أرض نينوى وسنجار لم تكن نتاج "تحالف آلهة فوق" أو صراع قيم مطلقة كما صورها المقال، بل كانت نتاجاً مباشراً لـ"فاشية بشرية وأيديولوجيات متطرفة" استغلت المقدس الديني كغطاء بريء لتمرير مصالح جيوسياسية ونزعات سلطوية مريضة. الوحش السنّي أو الشيعي أو غيره في القاموس السياسي ليس تجسيداً للمكونات الإنسانية الدينية الأصيلة، بل هو اختطاف لضمير هذه المكونات من قبل جماعات توظيفية أفرغت الدين من محتواه الأخلاقي. إن طعن المضيف الغادر لم يكن يمثل طائفة، بل كان يمثل انحرافاً فكرياً فاشياً يُلغي الآخر لمجرد الاختلاف.
ثانياً: وهم العواصم.. وحتمية دولة المواطنة والقانون
يشير مرزا بأصابع الاتهام إلى عواصم القرار الدولي والإقليمي (بغداد، واشنطن، طهران، أنقرة) كشركاء صامتين في "حفلة الذبح الجماعي". والرد الفكري هنا لا ينكر التواطؤ أو العجز السياسي لتلك الأطراف، لكنه يرفض الاستسلام للنتيجة؛ فسقوط شنكال أثبت تاريخياً وعملياً أن "الأخلاق بلا سلطة تحميها تصبح لقمة سائغة للوحوش"، وأن "سذاجة الملائكة القديمة" والاستجداء الأخلاقي لا يمكنهما الصمود أمام جبروت السلاح المتطرف. الملاذ الحقيقي والوحيد لحماية الأقليات والمكونات التاريخية في الشرق الأوسط ليس الرهان على ضمير العواصم الخارجية، بل هو الإصرار على بناء "دولة المواطنة القانونية الصلبة" داخل الحدود؛ الدولة المدنية التي تحول قيم التعايش من نوايا طيبة إلى نصوص دستورية رادعة وقوة سيادية تحمي الجميع تحت سيادة القانون.
ثالثاً: معركة التحرير.. دماءٌ سالت لتطهير الأرض والضمير
لقد عاتب الكاتب ما أسماه "الإله الكردي" وجلساته فوق الجبل محتسياً الشاي وسط صدمة المجزرة. وإذا كان التردد والانكسار العسكري قد حدثا في اللحظات الأولى للصدمة بسبب تعقيدات الميدان وغدر التنظيم الإرهابي، فإن إنصاف التاريخ يقتضي التذكير بأن الضمير الإنساني والوطني لم ينم طويلاً؛ إذ سالت لاحقاً دماء تلاحم فيها المقاتل الكردي والعربي، المسلم والمسيحي والإيزيدي، في معارك تحرير شرسة طهرت تراب شنكال والموصل من دنس الإرهاب، وأسفرت عن تضحيات جسام لاستعادة المختطفات وتخليد ذكرى الشهداء، مما يثبت أن "الإنسان قد يحمي الإنسان" عندما تنتظم الإرادة الوطنية.
خاتمة: الأمل في مواجهة العدمية
ينتهي مقال سفيان مرزا بنبرة عدمية سوداوية تعلن استمرار الحرب المذهبية التي لا تترك للإنسان سوى صورة على قبر. لكن الرد الفكري الأقوى على هذه السوداوية هو الرفض المطلق لتبني يأس الجناة؛ فالتاريخ لا يتوقف عند المقابر، والإيزيديون الذين استُهدفوا لأنهم آمنوا بالإنسان، سيبقون برصيدهم الأخلاقي النقي رمزاً لصمود هذه الأرض. الرد الحقيقي على المجزرة يكون بتحويل ذكراها إلى حجر أساس لبناء جبهة داخلية محصنة بالفكر والأمن الفكري، لتبقى الأوطان عصية على التفتيت والتقسيم، ولتظل الهوية الجامعة هي خيارنا الوجودي والوحيد للمستقبل.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |