|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 8 / 3
ما نسميه سماء، وقرًا في الأذهان واستقرارًا، ليس إلا غلافًا جويًّا رقيقًا من الغازات، يُجلّيه تشتت ضوء الشمس لنا في أبهى لون أزرق.
هذا ما تقرره الحقائق العلمية؛ فهي تنفي وجود سماء صلبة كالسقف، إذ ذاك مفهوم بشري عتيق.
ويكشف العِلم عن فضاءٍ رحيبٍ، يزخر بالنجوم والكواكب والمجرات.
في الاتجاه المعاكس لما سبق، تصور بدوي الصحراء في أزمنة غابرة أن ما يراه باللون الأزرق فوق الأرض سماء صلبة كالسقف مزينة بمصابيح خُلقت بعد الأرض من بخارها.
ومن الطبيعي أن يتأثر فهم المفسرين القدامى لخلق السماء ببيئتهم ومعارف أزمانهم، وهو ما يغايره العلم الحديث؛ فقد رُوي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن السماء خُلقت من بخار الماء المتصاعد من الأرض.
لجأ الانسان البدائي في الأزمنة السحيقة، قبل عصر العِلم إلى خياله في تفسير الطبيعة وظواهرها. ولقد أعطى أولوية خاصة لتفسير الأرض والغلاف الأزرق فوقها، فأطلق عليه اسم سماء كما نقرأ في أساطير الأولين. ففي حضارة السومريين، كانت الإلهة "نمو"، أم الجيل الأول من الآلهة. وقد تخيل السومريون امتدادها البدئي كمياه أولى تملأ حيِّز المكان قبل بدء الزمان. وأنجبت هذه الإلهة الأم أول كتلة متمايزة عن الماء، هي كتلة السماء والأرض ملتصقتين في جبل بدئي تغمره المياه من كل جانب. داخل هذا الجبل وُلِد الجيل الأول من الآلهة، ثم انقسم الجبل إلى نصفين كما الصدفة، فصار الشق الأعلى سماء وارتفع، وصار الشق الأسفل أرضًا واستقر(فراس السواح: لغز عشتار، ص 53).
وتكررت أسطورة الخلق من الماء في الأساطير البابلية، حيث نجد الإلهة الكونية "تيامة" المياه الأولى وأصل الكون مقابل نمو السومرية. في البدء اتخذت تيامة شكل مياه بلا أطراف ولا حدود. وفي أعماقها وُلِد الجيل الأول من الآلهة، وتناسل. وظهر من الآلهة الفتية متمرد، قرر الخروج على تيامة لإحلال نظام جديد. قام بهذا الدور أشجعهم، وهو الإله "مردوخ"، الذي دخل في صراع مميت مع تيامة، انتهى بقتلها وشق جسدها نصفين، من أحدهما رفع السماء، ومن النصف الثاني ثَيَّتَ الأرض وشرع بتنظيم الكون.
في أسطورة الخلق البابلية "إينوما إيليش"، نقرأ بخصوص الصراع بين مردوخ وتيامة:
وقف على جزئها الخلفي
وبهراوته العتية فصل رأسها وقطع شرايين دمائها
التي بعثرتها ريح الشمال إلى الأماكن المجهولة
شقها نصفين فانفتحت كما الصَّدَفة
رفع نصفها الأول وشكَّلَ منه السماء سقفًا...
فانفتح شقَّاها، شقٌّ ثبَّتَ في السماء فغطاها جميعًا
وشقٌّ رسخ أرضًا، وفي وسطها أسال مجرى عظيمًا
ثم نزع عنه شبكته تمامًا
وقد تحولت إلى سماء وأرض ورسخت بينهما الحدود(د. خزعل المادي: بخور الآلهة، ص 325- 326).
ويلفت النظر التطابق شبه التام بين أساطير السومريين والبابليين وسفر التكوين التوراتي، في الخلق والتكوين على وجه العموم، وفي خلق السماء والأرض على وجه الخصوص. تعزو التوراة في سفر التكوين إلى "يهوه" شق المياه الأولى وخلق السماء والأرض من مادتها، كما فعل الإله البابلي مردوخ. لنترك التوراة تتكلم: "في البدء خلق السموات والأرض. وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الرب يرف على وجه المياه. وقال الرب ليكن نور فكان نور. ورأى الرب النور أنه حسن. وفصل الرب بين النور والظلمة. ودعا الرب النور نهارًا والظلمة دعاها ليلًا. وكان مساءٌ وكان صباح يومًا واحدًا. وقال الرب ليكن جَلَدٌ في وسط المياه. وليكن فاصلًا بين مياه ومياه. فعمل الرب الجَلَدَ وفصل بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد. وكان ذلك. ودعا الله الجَلَدَ سماء. وكان مساءٌ وكان صباح يومًا ثانيًا. وقال الرب لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة. وكان كذلك. ودعا الرب اليابسة أرضًا. ومجتمع المياه دعاه بحارًا"(سفر التكوين1:1-10).
ويكاد التطابق يكون شبه تام في الخلق في ستة أيام، واستراحة الإله الخالق في اليوم السابع، بين أسطورة الإينوما ايليش البابلية وقصة التكوين التوراتية. في الإينوما ايليش، المياه البدئية حاضرة كمبدأ أول انطلقت منه عمليات الخلق:"العماء الأول تيامة الماء المالح وزوجها الماء الحلو، يحيط بهما الظلام". يقابل ذلك في التورا:"الظلام يغلف المياه الأولى، وروح الرب يرف فوق المياه". في اليوم الثاني، "خلق النور". وفي الأيام الثالث والرابع والخامس والسادس، يتطابق تسلسل الخلق بين النَّصَّين تطابقًا تامًّا، وفق الترتيب التالي:
خلق السماء، ثم خلق الأرض، وخلق الأجرام السماوية، وأخيرًا، خلق الانسان. وفي اليوم السابع، "ينتهي مردوخ، كبير الآلهة البابلية من الخلق والآلهة تحتفل به". وفي النص التوراتي:"يهوه يستريح"(فراس السواح: مغامرة العقل الأولى، ص 149).
واضح أن تصور الخلق على هذا النحو، يصدر عن عقلية تجهل وجود مجموعة شمسية من ثمانية كواكب تدور حول الشمس، هي عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، والمشتري، وزُحل، وأورانوس، ونبتون. وتجهل العقلية ذاتها، حقيقة دوران الأرض حول محورها فينتج عنه تبدل موقع القارات من الشمس، ومنه يتولد تعاقب الليل والنهار. العقلية ذاتها قدَّمت العِلَّة على المعلول، فجعلت النور يُخلق قبل مصدره الشمس. ولا غرابة في ذلك أو عجب، فتصور الخلق على هذا النحو، ظهر قبل عصر العِلم.
ملاحظة: المعلومات الخاصة بأساطير القدماء من كتابنا حديث الصدور(الانسان والدين/بعقولها تتقدم الأمم وليس بأديانها).
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |