|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عزالدين محمد ابوبكر
2026 / 8 / 2
حين نسأل لماذا تنتصر فكرة ما في لحظة تاريخية بعينها دون غيرها، فإن الاقتصاد السياسي الماركسي يقدم لنا إجابة تختلف جذرياً عمّا اعتدنا سماعه في كتب التاريخ؛ فالمجتمع حسب هذا التصور، ليس كتلة متجانسة تتقدم معاً نحو الحقيقة كلما ازداد وعيها، بل بنية مقسّمة إلى فئات تشغل مواقع مختلفة من عملية الإنتاج؛ فهناك من يملك أدوات العمل والأرض ورأس المال، وهناك من لا يملك سوى قدرته على العمل ذاتها. والعلاقة بين هاتين الفئتين ليست علاقة تعاون متكافئ، بل هي علاقة يستولي فيها الطرف المالك على جزء من ثمرة عمل الطرف الآخر، ومن هذا الموقع المتباين تتشكل مصالح متعارضة، ومن هذا التعارض بالذات تتشكل الأفكار التي يتبناها كل طرف، لا كحقيقة مجردة معلّقة في الفراغ، بل كتعبير عن موقعه في هذه العلاقة.
هنا يصبح من الضروري توضيح الفهم الماركسي لحركة التنوير نفسها، ذلك التيار الفكري الأوروبي الذي قد حمل لواء العقل والعلم والحرية في مواجهة الجمود الكنسي والإقطاعي، فالمصادر الماركسية (على سبيل المثال: الموسوعة الفلسفية)* تصف التنوير بأنه اتجاه سعى إلى تصحيح المجتمع القائم ونشر المعرفة العلمية والعدالة، لكنها تنبّه في الوقت نفسه إلى ثغرة جوهرية في هذا التيار وهي أن مفكريه، رغم نبل مقاصدهم، لم يضعوا في حسبانهم الأثر الحاسم للشروط الاقتصادية في حركة التاريخ، فمالوا إلى تفسير مشكلات المجتمع بجهل الناس وتخلفهم لا ببنية العلاقات الاقتصادية التي تنتج هذا الجهل وتحافظ عليه؛ وهذا بالضبط ما يجعل التنوير — من منظور ماركسي — حركة فكرية صادقة لكنها قاصرة، إذ ظنت أن الوعي وحده هو محرك التاريخ، بينما الوعي نفسه نتاج لشروط مادية سبقته.
ومن هنا تنطلق أطروحة الباحث ستار جبار رحمن الذي يرفض تفسير انتصار العلمانية في أوروبا بوصفه انتصاراً طبيعياً للحجة الفلسفية الأرجح، أو لكون مفكري التنوير أكثر ذكاءً من رجال الدين الذين واجهوهم؛ فهذا الافتراض حسبما يوضح يقوم على وهم شائع مفاده أن الأفكار الصائبة تفرض نفسها بمعزل عمّن يحملها اجتماعياً، كأنها تسير وحدها في التاريخ بقوة صدقها الداخلي؛ والحقيقة — وبحسب هذا التحليل — أن الفكرة العلمانية احتاجت طبقة صاعدة، وهي البرجوازية التجارية والصناعية، التي تملك مصلحة موضوعية مباشرة في تحرير السوق والملكية والقانون من قبضة الاحتكار الكنسي الإقطاعي، وتملك في الوقت نفسه المال والتنظيم والقوة الكافية لفرض هذه الفكرة على من عارضها.
وتتوضح هذه الأطروحة أكثر حين يشرح الباحث كيف أن العلمانية ليست تحرراً من الأيديولوجيا بقدر ما هي استبدال أيديولوجيا؛ لأنها كانت تخدم الاحتكار الإقطاعي الكنسي بأيديولوجيا جديدة تخدم التراكم الرأسمالي الصاعد، وهذا لا يعني كما يوضح بدقة أن مكاسب العلمانية باطلة أو مزيّفة، فحرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون وفصل السلطة الزمنية عن الروحية مكاسب حقيقية لا ينبغي التقليل من شأنها، لكن الوظيفة الطبقية لهذه الأفكار تفسّر توقيت ظهورها بالذات، لا قبل ذلك بقرن ولا بعده بقرن، لأن الأفكار، كما يقول، لا تنتظر دورها في طابور فلسفي مجرد لتظهر حين يحين وقتها، بل تظهر حين تحتاجها طبقة قادرة فعلياً على فرضها وحمايتها.
والسؤال الذي يستحق التوقف عنده هنا هو ماذا يعني بالضبط أن تخدم فكرة "طبقة بعينها"؟
لا يعني هذا أن الفكرة كذبة اخترعتها طبقة لخداع غيرها بوعي مسبق ونية مبيّتة، بل يعني أن الفكرة تنشأ من موقع اجتماعي محدد، وتحل مشكلة عملية يواجهها هذا الموقع تحديداً، ثم تجد من يحمي انتشارها ويموّل مؤسساتها ويدافع عنها في وجه من يعارضها. فالتاجر الذي يحتاج قانوناً وضعياً يحمي عقوده من تدخل محكمة كنسية لا تعترف بالفائدة المصرفية، يجد في فكرة فصل الدين عن الدولة حلاً عملياً مباشراً لمشكلته، قبل أن تصبح هذه الفكرة مبدأً فلسفياً عاماً يُدرَّس في الجامعات؛ فالفكرة إذن لا تُختَرع من عدم، لكنها أيضاً لا تنتشر وتترسخ من عدم، بل تحتاج من يحملها ويدافع عنها لأنها تخدم مصلحته الفعلية.
وهنا يُطرح سؤال آخر لا يقل أهمية وهو هل الحقوق الأساسية، كحرية الاعتقاد والمساواة أمام القانون، مرتبطة بالرأسمالية وحدها، أم أنها قيم إنسانية مستقلة عن أي نظام اقتصادي بعينه؟
الإجابة الماركسية هنا دقيقة ولا تنزلق إلى التبسيط، وهي أن هذه الحقوق ليست نتاجاً حصرياً للرأسمالية بمعنى أنها مصلحة برجوازية بحتة لا قيمة إنسانية فيها، لكنها أيضاً لم تظهر في التاريخ كمبدأ مجرد سابق على شروطه المادية، بل ظهرت حين توفرت شروط اقتصادية واجتماعية أتاحت لطبقة معينة أن تطالب بها وتفرضها؛ وهذا يعني أن الحق - من الناحية التاريخية - لا ينفصل تماماً عن السياق الاقتصادي الذي أنتجه، حتى لو تجاوزت قيمته الأخلاقية هذا السياق لاحقاً وأصبحت ملكاً للبشرية جمعاء.
ومن هنا يمكن فهم فكرة أن حقوق الإنسان تنبع أصلاً من احتياجاته، لا من نص مقدس أو بديهية عقلية معزولة عن الواقع، فالإنسان الذي يحتاج أن يأمن على ملكية عمله الخاص، وأن يُحاكَم بقانون واحد لا يتبدل بحسب مكانته الدينية، وأن يعتقد بما يشاء دون خوف من عقاب دنيوي، يطالب بهذه الحقوق لأنها تلبي حاجة فعلية في حياته، لا لأنها فكرة نزلت عليه من عالم مثالي منفصل عن التاريخ، وهذا هو بالضبط ما يجعل الحقوق قابلة للتطور والتوسع عبر الزمن، فحين تظهر حاجات جديدة لدى فئات اجتماعية جديدة، تُطرَح حقوق جديدة تعبّر عنها، تماماً كما ظهرت حقوق العامل الصناعي بعد قرن من ظهور حقوق التاجر البرجوازي، لأن كلاً منهما عبّر عن حاجة طبقته في لحظتها التاريخية.
ويمكن القول بأن فهم نشأة الأفكار الكبرى، كالعلمانية وحقوق الإنسان، يستدعي منا تجاوز السؤال الساذج "هل هذه الفكرة صحيحة؟" إلى سؤال أعمق وأكثر واقعية وهو "من احتاج هذه الفكرة، ومتى، ولماذا استطاع فرضها؟" فالفكرة قد تكون صحيحة وعادلة في محتواها، لكن انتصارها التاريخي الفعلي لا يُفسَّر بصحتها المجردة وحدها، بل بارتباطها بطبقة اجتماعية امتلكت القوة الكافية لتحويلها من مطلب إلى قانون، وهذا لا يُنقص من قيمة الحقوق التي أنتجها هذا المسار، بل يمنحنا أداة أعمق لفهم لماذا تظل بعض الحقوق مهددة أو منقوصة في مجتمعات لم تمتلك بعد الطبقة القادرة على فرضها وحمايتها، وهو سؤال يستحق تأملاً مستقلاً في سياقات أخرى غير السياق الأوروبي الذي انطلق منه هذا التحليل، ولعلني اكتب مستقبلاً في هذا الموضوع...
- مصادر تم الرجوع إليها:
• رحمن، ستار جبار. "التحول الطبقي وولادة العلمانية." رؤى شرق أوسطية. المركز الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط. 31 يوليو 2026. https://www.ecmes.academy.
• وضع لجنة من العلماء والأكاديميين السوفييت. الموسوعة الفلسفية. ترجمة سمير كرم. [بدون بيانات نشر كاملة]، ص 145-146.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |