|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
ثامر الزبيدي
2026 / 8 / 2
كثيراً ما نتأمل مشهد الفصول الدراسية؛ حيث يخيل إلينا للوهلة الأولى أن الطالب الذي يجلس صامتاً في زاويته، لا يرفع يده، ولا يستفسر، ولا يقاطع معلمه، هو الطالب الأكثر استيعاباً وفهماً. لكن التجربة تخبرنا بشيء آخر تماماً. المعلم الخبير يدرك أن هذا الصمت ليس دائماً دليلاً على العلم، بل قد يكون ستاراً للخوف، أو اللامبالاة، أو مجرد استسلام لتلقي الإجابات دون أن تتحرك في النفس أي رغبة حقيقية لاكتشاف كيف وُلدت هذه الإجابة. في المقابل، تجد ذلك الطالب الذي يُمطر أستاذه بالأسئلة، ويبحث عن علل الأشياء قبل أن يكتفي بحفظها، هو الذي يبني لنفسه شخصية علمية مستقلة؛ لأنه يرفض أن يكون مجرد وعاء يُملأ، بل يريد أن يسير بنفسه في الطريق الذي قاده إلى المعرفة.
هذا المبدأ التربوي الذي نكتشفه اليوم، هو ذاته المنهج الذي اختاره القرآن في تربية الإنسان منذ اللحظة الأولى. القرآن لا يبحث عن عقول خامدة تردد ما تسمعه بلا وعي، بل يحترم العقل الحي الذي يبحث، ويتأمل، ويسأل، ليصل إلى اليقين عن بصيرة. لم يعامل النص القرآني "السؤال" يوماً على أنه خروج عن الأدب أو نقص في الإيمان، بل جعله صراحةً مفتاحاً للهداية وعلاجاً للجهل. تأمل قوله تعالى(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43). في المنهج القرآني، الجهل بحد ذاته ليس عيباً، العيب الحقيقي هو أن تملك أداة المعرفة، وهي السؤال، ثم تختار أن تُعرض عنها وتبقى في الظلام.
وما يؤكد هذا المعنى، أن الأمر بالسؤال لم يكن مجرد تنظير، بل هو واقع عملي سار عليه القرآن نفسه. من يقرأ المصحف سيستوقفه حتماً ذلك الحضور الكثيف لكلمة ( يَسْأَلُونَكَ ) يسألونك عن الأهلة، وعن الإنفاق، وعن اليتامى، وعن الخمر والميسر، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن المحيض، وعن الأنفال، وعن الساعة. هذه الكثرة ليست صدفة، بل تكشف لنا أن الوحي لم يكن خطاباً أحادي الاتجاه يتعالى على هموم الناس، بل كان يتفاعل معها، يجيب عنها، ويبني عليها بيانه. لو كان السؤال مذموماً، لما خلد القرآن أسئلة البشر وجعلها جزءاً من نصه المتلو إلى يوم القيامة.
ولعل من أروع المواقف التي توضح كيف يدير القرآن بوصلة السؤال، هو ما حدث حين سألوا عن أمر غيبي معقد. جاء الجواب الإلهي ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء: 85). الجميل هنا ليس فقط في مضمون الإجابة، بل في طريقة التعامل مع السؤال نفسه. لم يُعنف السائل، ولم يُتهم بسوء النية، وإنما تلقى درساً صادقاً في إدراك حدود المعرفة البشرية. فالبحث عن الحقيقة يتطلب أيضاً شجاعة الاعتراف بأن هناك أشياء تتجاوز إدراكنا، وأن الوقوف عند حدود العلم هو جزء من العلم ذاته.
وأجمل من هذا كله، ذلك المشهد الإنساني الشفاف لـ "خليل الرحمن" إبراهيم عليه السلام، حين وقف أمام ربه طالباً ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) لم يكن إبراهيم شاكاً في قدرة الله، ولذلك عبّر عن حاجته الفطرية ببساطة قائلاً ( بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (البقرة: 260). لو كان مجرد السؤال مذموماً لتعرض إبراهيم للعتاب، لكن الله أراه ما طلب ليعلمنا أن السؤال الصادق لا يناقض الإيمان، بل هو طريق إلى طمأنينة أعمق، وأن الإيمان يزداد رسوخاً حين يكون السؤال مخلصاً في طلب الحقيقة.
غير أن القرآن، في توازنه العجيب، يضعنا أمام نوع آخر من الأسئلة؛ الأسئلة التي لا تبحث عن الفهم، بل يُراد بها التعطيل والمماطلة والتهرب. ويضرب لنا مثلاً صارخاً في قصة بني إسرائيل مع البقرة. كان الأمر الإلهي واضح ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) (البقرة: 67)، لكنهم أغرقوا أنفسهم في أسئلة لا طائل منها: ما هي؟ ما لونها؟ ما صفتها؟ ضيقوا على أنفسهم ما كان واسعاً، ولذلك انتهت القصة بقوله تعالى: (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) (البقرة: 71). الخلل هنا لم يكن في "فعل السؤال"، بل في "النية" التي تقف وراءه. ومن هنا تتضح القاعدة القرآنية: السؤال الذي يفتح باب الفهم محمود ويقود للهداية، والسؤال الذي يُعقّد الأمور ليغلق باب العمل مذموم.
وبناءً على هذا التصور، يمكننا إدراك الخطر الحقيقي الذي يهدد وعي الإنسان، ألا وهو فقدان الشجاعة في التساؤل. فالتقليد الأعمى والتبعية لا يبدآن حين يقتنع الإنسان بفكرة خاطئة، بل يبدآن في اللحظة التي يتوقف فيها عن مساءلة ما يسمعه. ولذلك كان القرآن شديد النقد لأولئك الذين جمدوا عقولهم وأسلموها لآبائهم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) فجاء الرد القرآني يصدم هذا الجمود ويستفز العقول ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) (البقرة: 170). القرآن يذم غياب السؤال، لأن من لا يسأل عن مصدر إيمانه يبقى أسيراً لما ورثه، حقاً كان أم باطلاً.
لذلك، من المحزن جداً أن يتحول السؤال في بعض أوساطنا الثقافية والدينية إلى تهمة. يقال للناس: "لا تسألوا كثيراً، لا تناقشوا، يكفيكم أن تثقوا بمن سبقكم". ومع مرور الزمن، وجدنا أنفسنا أمام أجيال تحمل ركاماً من الإجابات المحفوظة، لكنها لا تعرف الأسئلة التي وُلدت منها تلك الإجابات. تحولت المعرفة إلى جزر معزولة لا يربطها بناء عقلي حي.
أما القرآن فيسلك طريقاً معاكساً تماماً؛ إنه لا يخشى الأسئلة لأنه واثق من الحق الذي يحمله. غير أن السؤال، لكي يؤتي ثمرته، يجب أن يقترن بالتواضع وصدق الطلب. فالقرآن يفرق بين من يسأل ليهتدي، ومن يسأل لينتصر لنفسه أو ليفرض نتيجة قررها مسبقاً.
إن المجتمعات التي تقمع الأسئلة لا تصنع علماء، بل تستنسخ مقلدين. أما المجتمعات التي تتعلم كيف تسأل، فإنها تبني عقولاً قادرة على التمييز. ولهذا، في كل مرة تقف فيها أمام آية من كتاب الله، لا تخجل من أن تسأل نفسك: لماذا جاء هذا التعبير؟ ما سياقه؟ ما صلتها بما قبلها؟ إذا كان سؤالك نابعاً من قلب يبحث عن الحقيقة، فستجد أن القرآن لا يغلق بابه في وجهك، بل يفتح لك آفاقاً جديدة، لتدرك في النهاية أن السؤال الصادق لم يكن يوماً عثرة في طريق الهداية، بل كان دوماً... أول الطريق إليها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |