حين تتقدم الكفاءة... يتراجع الفساد

مصطفى الهود
2026 / 8 / 1

في بلد كثير التحولات، لا تكاد الأحداث فيه تهدأ حتى تتوالد أخرى، برزت خلال الفترة الأخيرة حملة واضحة لملاحقة الفساد، تمثلت بالقبض على عدد من الفاسدين والمرتشين في مؤسسات الدولة ومفاصلها المهمة. وهذه المشاهد، مهما اختلفت القراءات حولها، تعكس وجود محاولة لتطهير بعض مفاصل الدولة من الأشخاص الذين استغلوا مواقعهم لتحقيق مصالحهم الخاصة على حساب الوطن والمواطن.
إن تتابع عمليات القبض على الفاسدين يكشف حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن كثيرًا ممن وصلوا إلى مواقع المسؤولية لم يكونوا مؤهلين لها أصلًا. فلو كانت الكفاءة والنزاهة هما معيار الاختيار، لما وجد هؤلاء طريقهم إلى تلك المناصب، ولما امتدت أيديهم إلى المال العام وحقوق الناس.
ولعل أهم ما ينبغي أن يرافق هذه الخطوات ليس مجرد محاسبة الفاسدين، وإنما استبدالهم بأشخاص يمتلكون الكفاءة والإخلاص والحس الوطني، ويعدّون المنصب مسؤولية قبل أن يكون امتيازًا. فالإدارة الرشيدة تبدأ من حسن اختيار الإنسان المناسب للمكان المناسب.
وتروي كتب التاريخ أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حين تولى الخلافة، طلب من الإمام الحسن البصري أن يدله على من يستشيرهم في شؤون الحكم. فقال له: أما أهل الدين فهم مشغولون بعبادتهم، وليسوا في حاجة إلى دنياك، وأما أهل الدنيا فلا ترغب فيهم لأن همهم جمع المال بشتى السبل. فسأله عمر: فمن أستشير إذن؟ فقال: استشر أصحاب البيوتات الكريمة، وأصحاب الأصول الطيبة؛ فإن أصلهم وتربيتهم يمنعانهم من الخيانة والتحايل.
وهذه الرواية، بغض النظر عن تفاصيلها التاريخية، تحمل معنى عميقًا في فلسفة الإدارة والحكم، وهو أن بناء الدولة يبدأ من اختيار الإنسان الذي يمتلك الأخلاق قبل المنصب، والضمير قبل السلطة.
وتحضر في هذا السياق أيضًا قصة نوري السعيد باشا، حين طلب منه أحد الحلاقين أن يتوسط لقبول ابنه في الكلية العسكرية. فأجابه بأن ابنه اعتاد، بحكم عمله، أن يأخذ المال من كل من يجلس أمامه، ولا يريد أن يتوسط لمن قد تتحول هذه العادة لديه إلى استغلال للمنصب إذا أصبح ضابطًا. قد يختلف الناس في تقييم القصة، لكنها تعكس فكرة راسخة مفادها أن السلوك يتشكل مع الإنسان، وأن من لا يُحسن التعامل مع المسؤولية الصغيرة، يصعب الاطمئنان إليه في المسؤوليات الكبيرة.
إن قواعد الحكم الرشيد لا تقوم على الواسطة، ولا على المحسوبية، ولا على الانتماءات الضيقة، وإنما على الكفاءة والنزاهة والاستحقاق. فعندما يُقدَّم غير الكفوء، تكون النتيجة الطبيعية تراجع المؤسسات واتساع دائرة الفساد، وهو ما يدفع الوطن والمواطن ثمنه معًا.
وحين نتخلى عن ثقافة الوساطة والمحاصصة والعلاقات الشخصية، ونحتكم إلى معايير الكفاءة وحدها، سنكون أمام جيل من المسؤولين تُقاس قيمته بما يقدمه من إنجاز، تمامًا كما بقيت أسماء بعض رجالات الدولة العراقية تُذكر مقرونة بالنزاهة والأمانة، وفي مقدمتهم حسقيل ساسون، وزير المالية في العهد الملكي، الذي أصبح مثالًا في المحافظة على المال العام.
فالذي يسرق المال العام لا يسرق الدولة بوصفها مؤسسة مجردة، وإنما يسرق حق كل مواطن، ويعتدي على مستقبل أجيال كاملة. ولهذا فإن الفساد، مهما طال عمره، لا يمكن أن يكون حالة دائمة، لأنه يحمل في داخله أسباب سقوطه.
إننا نأمل أن تكون هذه الإجراءات بداية حقيقية لإصلاح أوسع، يعيد الثقة بمؤسسات الدولة، ويقدم للعراق مسؤولين يستحقون شرف قيادة هذا البلد، ويجعلون النزاهة ممارسة يومية لا شعارًا يرفع في المناسبات.
ذلك هو العراق الذي نتمنى أن نراه، عراقًا تُصان فيه الأمانة، وتُحترم فيه الكفاءة، ويُقدَّم فيه الوطن على كل مصلحة أخرى.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن