|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
عصام حافظ الزند
2026 / 8 / 1
(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
(التَطَرُّفِ فِي العَصْرِ الراهِنِ)
البِيئَةُ وَالتارِيخُ
قَرْنُ الشَيْطانِ
عَلَى مَدَى التارِيخِ وَما يَعْنِينا مِن فَجْرِ الإِسْلامِ وَحَتَّى الآنَ كانَت قَبائِلُ نَجِدُ (وَطَنَ البَداوَةِ وَخَزّانَها) مَصْدَراً لِإِثارَةِ المَتاعِبِ وَالحُرُوبِ( الغَزَواتِ) بَعْضُها لِبَعْضِ أَوْ بَعْضِها أَوْ تَحالُفِ البَعْضِ ضِدَّ بَقِيَّةِ القَبائِلِ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ بَلْ أَنَّ الهِجْراتِ إِلَى العِراقِ وَسُورْيا وَبَقِيَّةِ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ كانَ مِن نَتائِجَ تِلْكَ النِزاعاتِ خاصَّةً قَبْلَ الإِسْلامِ وَبَعْدَ الإِسْلامِ أُضِيفَ عامِلٌ آخَرُ أَدَّى إِلَى زِيادَةِ الهِجْرَةِ وَالاِسْتِيطانِ، وَتَمَثَّلَ بِالغَزَواتِ الَّتِي بَدَأَت عَمَلِيّاً مِن خِلافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَأُسْوَةٍ بِبَقِيَّةِ أَجْزاءِ الجَزِيرَةِ عانَت مِن تِلْكَ النِزاعاتِ مِنْطَقَةُ الحِجازِ عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ لِما كانَ فِيها مِن قَبائِلَ بدوية مُسْتَقِرَّةٍ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ تِلْكَ المِنْطَقَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها مُحَمَّدٌ، وَظَهَرَ فِيها الإِسْلامُ فِي مَكَّةَ حَيْثُ كانَت قُرَيْشُ مَرْكَزِ الثِقَلِ فِيها إِلَى حَدٍّ ما وَإِلَيْها يَنْتَسِبُ النَبِيُّ مُحَمَّدٌ فَهُوَ اِبْنُ إِحْدَى أَهَمِّ عَوائِلِها (كما تطرقنا في الفصل الخامس). وَلِذٰلِكَ فَإِنَّ غالبية قَبائِلَ نَجْدٌ وَهِيَ مِنْ أَواخِرِ مَنْ دَخَلَ الإِسْلامَ عدى افراد منهم (فِي وَقْتِ قُوَّتِهِ) وَهُم كَذٰلِكَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الإِسْلامِ (عِنْدَ ضَعْفِهِ بَعْدَ وَفاةِ النَبِيِّ وَمُؤْتَمَرِ السَقِيفَةِ) وَتِلْكَ هِيَ طَبِيعَةُ البَدَوِيِّ (الخانِعُ لِلقَوِيِّ وَالمُتَمَرِّدِ وَمُتَجَبِّرٌ عَلَى الضَعِيفِ) (وَفِي هٰذا السِياقِ نَجِدُ حَدِيثاً لِلنَبِيِّ مُحَمَّدٍ ذَكَرَهُ البُخارِيُّ فِي بابِ كِتابِ الفِتَنِ بِرَقْمِ 7094 "[حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّٰهِ حَدَّثَنا أَزْهَرَ اِبْنِ سَعِيدٍ عَن اِبْنِ عَوْنٍ عَن نافِعٍ عَنْ اِبْنِ عُمَرَ قالَ ذَكَرَ النَبِيُّ "اللّٰهُمَّ بارِكْ لَنا فِيَّ شامِناً، اللّٰهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا، قالُوا يا رَسُولَ اللّٰهِ وَفِي نَجْدِنا؟ قالَ اللّٰهُمَّ بارَكَ لَنا فِيّ شامِناً اللّٰهُمَّ بارِكْ لَنا فِي يَمَنِنا، قالُوا يا رَسُولَ اللّٰهِ وَفِي نَجْدِنا؟ فَأَظُنُّهُ قالَ فِي الثالِثَةِ" هُناكَ الزَلازِلُ وَالفِتَنُ، وَبِها يُطْلُعُ قَرْنُ الشَيْطانِ] (صَحِيحُ البُخارِيِّ كِتابَ الفِتَنِ حَدِيثُ رَقْمُ 7094 ص 1262 أما صحيح مسلم فيذكرة في كتاب الفتن وأشراط الساعة في 16 باب الفتنه بشيء من الاختلاف في ستة احاديث45-50 [7292-7297] حيث يذكر الشرق ولكن أي شرق؟ ص1086) "(يُحاوِلُ البَعْضُ وَخاصَّةً النَجْدِيِّينَ مِنْهُمْ أَنْ يُفَسِّرَ نَجْدَنا المَذْكُورَةَ فِي الحَدِيثِ مِنْ المَقْصُودِ مِنْها كانَ الشَرْقُ، وَيَعْنِي جُزْءٌ مِنْ نَجْدٍ وَالعِراقِ أَساساً، وَهٰذا اِدِّعاءٌ مِنْ الوَهْنِ بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ بَحْثَهُ، رَغْمَ أَنَّ البَعْضَ بَحَثَ فِيهِ) كَما أَنَّ أَهَمِّيَّةَ نَجْدٍ فِي أَنَّها كَما أَشَرْنا مَصْدَرَ الهِجْراتِ الَّتِي اِنْتَشَرَت فِي أَراضِي العِراقِ الحالِيِّ وَالأُرْدُنِّ وَسُورْيا وَمِصْرَ وَبَقِيَّةِ أَجْزاءِ العالَمِ العَرَبِيِّ، وَقَدْ حَدَثَ ذٰلِكَ طَوالَ التارِيخِ سَواءٌ قَبْلَ الإِسْلامَ بِقُرُونٍ أَوْ بِعِدَّةٍ اشتدَّ عَبْرَ الغَزْوِ أَوْ الهِجْراتِ العادِيَّةِ الناجِمَةِ عَنْ صِراعِ القَبائِلِ تِلْكَ؛ وَكَذٰلِكَ الجَفافِ وَمَشاكِلَ أُخْرَى.
إِنَّ طَبِيعَةَ قَبائِلِ نَجْدُ القاسِيَةُ مُسْتَمَدَّةٌ مِن طَبِيعَةِ الصَحْراءِ النَجْدِيَّةِ القاسِيَةِ (تُشَكِّلُ نَجِدُ أَكْبَرَ تَكُونِينَ رَمْلِيِّينَ فِي الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَهُما صَحْراءُ النُفُوذِ الكُبْرَى وَصَحْراءُ الرُبْعِ الخالِي وَهِيَ الجُزْءُ الكَبِيرُ لِما يُعْرَفُ بِالصَدْعِ الكَبِيرِ وَنَجِدُ هِيَ وَسَطَ جَزِيرَةِ العَرَبِ وَكانَت أَجْزاءٌ مَن نَجِدُ ضِمْنَ المَمالِكِ العَرَبِيَّةِ "المُسْتَقِرَّةِ" وَخاصَّةً مَمْلَكَةَ كِنْدَة وَلِلتَوَسُّعِ فِي المَوْضُوعِ الجُغْرافِيِّ وَالمُناخِيِّ (الدُكْتُورِ عُوَيْضَة بِن مُتْرِيك الجُهَنِي فِي كِتابَةِ نَجْدٍ قَبْلَ الوَهّابِيَّةِ تَرْجَمَةُ إِحْسان زَكِي جُسُورُ لِلتَرْجَمَةِ وَالنَشْرِ وَهِيَ أُطْرُوحَةُ الدكتوراه المُقَدَّمَةُ إِلَى جامِعَةِ سَياتِل عامَ 1983 ص 47 كَما سَنَعْتَمِدُ مَعْلُوماتٍ أُخْرَى فِي هٰذِهِ الفِقْرَةِ مِن تِلْكَ الدِراسَةِ، وهو استاذ التاريخ في جامعة الملك سعود وَسَنُشِيرُ إِلَيْها إِضافَةً لِلمَصادِرِ الَّتِي أَشَرْنا لَها فِي فِقَراتٍ سابِقَةٍ").
تَقَعُ نَجْدٌ بَيْنَ خُطُوطِ العَرْضِ الاِسْتِوائِيَّةِ الجافَّةِ وَالساخِنَةِ وَهِيَ بَعِيدَةٌ كُلَّ البُعْدِ عَن المُسَطَّحاتِ المائِيَّةِ، فَقَدْ كانَت شَحِيحَةُ المَوارِدِ وَالماءِ نِزاعُها مِن أَجْلِ البَقاءِ شَدِيداً وَدَمَوِيّاً البَدَوِيُّ فِيها تَتَمَثَّلُ فِيهِ أَقْسَى طِباعِ البادِيَةِ وَالَّتِي تَحَدَّثَ عَنها اِبْنُ خَلْدُونَ وَهُم البَدْوُ المُوغِلِينَ فِي القَفْرِ كَما جاءَ فِي تَصْنِيفِهِ البَدْوُ الأَشَدُّ تَوَحُّشاً، وَفَصَلَ فِيها الباحِثُ الاِجْتِماعِيُّ الدُكْتُورُ عَلِي الوَرْدِي خاصَّةً فِي دِراساتِهِ عَن طَبِيعَةِ المُجْتَمَعِ العِراقِيِّ وَفِي إِشاراتٍ أُخْرَى فِي العَدِيدِ مِن أَبْحاثِهِ الَّتِي تَحَدَّثُنا عَنها فِي مَواقِعَ اخْرَى، ويشير الى ذلك ايضا المحامي عباس العزاوي في مؤلفه بأجزائه الأربعة بل أنه يقول في البداية...الا اننا نرى اليوم بعض عشائر الفتح قليل الميل الى الحضارة وقبولها و القبائل الموجدة اليوم اكثرها قريبة العهد بسكنى العراق"( عباس العزاوي عشائر العراق ص119) .
يَقُولُ الدكتورُ الجُهَنِيُّ فِي كِتابِهِ "لَقَدْ فَرَضَت الظُرُوفُ المُناخِيَّةُ المُضْطَرِبَةَ الَّتِي لا يُمْكِنُ التَنَبُّؤُ بِها عَلَى النَجْدِيِّينَ أَنْ يُحْيُوا حَياةً قاسِيَةً وَغَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ، وَحَتَّى السُكّانُ المُسْتَقِرِّينَ فِي المُجْتَمَعاتِ المَوْجُودَةِ فِي سافِلَةِ نَجْدٍ يُحَيُّونَ نَمَطَ الحَياةِ غَيْرِ المُسْتَقِرِّ نَفْسِهِ الَّذِي أُجْبِرَ عَلَيْهِ نُظَرائِهِم مِن مُواطِنِي بَلَدِهِم الرَحْلَ؛ وَإِلَى ذٰلِكَ فَإِنَّ مِنْ المُمْكِنِ أَنْ يَتَسَبَّبَ القَحْطُ المُسْتَمِرُّ فِي تَحْوِيلِ مُسْتَوْطَنَةٍ، أَوْ إِقْلِيمٍ أَوْ حَتَّى بَلَدٍ بِأَكْمَلِهِ إِلَى أَرْضٍ قاحِلَةٍ جَرْداءَ، فِي الوَقْتِ ذاتِهِ، فَإِنَّ الرَخاءَ وَالعُسْرَ، لَيْسَت مِن الحالاتِ الَّتِي يَتَحَكَّمُ فِيها المَرْءُ فِي نَجْدٍ فَعَبْرَ تارِيخِها شَهِدَت فَتَراتٌ عَدِيدَةٌ مِنْ الرَخاءِ وَالعُسْرِ" (الدكتور عويضة نجد قبل الوهابية ص67) وَلٰكِنْ مِمّا لَمْ يُضِفْهُ الدُكْتورُ الجُهْنيُّ أَنَّ ذٰلِكَ هُوَ أَحَدُ الأَسْبابِ الطبيعية الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى زِيادَةِ النِزاعاتِ وَالغَزَواتِ وَالقَساوَةِ فِي القَبِيلَةِ البَدَوِيَّةِ، لَقَدْ عاشَت القَبائِلُ البَدَوِيَّةُ فِي الحَقِيقَةِ عَلَى الغَزْوِ، وَعَلَى قَطْعِ الطُرُقِ وَسَرِقَةِ القَوافِلِ، بَلْ أَنَّها اُعْتُبِرَتْ تِلْكَ التَصَرُّفاتِ مِنْ سِماتِ الفَخْرِ وَالبُطُولَةِ ما دامَتْ تُوَفِّرُ العَيْشَ لِلفَرْدِ وَالقَبِيلَةِ وَحَتَّى قَصائِدِ الشَعْرِ الجاهِلِيِّ تُشِيرُ إِلَى تِلْكَ السِماتِ كَثِيراً وَكَما أَشَرْنا سابِقاً، فَإِنَّ الكَثِيرَ مِنْ الباحِثِينَ يُطْلِقُونَ عَلَى الشِعْرِ أَنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ تِلْكَ القِيَمَ وَالحَياةَ.
يَقُولُ تُونِبِي " أَنَّ البِيئَةَ الطَبِيعِيَّةَ الَّتِي نَجَحَ فِي قَهْرِها (يقْصِدُ البَدَوِيَّ) قَدْ اِسْتَعْبَدَتْهُ اِسْتِعْباداً ماكِراً. وَقَدْ صارَ البَدَوِيُّ مِثْلَ الاسكيمو مُقَيَّدِينَ بِدَوْرَةٍ سَنَوِيَّةٍ مِنْ التَغْيِيرِ المُناخِيِّ وَالنَباتِيِّ، وَأَنَّهُمْ بِإِحْرازِهِمْ المُبادَأَةِ فِي العَمَلِ فِي البادِيَةِ قَدْ فَقَدُوا المُبادَاةَ وَالمُرُونَةَ فِي العالَمِ جَمِيعَهُ. وَأَنَّهُمْ فِي الواقِعِ لَمْ يَمُرُّوا فِي طَوْرٍ مِنْ أَطْوارِ تَأْرِيخِ الحَضاراتِ إِلّا وَتَرَكُوا أَثَرَهُمْ فِيهِ، فَهُم طالَما هَجَرُوا مَوْطِنَهُم، وَدَخَلُوا فِي مَواطِنِ الحَضاراتِ المُسْتَقِرَّةِ المُجاوِرَةِ، وَأَنَّهُمْ كَثِيراً ما جَرَفُوا كُلَّ شَيْءٍ يَعْتَرِضُهُمْ جَرْفاً شَدِيداً، وَلَمْ تَكُنْ هٰذِهِ الاِنْفِجاراتُ لِتَحْدُثَ مِنْ تِلْقاءِ ذاتِها أَبَداً. تُلاحِظُ كامِلَ المَقُولَةِ بِاللُغَتَيْنِ العَرَبِيَّةِ وَالإنكليزِيَّةِ فِي الفَصْلِ الثالِثِ البَدْوِ (بَحْثٍ فِي التارِيخِ ارنولد تونبِي المُجَلَّدُ الأَوَّلُ ص312)
وَلٰكِنَّ غالِبِيَّةَ البَدْوِ لا يُمْكِنُ أَنْ يُصَنَّفُوا فِي حُدُودٍ مُعَيَّنَةٍ ضِمْنَ العَرَبِ المُنْحَدِرِينَ مِن تِلْكَ القَبائِلِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي أَقامَت المَدَنِيّاتِ، بَلْ كانَت عَلاقاتُهُم مَعَ تِلْكَ الحَواضِرِ بَيْنَ مَدٍّ وَجُزُرٍ فَأَحْياناً يَتَعاوَنُونَ عَلَى حِمايَةِ القَوافِلِ التِجارِيَّةِ لِقاءً مُقابِلِ وَأَحْياناً أُخْرَى يُهاجِمُونَها لِنَهْبِ ما فِيها وَقَتْلِ أَصْحابِها، كَما أَنَّ قِيَمَهُم الاِجْتِماعِيَّةَ وَحَياتَهُم وَطَرِيقَةَ عَيْشِهِم وَحَتَّى حَيَواناتِهِم تَخْتَلِفُ عَن مَثِيلاتِها فِي عَرَبِ الحَواضِرِ وَمِنْ أَشْهُرٍ قَبائِلِ نَجِدُ آنَذاكَ هُمْ بَنِي تَمِيمٍ، قَحْطانَ، شَمَّر، مَطِيرٌ، هُذَيْل، وبنو بكر بن وائل، حَرْبٌ، عَنْزَةٌ، عَتَيْبَةُ، الدَواسِر، بَنُو عَقِيلٍ، بَنُو جَعْدَةَ، الظَفِيرُ، البُقُومُ، بام، سَبِيعٌ، العَجْمانُ وغيرها).
كانَتْ اليَمامَةُ (جو) وَهِيَ قَلْبُ نَجْدٌ (وَإِنْ كانَتْ تُعْرَفُ بِسافِلَةِ نَجِدُ) مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ نَجِدٍ مَأْهُولَةٍ بِالسُكّانِ، وَيُقالُ أَنَّ طَسْمَ وَجَدِيس وَهِيَ مِنْ القَبائِلِ البائِدَةِ هِيَ مَنْ سَكَنَتْ المِنْطَقَةَ وَكانَتْ مِنْ أَخْصَبِ البِقاعِ، فَقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ أَنَّ حَسّانَ بْنَ تَبِعَ أَسْعَدَ أَبِي كَرْبٍ قَدْ أَغارَ عَلَى طَسْمٍ وَجَدِيسٍ بِاليَمامَةِ، وَكانَتْ اليَمامَةُ تُسَمَّى آنَذاكَ (جَوٌّ) وَحَدَّثَ عَنْ هِشامِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنا اِبْنُ حَمِيدٍ قالَ حَدَّثْنا سَلَمَةَ، عَنْ اِبْنِ إِسْحاقَ وَغَيْرِهِما مِنْ عُلَماءِ العَرَبِ، أَنَّ طَمْساً وَ جَدِيساً كانُوا مِنْ ساكِنِي اليَمامَةِ.... (يُراجِعُ ايضا الفَصْلَ الأَوَّلَ وَالثانِيَ من كتاب نجد قبل الوهابية وكذلك تاريخ الطبري المجلد الأول) "وَكانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مِنْ طُسْمِ ظُلُومٍ غَشُومٍ، لا يَنْهاهُ شَيْءٌ عَنْ هَواهُ، يُقالُ لَهُ عُمْلُوقٌ، مُضِرّاً بِجَدِيسٍ مُسْتَذَلّاً لَهُمْ. وَكانَ مِمّا لَقَى مِنْ ظُلْمِهِ وَاِسْتِدْلالِهِ، أَنَّهُ أَمَرَ بألا تَهَدَّى بِكْرٌ مِنْ جَدِيسٍ إِلَى زَوْجِها، حَتَّى تَدْخُلَ عَلَيْهِ، فَيَقْتَرعَها فَقالَ رَجُلٌ مِنْ جَدِيسٍ، يُقالُ لَهُ الأَسْوَدُ بْنُ غَفّارٍ لِرُؤَساءِ قَوْمِهِ: قَدْ تَرَوْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنْ العارِ وَالذُلِّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلكِلابِ أَنْ تَعافَهُ مِنْهُ، فَأَطِيعُونِي فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِزِّ الدَهْرِ، وَنَفْيِ الذُلِّ قالُوا: وَما ذاكَ؟ قالَ: إِنِّي صانِعٌ لِلمَلِكِ وَلِقَوْمِهِ طَعاماً، فَإِذا جاؤُوا نَهَضْنا إِلَيْهِمْ بِأَسْيافِنا وَاِنْفَرَدَتْ بِهِ فَقَتَلَتْهُ، وَاِجْهَزَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَلَى جَلِيسِهِ، فَأَجابُوهُ إِلَى ذٰلِكَ، وَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَيْهِ فَأَعَدَّ طَعاماً، وَأَمَرَ قَوْمَهُ سُيُوفَهُمْ وَدَفَنُوها فِي الرَمْلِ: وَقالَ إِذا أَتاكُمْ القَوْمُ فِي حُلَلِهِمْ فَخَذُوا سُيُوفَهُمْ، ثُمَّ شَدُّوا عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذُوا مَجالِسَهُمْ ثُمَّ اُقْتُلُوا الرُؤَساءَ، فَإِنَّكُمْ إِذا قَتَلْتُمُوهُمْ لَمْ تَكُنْ السَفْلَةَ شَيْئاً، وَحَضَرَ المَلِكُ فَقُتِلَ وَقَتَلَ الرُؤَساءَ، فَشَدُّوا عَلَى العامَّةِ مِنْهُمْ فَأَفْنَوْهُمْ، وَلٰكِنَّ واحِداً مِنْ طَسْمٍ يُقالُ لَهُ رِياحُ بْنُ مَرَّةٍ هَرَبَ، وَوَصَلَ إِلَى حَسّانَ بْنِ تبع، وَ يُكْمِلُ الطَبَرِيُّ رِوايَتَهُ بِأَنَّهُ أَجابَ طَلَبَهُ، وَخَرَجَ لِإِفْناءِ جَدِيسٍ وَبَقِيَتْ اليَمامَةُ وَهِيَ أُخْتُ رِياحٍ، وَكانَتْ مُتَزَوِّجَةً مِنْ رَجُلٍ مِنْ جَدِيسٍ وَهِيَ الَّتِي كَشَفَتْ الحَمْلَةَ فِي قِصَّتِها المَشْهُورَةِ وَلِذا، فَإِنَّ اِبْنَ تَبَعٍ أَبْقَى عَلَيْها، بَلْ سَمَّى جَوٌّ بِاليَمامَةِ (يَنْظُرُ الطَبَرِيُّ فِقْرَةَ نُزُولِ قَبائِلِ العَرَبِ الحَيْرَةِ وَالأَنْبارِ أَيّامَ مُلُوكِ الطَوائِفِ المُجَلَّدِ الأَوَّلِ ص 358، وَما بَعْدَها) وَهٰكَذا نَرَى وَحَسْبَ أُسْطُورَةِ الطَبَرِيِّ، وَالَّتِي يَنْقُلُها مِن مَصادِرَ عِدَّةٍ مِنْها الكامِلُ فِي التارِيخِ وَمُرُوجُ الذَهَبِ وَنِهايَةُ الأَرْبِ كَيْفَ فُنِيَتْ طَسْم وَجَدِيس (وَالمَسْعُودِي يَذْكُرُ نَفْسَ القِصَّةِ، وَلٰكِنْ بِتَوْسِيعٍ أَكْبَرَ وَكَيْفَ؟ وَلِماذا أَصْدَرَ عُمْلُوقٌ هٰذا الأَمْرَ الغَرِيبَ وَيَقُولُ وَلٰكِنْ عِنْدَما تَزَوَّجَتْ عَفِير وَقِيلَ الشُمُوسُ بِنْتُ غَفّار الجَدِيسِي أُخْتُ الأَسْوَدِ بِنِ غَفّارٍ، فَلَمّا كانَتْ لَيْلَةُ هَدِيَّتِها إِلَى زَوْجِها اِنْطَلَقَ بِها إِلَى عَمْلُوقِ المَلِكِ لِيَطَاها عَلَى عادَتِهِ... فَخَرَجَتْ عَفِيرٌ عَلَى قَوْمِها فِي دِمائِها شاقَّةً جَيْبَها عَنْ قَلْبِها وَدَبَّرَها وَهِيَ تَقُولُ لا أَحَدَ أَذَلُّ مِنْ جَدِيسٍ أَهٰكَذا يَفْعَلُ بِالعَرُوسِ، وَهٰكَذا كانَتْ بَقِيَّةُ القِصَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَها المَسْعُودِي مَعَ تَفْصِيلاتٍ أُخْرَى فِي (مُرُوجِ الذَهَبِ الجُزْءُ الثانِي فِي فَصْلِ ذِكْرِ دِياناتِ العَرَبِ وَآرائِها فِي الجاهِلِيَّةِ ص 104 وَما بَعْدَها كَما يُنْظَرُ لِمُخْتَصَرِ هٰذِهِ الأُسْطُورَةِ لَدَى عَلِي الشَوْكِ الأَساطِيرُ بَيْنَ المُعْتَقَداتِ القَدِيمَةِ وَالتَوْراة ص 180 طَبْعَةُ أَزْمِنَةِ2000) (فِي مَواضِعَ أُخْرَى أَشَرْنا إِلَى الأَسْبابِ المُسْتَنِدَةِ إِلَى العِلْمِ وَالاِكْتِشافاتِ عَن اِحْتِمالاتِ كَيْفَ فُنِّيَتْ تِلْكَ القَبائِلُ يَنْظُرُ عَلَى سَبِيلِ المِثالِ تَونُّبِيَّ بَحْثٍ فِي التارِيخِ وَمونكمري البَدْوِ مَصادِرُ سابِقَةٌ) وَمِنْ ناحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ فِي هٰذِهِ الأَساطِيرِ رُمُوزٌ تُشِيرُ عَلَى ما كانَتْ هٰذِهِ البُقْعَةُ مِنْ أَخْلاقٍ اِجْتِماعِيَّةٍ، وَوَفْقَ تِلْكَ الأَساطِيرِ، فَإِنَّ قَبائِلَ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وَمِنهُمْ بَنُو حَنِيفَةٍ وَبُنِي ذَهْلٍ وَبَنِي ثَعْلَبَةٍ وَغَيْرِهِم اِنْتَقَلُوا مِن الحِجازِ إِلَى اليَمامَةِ بَعْدَ هَلاكِ طسْمٍ وَجَدِيسٍ وَسَكَنُوا وادِيَ العُرْضَةِ الَّذِي سُمِّيَ لاحِقاً وادِيَ بَنِي حَنِيفَةَ (يَذْكُرُ السَعُودِيُّونَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بِنْ يَرْبُوعِ الحَنَفِيُّ) وَتَرْتَبِطُ مَعَ هٰؤُلاءِ الأَعْرابِ كَثِيرٌ مِنْ الأَحْداثِ التارِيخِيَّةِ الكُبْرَى ساحَتَها نَجِدُ، وَنَقْصِدُ بِها حُرُوبَ داحِسٍ وَالغَبْراءَ بَيْنَ عَبْسٍ وَذُبْيانٍ وَهِيَ الحُرُوبُ الَّتِي دامَتْ 40 سَنَةً؛ وَكَذٰلِكَ حَرْبُ البَسُوسِ وَالَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ تَغَلُّبِ وَحُلَفائِها وَقَبِيلَةِ بَنِي شِيبانَ وَحُلَفائِها، وَمِنْهُمْ قَبِيلَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ وَاِسْتَمَرَّتْ أَكْثَرَ مِنْ عَقْدَيْنِ، وَيَقُولُ البَعْضُ أَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ(أربَعِينَ سَنْة) وتشمل عدّة معاركَ وغَزَواتْ "يوم النهى ويوم الذئِابِ ويوم عنيزَة.." وَأَسْبابُ هٰذِهِ الحُرُوبِ تافِهَةً، وَتَنُمُّ عَنْ القيم والأَخْلاقِ البَدَوِيَّةِ (ينظر أَيامُ العَرب في الجاهلية ثلاث مؤلفين منشورات المكتبة العصرية ص 142 وما بعدها ثم ص 246 وما بعدها والكتاب شيق ويعرض تلك الحروب قبل الإسلام)
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |