تنقصهم الشهادة فقط !

أحمد إدريس
2026 / 8 / 1

« الإنسان الذي لا يُفارق بيئته التي نشأ فيها و لا يقرأ سوى الكُتب التي تدعم مُعتقداته المَوروثة، لا تنتظرْ منه أن يكون مُحايداً في الحُكم على الأمور. إن معتقداته تُلَوِّن تفكيره حتماً و تُبعده عن جادَّة البحث الصحيح. » (علي الوردي، "مهزلة العقل البشري"، 1959)

الشهادة ليستْ مُجرَّد عبارة تُقال، تُردَّد و تُتلى مثل تَعوِيذة، بل هي نمط حياة و معنى يُعاش : أُلاحظ أن الكثيرين من البشر حَول المعمورة، رغم عدم انتمائهم للديانة المُؤسَّسِية التي تُسمى الإسلام، هُم يعيشون هذا المعنى و حياتُهم كُلها شهادة. كم هم كُثر بين ظَهرانَيْ غيرنا مَن يسعون في هذه الحياة ليكونوا رحمة لِمَن حولهم و لكافة الخَلق و ذلك بأداء دورهم و رسالتهم فيها على خير ما يستطيعون، مُتخطِّين الصعاب و الشدائد و باذلين النفس و النفيس و كل غال و رخيص و مُكابدين المشاق و المِحن، و تأتي أُمة هي تنتحر يومياً و غارقة في ثقافة الموت و ضائعة مُشتَّتة و فاشلة و مُفلسة على كل المُستويات لتقول بشأن هؤلاء البشر المبارَكين إنهم كافرون. الجنة التي ندخلها نحن بينما هؤلاء يُحرمون منها، باعتقادي يستحيل مطلقاً أن تكون هي حقاً الجنة. أناس حياتهم كُلها شهادة، و نحن نقول عنهم بِبَلاهة : تنقصهم الشهادة فقط…

يا لَفظاعة ما تعلَّمناه من الشيوخ فيما يخُص نظرتنا للآخَر : "أُمم الكفر"، "الغرب الكافر"، "دُوَل الكفر"… هكذا نتحدث عن الآخَرين قاطبة دون استثناء. كل مَن لم يحظَ عند الولادة بلقب "مسلم"، للأسف تربَّيْنا على إعطائه لقب "كافر" : و الله نحن في ذلك له ظالمون. أما نكُف عن هذا الظلم ؟ و إلاَّ فيجب علينا أن نُصارح غيرنا دون لف و دَوَران : خالق الأكوان لا يُحبكم على الإطلاق، مصيركم الحتمي في الآخرة جهنم و بِئس المصير، هذا ما نؤمن به و نعتقده بيَقين مُطلق. لا فرق بين أخياركم و أشراركم بهذا الصدد. قرآننا صريح و واضح بخصوص مصيركم الأخروي و هو تعاسة لا نهاية لها من خلال إقامة دائمة بنار أهوالُها تفوق الخيال ! « الله لا يُحب الكافرين »، « عقبى الكافرين النار » : هذا حُكم القرآن. يستحيل أن يكون المعنِيُّ به - بِحكم القرآن هذا - السَّواد الأعظم من خَلق الله… التصريحات القاسية بشأن "الكافر" و "الكافرين" كثيرة جداً في نص القرآن. و قد استقر مُنذ دهر طَويل في مُعتقَدنا و عقلنا الجَمعي أن "الكافرين" هم مَن سوانا قاطبةً و ذلك نِتاج لتلقينات المشايخ و الفقهاء. ثم نغضب و نشعر بالحيف عندما يلجأ أحدهم إلى إحراق نُسخة قرآن، علانية، رُبما كردِّ فعل و احتجاجاً منه على هذه الخاصيَّة المُلفِتة لكتاب القرآن : بماذا يشعر المواطن العربي الغير مسلم و الذي يقطُن على مقرُبة من مسجد، العارف بأننا نصِفُه بالكافر، عندما تَصِل إلى سمعه بعض هذه التصريحات عَبْر مُكبِّرات صَوت المسجد ؟ على سبيل المثال حين يسمع عن الكافر، أنه يوم القيامة سيقول وَفقاً لِما في القرآن : « يا لَيْتني كنتُ تراباً. » أو عندما يَصِل إلى سمعه هذا الوعيد القرآني : « إن الله لَعَنَ الكافرين و أَعَد لهم سعيراً، خالدين فيها أبداً، لا يَجِدون وَلِياً و لا نصيراً »… فعندما تقول بشكلٍ قاطعٍ عن شخص ما إنه كافر، فأنت ببساطة تجزِم بأن مصيره في الآخرة النار ! مهما ادعى و تلاعب بالألفاظ و زعم مَن تسبَّبوا و أنتجوا هذا الوضع الفظيع و هُم بالطبع شيوخ و فقهاء الأمة، أن تكفيرهم لفرد ما أو قوم مُعيَّنين لا يعني جزمهم بأن المصير الأُخروي لهؤلاء هو إقامة مُؤبَّدة في نار جهنم. مُتناسين مُتجاهلين أن كُل ما هو مطلوب منا خلال حياتنا على هذه الأرض، فيما يتعلَّق بالعلاقات مع كافة بني الإنسان، أنْ نُعامل الجميع بالحُسنى و نتحلَّى بالعدل و لا نظلم أحداً بالفعل أو بالقَول… العدل أمرٌ إلهي قرآني واجب التنفيذ : « إن الله يأمر بالعدل. » العدل مِيزة النُّبلاء و الفُضلاء و أَولياء الله.

المشايخ و الفقهاء يعلمون و يُلاحظون أن كل الألفاظ المُشتقَّة من مُصطلَح "الكفر" تُستعمل كثيراً بَين ظَهرانَيْنا في مَعرِض التحقير و الشتم و الإزدراء لِلْغَير. أَلَمْ يَأْنِ لكم يا فقهاء و مشايخ و وُعاظ المساجد أنْ تستجيبوا لأمر القرآن : « اتقوا الله و قولوا قَولاً سديداً » ؟ تَوقَّفوا عن استعمال لفظ "الكفار" في حديثكم عن الآخَرين. مصطلح نابع من ثقافتنا قد اكتسب حمولة دلالية مُعَينة و الأمرُ الأهم أنه نشأ و تَبَلوَر في سِياق تاريخي مُحدَّد، كيف لنا أن نُطْلِقه اعتِباطاً و جُملةً على نُظراء لنا في الإنسانية لا صِلة لهم البتَّة بهذا السياق التاريخي المحدَّد ؟ الله خلقنا ليَبلُوَنا أيُّنا أحسنُ عملاً، هذا ما يُقرره و ينُص عليه القرآن. إذَن لا يستوي بأي حال عند الله : "المسلم" الشِّرير الفاسد المُفسد في الأرض و "الكافر" الصالح المُصلح و النافع لِخَلق الله. إذَن مَن هو "المُسلم" و مَن هو "الكافر" يا أهل العقل ؟ لن تُشرق على أُمتنا شمس الخلاص ما لم تعقد هذه الأخيرة صُلحاً شريفاً مع الحياة، و ذلك يبدأ بالكف بشكلٍ كاملٍ و نهائي عن تكفير الغالِبية العظمى من البشر الأحياء…

« إن كل تديُّن يُجافي العلم، و يُخاصم الفكر، و يرفض عَقْدَ صُلحٍ شريف مع الحياة، هو تدين فَقَد كل صلاحِيَّته للبقاء. » (محمد الغزالي، "ركائز الإيمان بين العقل و القلب"، 1997)

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن