الشيطان والنفاق والدين السياسي - الحشر

طلعت خيري
2026 / 8 / 1

صور لنا رجال الدين على ان الشيطان ذلك الشيء الخفي الذي يمشي مع ابن ادم مجرى الدم ، فيدفعه الى ارتكاب المعاصي والمنكرات ، طبعا تعبير غير منطقي ولا عقلاني ، الصحيح هو ان هوى النفس هي من تدفع بالإنسان الى ارتكاب المعاصي وممارسة والأهواء والرغبات ، ربما يكون الإنسان هو شيطان نفسه ، أو شيطان غيره عندما يقع تحت تأثير شياطين آخرين ، قال الله وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ، أما الشيطان الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يستغل التاريخ والتراث الديني لاستقطاب الجهلة والتحيز اللاواعي لحزبه ، فيزين لهم الأعمال السيئة على أنها حسنة لكي ترتكب تحت غطاء ديني ، منها الربا والزنا وسرقة المال العام باسم الدين والقومية والطائفة ، مكفرا عنها بالشفاعة السياسية ومحوا الخطيئة بالمقدسات المادية ، فمن يروج لتلك الأهواء والرغبات والمعاصي فكريا وثقافيا ، غير رجال الدين منظري الأديان السياسية

الأبعاد السياسية من تشبيه الشيطان بالشيء الخفي ، لكي تبقى اللحية والعمامة والقلنسوة والكاميلافكا الرمز الملائكي في نظر الطوائف الدينية السياسية ، فالقران لم يختار يوما حاكما ولا رجل دين ولم يحث محمد ولا المؤمنين بالله واليوم الأخر على اختيار رجال دين منهم ، فالدعوة كانت عامة للناس وشاملة وحدت الفكر والاعتقاد دون تحديد فئة سلطوية تتولى أمر المؤمنين ، وهنا اقصد ان المؤمنين تكتل عقائدي وحدوي الفكر والتوجه لا ينصاع إلا لما انزل الله على رسوله

رجال الدين صناعة شيطانية تجمع بين الدين والدنيا والمصالح ، لهم القدرة السياسية على بناء المصالح المشتركة مع المشركين والمنافقين والأديان السياسية ، كما لهم القدرة على الالتفاف الفكري والاعتقادي على المجتمعات ، صانعين دوغمائية اعتقاديه من مساؤها استغلال التحيز اللاواعي لدعم حكام الطوائف السياسية ، فمن تلك المجتمعات المغيبة عقليا يختار الحاكم أدوات سلطته كالجلادين والجواسيس والخونة وبائعي الضمير وأصحاب المناصب والمنتفعين والولائيين ، فعندما تصل المجتمعات الى مثل هكذا مرحلة من التخلف من الصعب إصلاحها ، وأي ولادة فكر توعوي جديد في المجتمع سواء كانت عقائدي أو إصلاحي ، يتهم بالزندقة أو الولاء لجهات خارجية ، فالشيطنة الدينية السياسية قادرة على تغير أفكارها وتوجهاتها بسهولة وفقا لمتطلبات أي مرحلة جديدة ، فرجال الدين ، قادرون على إنتاج النص التاريخي والتراثي الذي يضمن استمرار الطائفة تحت مسميات جديدة

ان فقدان المجتمعات لثقافة الكتب المنزلة جعلها مرتع لأفكار الدين السياسي التوراتي والإنجيلي والإسلام السياسي ، الذي هو الأخر ألغى ثقافة القران مستبدلا أيها بالسنة النبوية ، وتعقيبا على الأحداث التي أدت الى جلاء بني النضير ، كشف الله لنا دور الشياطين من المنافقين والمشركين في تدمير بني النضير، فالكارثة التي حلت بهم سببها غباء رجال الدين فالمنافقين العرب كانوا أكثر دهاء وشيطنة من أهل الكتاب ، وهذا ما أكده القران في أكثر من موضع، شبه الله حلف المنافقين مع بني النضير بالشيطان والإنسان ، قال الله كمثل الشيطان ، الشيطان هم المنافقون العرب ، اذ قال للإنسان اكفر المقصود بني النضير، فلما كفر قال أني بريء منك انبي أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أي ، المنافقون وبني النضير إنهما في النار خالدين فيها ذلك جزاء الظالمين

كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ{16} فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ{17}

خاطب الله المنافقين طالبا منهم التقوى بالابتعاد عن عذابه ، والكف عن رهان النفاق والشيطنة في دعوة حقيقية لتجديد الإيمان بالله واليوم الأخر، أولم يروا أنهم يفتنون في فكل عام مرة أو مرتين ، أيها المنافقون اغتنموا فرصة من يذكركم بأنفسهم ، ولا تكنوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم كبني النضير عذبوا بالجلاء عن ديارهم ، فما مطلوب منكم دنيويا العمل الجدي والنظر الى المستقبل الأخروي ، واعلموا ان أعمالكم في قبضة خبير عليم ، ففي هذا التوجيه فرصة لكم للانتباه الى ما هو أهم للتخلص من هوس الفسوق الدنيوي فلا إرادة جديدة للإنسان يوم القيامة ، فريق في الجنة وفريق في النار قال الله

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ{18} وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ{19} لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ{20}

لقد انزل الله كم هائل من الآيات القرآنية انتقد فيها المنافقين من الأعراب وأهل المدينة ، مبينا لهم ان إيمانهم ، لم يكن بالمستوى المطلوب دنيويا ، وغير منجي من العذاب أخرويا ، لو انزل الله آيات القران على جبل والجبل كتلة صلبة من تراب وحجر لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله ، فكيف بكم أيها المنافقون وانتم تحادون الله ورسوله ولم تخشع قلوبكم لذكره ، عرض التنزيل على المنافقين بعض أسماء الله في دعوة واضحة لتجديد الإيمان بالله واليوم الأخر قال الله

لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ{21}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ{22} هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{23} هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{24}

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن