|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسن صالح الشنكالي
2026 / 7 / 31
منذ أكثر من قرن، احتلت قضية التحرر الوطني مكانة مركزية في الفكر العربي وتاريخه الحديث. فكل أدبيات وكتب البلاد العربية تتحدث عن الاحتلال الغربي الغاشم، والمقاومة، والاستقلال، وطرد المحتل. وتُدرَّس للأجيال قصص الثورات والتحرير، حتى أصبح الاستقلال في الوعي الجمعي نهاية الحكاية، والغاية التي ضحّت من أجلها الشعوب.
لكن الواقع يفرض علينا أسئلة لا تجيب عنها تلك الأدبيات.
استقل المغرب، وما زالت سبتة تُعد في الخطاب العربي مدينة مغربية محتلة. ومع ذلك، وبعد أكثر من قرن على خضوعها للإدارة الإسبانية، أصبحت وجهة يقصدها كثير من الباحثين عن فرصة أفضل، هرباً من واقعهم تحت الحكم الوطني.
واليوم حدث هروب جماعي من سلطة ولي الأمر وامير المؤمنين محمد السادس
وبعد أكثر من قرن على استقلال معظم الدول العربية عن الاحتلال الغربي، ومنها العراق، يتمنى عامة الشعب لو كانت هناك جيوب غربية محتلة مشابهة لسبتة، على حدودهم ليهربوا إليها ويعيشوا تحت إدارتها.
ويمكن ملاحظة مشاعر مشابهة لدى فئات من مجتمعات عربية أخرى عانت الحروب والانهيارات والأزمات.
مثل سوريا ولبنان واليمن وليبيا وحتى بلد المليون شهيد
هذه ليست محاولة لإعادة كتابة التاريخ، ولا التقليل من قيمة نضال الشعوب ضد الاستعمار، وإنما محاولة لفهم مفارقة يفرضها الواقع:
ماذا حدث حتى أصبح الالف الناس يهربون إلى أرض يصفها الخطاب الرسمي بأنها محتلة، بدلاً من التمسك بالوطن الذي نال استقلاله؟
وهل يكفي أن نحتفل بذكرى الاستقلال إذا كان المواطن يبحث عن مستقبله خارج حدود دولته، مهما كان وضعها السياسي؟
غير أن المفارقة لا تقف عند حدود الهروب، بل تمتد أحياناً إلى ما بعد الوصول. فبعض من يفرّ من الأنظمة التي ضاقت بها الأوطان، وما إن يحصل على اللجوء ويتمتع بالحريات التي تكفلها له الدولة الجديدة، حتى يبدأ بالمطالبة بتغيير القوانين التي منحته حق اللجوء، أو بالدعوة إلى منظومات يرى أنها أقرب إلى تلك التي غادرها.
وهنا يبرز سؤال آخر: هل المشكلة في المكان وحده، أم أن الإنسان يحمل معه أيضاً منظومته الفكرية والاجتماعية؟
أعتقد أن هذه المفارقة ترتبط، في جانب منها، بالبنية الاجتماعية والتربوية والفكرية التي نشأ فيها الإنسان. فالهجرة قد تنقل الجسد من بلد إلى آخر، لكنها لا تنقل بالضرورة طريقة التفكير. ولذلك قد يهرب الإنسان من واقع يرفضه، ثم يحاول، عن قصد أو من دون قصد، إعادة إنتاج جزء من ذلك الواقع في المجتمع الذي استقبله.
ولهذا فإن أي مشروع إصلاحي لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الحكومات أو تحسين الاقتصاد، بل يجب أن يبدأ بمراجعة منظومتنا التربوية، وأساليب التنشئة، والثقافة التي تُشكّل وعي الإنسان منذ طفولته. فالأزمة لا تنتهي بالهروب من الوطن، لأن الفكر يبقى حاضراً، وإذا لم يُراجع نفسه فقد يعيد إنتاج الظروف ذاتها في أي مكان آخر.
إن معركة التحرر لا تكتمل بخروج المحتل، ولا بالهجرة إلى بلد آخر، وإنما تكتمل عندما يتحرر الإنسان من الأفكار التي تعيد إنتاج الاستبداد، ويؤمن بأن الحرية التي يطالب بها لنفسه لا تستقيم إلا إذا آمن أيضاً بحق الآخرين في أن يكونوا أحراراً.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |