الشعبوية فى مصر .. تاريخ قديم متجدد

رياض حسن محرم
2020 / 10 / 10

للشعبوية فى مصر تاريخ يمتد الى أوائل القرن الماضى، فمع نشأة الحركات القومية المتطرفة فى أوروبا التى اقترنت بظهور قادة ديماغوغيين يربطون بين القومية والوطنية وتمييز العرق الجينى لتلك الشعوبوالجنس الأبيض عموما، ونزعة الخطاب الأخلاقى وإدعاء الديموقراطية النابعة من الشعب مباشرة والمعادية لأفكار اليسار والليبرالية، وكانت مصر من بين الدول المتأثرة بهذه الموجة القومية، فظهرت حركات وطنية متطرفة كمصر الفتاة في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين بقيادة المحامي أحمد حسين، كتيار معاد للأحزاب والحريات السياسية والرغبة فى الاستقلال عن بريطانيا العظمى. فأشتق أسم مصر الفتاة من الجمعية الفاشية فى إيطاليا، التى كانت تسمى إيطاليا الفتاة أيضًا، ورفع شعار “مصر فوق الجميع”، الذى تم استيراده من شعارات النازية "المانيا فوق الجميع"، وأوغلت أفكارها فى الحركات الإسلامية لانها كانت دومًا تنافسها فى استقطاب الشباب المتدين، الذين غازلتهم الحركة بتحولها إلى الحزب الإشتراكى الإسلامى، ومناداتها بأفكار دينية خالصة تنافس بها جماعة "الإخوان المسلمين".
عندما قامت ثورة 1952 سارعت باخراج " فتحى رضوان" شريك "أحمد حسين" وصنوه السياسى من السجن لتضعه على رأس "وزارة الإعلام" التى تعتبر الناطق الثورى باسم الثورة والناق لأيديوليجيتها الى الجماهير، ووصلت شعبوية يوليو الى أوجهها فى أزمة مارس 1954 حينما خرجت مظاهرات مدفوعة الأجر لتهتف ضد الديموقراطية والحرية، ورغم شعبية عبد الناصر التى لا جدال عليها فلم يمنع لجوئه الى الخطاب الشعبوى الموجه ضد مخالفيه فى الداخل والخارج، بعد موت عبد الناصر ظل خليفته أنور السادات يعاني من غياب الكاريزما ، وبدأ يتسول شعبيته اعتماداعلى منظور دينى فى اكتساب تلك الشعبية، إلى درجة وصفه لنفسه بالرئيس المؤمن، وتسميته لمصر ببلد العلم والإيمان واستخدامه لشعار شعبوى هو "مصر أولا"، وقد رسخت هذه الفترة تحديدًا الربط بين الدين والسياسة بالشكل الذى نراه اليوم، بإقرار المادة الثانية في الدستور والتي تنص أن الإسلام هو دين الدولة والمصدر الأساسى التشريع، و على عكس سابقيه، لم يكن خطاب مبارك خطابًا شعبويًا، ولم يتسول الشعبية، بل اعتمد على الأرقام بالاساس، وعلى المنجزات الاقتصادية، التى اعتبر انه حققها، ولكن لغياب الشفافية وسيطرة رجال الأعمال الفاسدين على الحكم، والسعى لتوريث السلطة والحكم، مما دفع الجماهير للثورة عليه وإجباره على التنحى عن الحكم.
بعد تنحى مبارك فى 11 فبراير فشلت القوى الثورية والمدنية فى محاولات تأسيس نظام مدنى قائم على خطاب التعددية والمواطنة وقيم حقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية والمساواة. وعجزت عن تكوين تنظيمات سياسية قوية، واستبدلت روح المبادرة بردود الأفعال، مما جعلهم مجرد أداة فى المباراة الصفرية ما بين مليونيات الحركات الإسلامية والقوى المدنية فى تنافس على الشعبية، وبين والمؤسسة العسكرية المسيطرة على كيان الدولة. وفى لحظة 30 يونيو تحديدًا، لجأت القوى المدنية (جبهة الإنقاذ) إلى تسييد المؤسسة العسكرية والتحالف مع الدولة العميقة، من أجل حسم المعركة لصالحها، فى محاولة لإستعادة الدولة من جماعة الإخوان المسلمين واقصائها عن الحكم بعد تجربة مريرة على مدى عام من الفشل، وجاء وصول "ترمب " الى المكتب البيضاوى بمثابة انقاذ لنظام السيسى، فصعود ترامب لرئاسة البيت الأبيض كان فرصة جوهرية لجميع النظم التى لا تؤمن بالديمقراطية وبحقوق الإنسان، بعكس اوباما الذى كان يبدى اهتماما شكليا بهكذا أمور، فقد رفض أوباما كافة الترتيبيات التى حدثت بعد 3 يوليو 2013، وأوقف شحنات السلاح المتفق عليها مسبقًا مع السلطات المصرية، كما عطل المعونة العسكرية السنوية للقوات المسلحة المصرية، فى محاولة منه لفرض عقوبات على النظام السياسى، وهذا ما تراجعت عنه كليًا الادارة الجديدة فى عهد ترامب. وبالتوازي مع ذلك ، تحفظت العديد من الحكومات الأوروبية على خارطة الطريق التى أعلنت فى بيان 3 يوليو 2013، والأحداث الدامية التى تلته، إلا انها وضعت الأولوية لتحقيق الاستقرار الأمني والعسكري فى البلاد الذى حققه النظام الجديد، خاصة فى ظل العمليات الإرهابية التى شهدتها مصر وبعض دول الاقليم والعالم ، بالإضافة إلى وجود أدراك عام بأن التجربة السياسية بعد وصول جماعة الاخوان المسلمين إلى الحكم فى مصر، أثبتت أن التيار الإسلامى برمته غير ديموقراطى وله نفس الصفات ذات الطابع الإرهابى.
فى ظل سلطة الجنرال السيسى طلت الشعبوية هى الأساس كسلوك فى الحكم ومنطوق الخطاب له ينطق بذلك، مثل وجود أطروحة الصراع الوجودى بين أهل الخير وأهل الشر، وغياب البرامج المحددة، وسيادة الخطاب العاطفي بدل العقلاني، والادعاء الدائم بنوع خاص من الديموقراطية، والترويج للزعيم المنقذ، :القائد “المخلص”، ذو القدرة الكلية على «إنقاذ البلاد» وتحقيق الرخاء. قائد الحركة، رجل اللحظة، زعيم، فوق البشر، يجمع ما بين الشرف والكرامة والقوة والحياد، وفوق كل شيء، فهو يتمتع بعلاقة وطيدة مع “الشعب”، رابط مميز، مباشر، بغنى عن الاستفتاءات والصناديق ، وكراهية النظم والنخب ذات الميول الإجتماعية، إلا أن الشعبوية الجديدة فى مصر لها ملامح مختلفة تبعًا للسياق الذي ظهرت فيه، والذى يختلف كليًا عن شعبوية خطاب المرحلة الناصرية، ظهرت الشعبوية الجديدة فى مصر فى كنف النيوليبرالية، فعملت السلطة الحاكمة على تحرير الاقتصاد المصرى، ورفع الدعم عن السلع الاساسية ، وزيادة الضرائب على الفقراء، والانصياع لتوصيات المؤسسات الاقتصادية الدولية، وترسيخ سياسات "عدم تدخل الدولة فى السوق"، وفي محاولة للحفاظ على الصورة السلطوية التي يرغب ترسيخها شعبيا، لحأ لتنفيذ مشروعات كبرى، بغض النظر عن جدوى تلك المشروعات، فنجد أن المنظومة الحاكمة فى مصر تقوم بإعادة انتاج انجازات لها علاقة خاصة بذاكرة الشعب مثل حفر قناة السويس الجديدة، وبناء مشروعات طرق وجسور ومشروعات استصلاح الصحراء، وغيرها من المشروعات القومية الكبرى، التى يعجب بها المواطنين. بالإضافة إلى الحديث الدائم عن الانجازات العملاقة وغير المسبوقة، وانكار وجود اية مشكلات، كما من المعتاد أن يعلن الشعبويون أنهم لا ينتمون لا لليمين ولا لليسار، ما نعرفه عنهم هو أن “أحلامًا وطموحات عظيمة” تحركهم، مثل “إنقاذ البلاد” أو تحقيق “الديمقراطية الحقيقية”، ولكن من النادر أن نعرف منهم كيف ينوون الوصول إلى تلك “الأهداف النبيلة” على أرض الواقع، كما اننا لا نعرف خططهم في مجال المؤسسات أو الاقتصاد أو السياسات الخارجية..
رغم أن شرعية النظام السياسى الحالي تقوم على مناقضة حكم الاخوان الاستبدادي ومناهضة تيارات الإسلام السياسى، ويستهدف قطيعة دائمة بين السلطة وهذه التيارات؛ إلا أن السياق الاجتماعي والتوغل الكبير للدين والإسلام السياسي فى دينامكيات العلاقات فى المجتمع، لا يجعل السلطة قادرة على إحداث قطيعة مع الشكل المتدين للدولة، دون دمقرطة حقيقية، فمظاهر التدين الشعبى فى مصر ترسخت تدريجيًا منذ أواخر الستينات ، وإن كانت مجرد مظهرشكلى، وهو ما يحعل الدولة تطلق حديثها عن نسخة مصرية وسطية من الدين الإسلامى، مختلفة عن نسخة التيارات الاسلامية الرجعية، ولكن صلب القضية هو احتكار السلطة الحق الحصري للحديث باسم الدين في الشؤون العامة والشأن السياسي كما في شؤون الحياة الخاصة، حيث يقوم النظام السياسى بتوظيف المؤسسات الدينية الرسمية، إسلامية ومسيحية، لكي تتماهى مع مفاهيمه الذاتية، وتستحوذ على مضامين الفهم القويم للدين عبر آليات متوهمة للإصلاح والتجديد في الخطاب الديني، كل ذلك سيجعل النظام عاجزا أمام مؤسسات راسخة كالأزهر والكتدرائية طالما أنه يحتكر الحق الحصرى فى تجديد الخطاب الدينى، بل أنه يقف عاجزا أمام أبسط الإصلاحات كالطلاق الشفهى.
كما أنه من ملامح الشعبوية فى مصر تسفيه القوى السياسية المدنية وفى القلب منها القوى اليسارية والليبرالية، بإعتبار ان الذين مارسوا السياسة في السابق ، عجزوا عن الدفاع عن البلاد والمصلحة الوطنية، بهذه النظرة توغلت المؤسسة العسكرية فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، على أساس أنها الوحيدة القادرة على تلبية مطالب الجماهير منزهة عن المصالح الشخصية كما يفعل المدنيون، وبدأ الاعلام في تصوير المؤسسة العسكرية ودورها الذي يتجاوز تأمين البلاد ضد الاخطار الخارجية والإرهاب ، وإنما ردًا على فساد النخب المدنية، وبالتالى التعامل مع هذه المؤسسة بإعتبارها المنقذ والتعامل مع الرئيس بإعتباره الزعيم المخلّص، وتعاملت السلطة مع الاحزاب السياسية والبرلمان بمفاهيم الاصطفاف الوطني والاجماع والتعامل مع الراي المعارض باعتباره معطلا للمسيرة وللمشروعات الريادية في التنمية ، وفى نفس الوقت امتنعت هذ النخبة الشعبوية عن تكوين حزب أغلبية للرئيس، بل ترفض فكرة الحزب من حيث المبدأ وتعتمد على شعبوية غير منظمة بل اعتماد الأغلبية البرلمانية كرديف مؤيد بالمطلق للرئيس، دائمًا ما يخاطبون العواطف، ويتحدثون عن “الشباب”، عن “حب البلد”. من شعاراتهم المفضلة هي أنهم “رجال أفعال لا أقوال”، وأنه لا بد من التخلص من “عدم الفعالية والثرثرة العقيمة اللتين تهيمنان على السياسة.
وهكذا تظل ملامح الشعبوية مهيمنة على دول الغرب والشرق سواء، تطبع بصمتها على عالم تضمحل فيه السياسة والعقل لصالح تيار كاسح يخاطب الغرائز أساسا..تلك هى المشكلة.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا