تونس- انتفاضة الحرية والكرامة

محمد علي الماوي
2013 / 6 / 26

( أعيد اصدار هذا النص حول الانتفاضة في تونس ممضى من قبل"أنصار الديمقراطية الجديدة" بهدف تبيان ان الرجعية التفت على الانتفاضة وهي تتجه نحو التغول في السلطة وتمهد لانتصاب ديكتاتورية من نوع جديد-)
يعيش عمال العالم وشعوبه المضطهدة حالة مخاض وحالة غليان تحتد تارة وتخفت تارة أخرى.ومقابل هذا الغضب المتنامي وتعدد البؤر الثورية وتزايد وتيرة الانتفاضات يحاول النظام الامبريالي في أشباه المستعمرات إخماد لهيب الصراع الطبقي والنضال الوطني من خلال الاعتماد على العملاء من جهة وعلى كل أرهاط الانتهازية من جهة ثانية.وتمكن "النظام العالمي الجديد" في مواقع عدة من إجهاض الثورة بتغيير مجرى الصراع وجعل النضال الوطني يحيد عن هدفه الحقيقي ليحوّله إلى صراع كتل لا تخرج في الحقيقة عن الاختيارات الامبريالية رغم تظاهر بعض الأطراف بالاستقلالية وبمعاداة الامبريالية والرجعية.
لقد انتفضت الجماهير في أوروبا الشرقية ضد رأسمالية الدولة ونظام الحزب الواحد الذي كان يدعي زيفا انه حزب شيوعي لكنها لم تجن ثمار انتفاضاتها وظلت البرجوازية جاثمة على صدور الشعوب كما انتفضت الجماهير في أشباه المستعمرات من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا واسيا (, بوليفيا ,بوركينافاسو, فليبين,اندونيسيا...) واعتقد البعض أن "الحرية السياسية" قد تحققت وأنجز الشعب عملية الانتقال إلى الجمهورية الديمقراطية غير أن التاريخ بين أن الانفتاح الظرفي الذي يقدمه الاستعمار الجديد وعملاؤه سرعان ما يتحوّل إلى قمع مفضوح والى تطبيق سياسة التجويع والنهب وسحب المكاسب التي حققتها الانتفاضات بفعل التعبئة الشعبية.
إن انتفاضة الحرية والكرامة في تونس تندرج ضمن حركة التحرر الوطني الديمقراطي وهي مساهمة من الشعب العربي في تونس في دك حصون نظام "العولمة" وفتح الباب واسعا أمام الجماهير العربية لتنتفض على منوال الشعب في تونس و فعلا هبت الجماهير في مصر واليمن والأردن والجزائر مرددة أحيانا نفس المطالب ونفس الشعارات بالرغم من أن القضية ليست بوصفة يقع تطبيقها حرفيا أو نسخها كما هي لان كل قطر له خصوصيات يحددها التطور اللامتكافئ في الوعي والتجربة كما تحددها طبيعة القوى السياسية المتواجدة على الساحة ، ومن المنتظر أن تعم الانتفاضات الشعبية بقية الأقطار العربية الأخرى .
تندرج انتفاضة الحرية والكرامة في إطار حركة التحرر العربية وتطرح بإلحاح احتداد التناقض بين الشعوب والأمم المضطهدة من جهة وبين الامبريالية وعملائها من جهة ثانية .
وتحاول الامبريالية – الأمريكية والفرنسية خاصة - التدخل عبر سفاراتها وجواسيسها من أجل صيانة مصالحها في المنطقة، خاصة وان الجنرال المخلوع كان الشرطي الأمين للمخابرات الأمريكية وللموساد الصهيونية التي تأسفت على رحيله علما وان الجنرال انخرط مباشرة في "مكافحة الإرهاب" على الطريقة الأمريكية وأصبح يتهم كل من يخالفه الرأي بالإرهابي وكان التجمع-الحزب الحاكم- يعد القوائم ويوزع التهم على المعارضين.
إن توجه الانتفاضة نحو فضح العملاء ومن يقف وراءهم سواء كانت الامبريالية الفرنسية التي عبرت عن استعدادها لقمع الانتفاضة ومساعدة الجنرال أو الامبريالية الأمريكية التي تحتضن الحكومة الحالية وتدعمها وتقدم لها النصائح وترسم لها خريطة الطريق، إن هذا التوجه الشعبي يقلق المستعمرين الجدد كما يقلق التحالف الطبقي الحاكم أي البرجوازية العميلة والسماسرة الذين اثروا على حساب الشعب وملاكي الأراضي الكبار الذين عاثوا فسادا في الأرياف وتسببوا في تفقير الفلاحين وفي سلب أراضيهم بأبخس الأثمان. لذلك يحاول الاستعمار الجديد- وخاصة أمريكا وفرنسا- بالاعتماد على التجمع- الحزب الحاكم- وبإقناع اللاهثين وراء الكراسي بضرورة حصر الصراع في إطار كتل رجعية وانتهازية تقبل بالمشروع الامبريالي وتقبل بتطبيق سياسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وهنا يتحتم تحذير الفئات الشعبية من هذه الأطراف التي لا ترى مانعا من سرقة الانتفاضة وطعن الشعب من الخلف والوصول إلى الكرسي لتتحول فيما بعد- إن قبلت الامبريالية بوجودها- إلى أكثر الأطراف رجعية.
إن القوى الامبريالية المتصارعة على القطر وأساسا الامبريالية الأمريكية والفرنسية تحاول إخماد الانتفاضة بكل الوسائل وهي تسعى أولا وقبل كل شيء إلى تحويل الصراع من صراع تحرري بين الشعب والامبريالية وعملائها إلى صراع كتل وجماعات لا تعادي في الحقيقة النظام الاستعماري الجديد وتقبل بالعمل في إطاره باسم التكتيك وواقع موازين القوى وصعوبة الظرف والحاجة إلى المؤسسات الأجنبية الخ...وقد عبرت هذه القوى بمختلف مشاربها ورغم تناقضاتها على العمل سوية في إطار ما يسمى" بالوحدة الوطنية وبالمصلحة العامة للبلاد" وقد اجتمعت هذه التيارات الانتهازية تحت إشراف البيروقراطية النقابية الممثلة في شخص جراد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل والذي زكى ترشح الجنرال ودافع عنه طوال 23 سنة ومرر سياساته من التفويت في المؤسسات العمومية إلى مدرسة الغد والتأمين على المرض والعمل بالمناولة الخ...وتجمعت هذه القوى في "جبهة 14 جانفي" والتحق الجبالي ممثل الاخوانجية بهذه النقاشات التي تهدف بالأساس إلى الالتفاف على الانتفاضة.
إن هذه القوى الانتهازية والتي سبق لها أن طلبت التأشيرة من الجنرال المخلوع أمثال حزب العمال الذي التقى زعيمه الزين في 87 وحزب" العود" المتحالف مع مجموعة الطريق الجديد الممثلة حاليا في الحكومة والاخوانجية الذين زكوا الزين وباركوا 7 نوفمبر على لسان الغنوشي ومورو والجبالي ... إن هذه القوى وإلى جانبها مجموعات نقابوية- فوضوية لا تعبر عن مطالب الانتفاضة ولا تسعى إلى إحراج دولة الكمبرادور والإقطاع بل تعمل على إنقاذها من عزلتها كما فعلت سابقا في 87 وتدير ظهرها إلى مطالب الشعب المتعطش إلى الحرية والكرامة الوطنية، شعب يناضل من أجل التحرر الوطني الديمقراطي لا من أجل الكراسي والامتيازات.
إن هذه العصابة الانتهازية، من يسراوية واخوانجية، لم تفهم بعد أننا نعيش عصر تفكك النظام الامبريالي وبروز الثورات الديمقراطية الجديدة في أشباه المستعمرات وعصر الثورات الاشتراكية في البلدان الرأسمالية بما في ذلك الصين وكوريا وكوبا. إن هذه الانتفاضات بما في ذلك المواجهات المسلحة في بعض البلدان لم تتوج بالانتصارات لأن الطرف الرئيسي في التناقض حاليا هو الامبريالية وعملاؤها وهو ما يعني أن الامبريالية ما تزال قادرة حاليا بفعل العديد من العوامل على إجهاض الانتفاضات وعلى أن تعرقل تقدم حرب الشعب التي تندلع هنا وهناك وأن تحول الصراع بين الامبريالية والشعب إلى صراع كتل متناحرة تغيب مصالح الشعب وتنخرط في نظام العولمة بطرق ملتوية لمغالطة الجماهير.
تنطبق كل هذه الاحتمالات على تونس فهناك محاولات عدة لضرب الانتفاضة وتحويل وجهتها من انتفاضة تفتح الأفق أمام التحرر الوطني الديمقراطي إلى انتفاضة من أجل بعض الإصلاحات المزيفة والتي ستستفيد منها أحزاب المعارضة ويبقى الشعب خارج اللعبة ودون مكاسب ومحروما من أبسط حقوقه .
1) أسباب الانتفاضة
تسبب تدهور الوضع الاجتماعي في توسع رقعة الاحتجاجات فانتفض الحوض المنجمي سنة 2008 ودامت الانتفاضة 6 أشهر وطالت الاحتجاجات العديد من القرى مثل جبنيانة والصخيرة وفريانة وبوسالم وسليانة وبن قردان... هذا فضلا عن العديد من الاعتصامات والإضرابات المتتالية بفعل الطرد التعسفي وغطرسة الأعراف...وشهد الريف عملية تفقير منظمة من خلال افتكاك الأراضي ولعبت البنوك دورا محددا في تداين الفلاحين وتفقيرهم كما أن الامتيازات التي قدمت للسماسرة وكبار الفلاحين تسببت هي الأخرى في توسع رقعة الغضب الشعبي وشمل هذا الغضب العمال والفلاحين في مرتبة أولى لكنه شمل كذلك فئات البرجوازية الصغيرة مثل خريجي الجامعة المعطلين عن العمل والموظفين والحرفيين والتجار الصغار وطال الكوادر العليا إن صح التعبير مثل الأساتذة والمحامين والأطباء والصناعيين المحليين الخ...لقد تضررت كل الطبقات الشعبية من سياسة العملاء الذين يطبقون حرفيا نصائح صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ويكلفون "المافيا" المحلية، العائلات المقربة لقصر قرطاج، بعمليات النهب والسطو وقمع المحتجين.
تسببت عربدة الجنرال والمقربين منه في تعميم الغضب جراء الأوضاع الاجتماعية التي لم تعد تطاق فغلاء المعيشة يهدد أبناء الشعب بشبح الجوع وتدهور القدرة الشرائية لم تعد تمكن الكادحين من توفير ابسط الضروريات لأفراد العائلة وتدهور وضع التعليم وارتفعت تكاليف العلاج والتهبت أسعار العقارات وتفاقمت البطالة فشملت كل الفئات الشعبية وشرع النهب تحت غطاء "التبرعات" مثل صندوق 26-26 وتشغيل الشباب 21-21- والحاسوب العائلي والسيارة الشعبية وغيرها من المشاريع "الخيرية" التي غطت كل مجالات الحياة الاجتماعية بما في ذلك الصحة والتعليم حيث شيدت زوجة الجنرال المصحات وبعثت عائلتها جامعات خاصة بأموال عمومية...
والى جانب تدهور الوضع الاجتماعي لعموم الشعب فان الجنرال خنق الحياة السياسية وعسكر الحياة العامة وأصدر العديد من القوانين لتبرير القمع والإرهاب فتم غلق النوادي الثقافية والفكرية ومنح الحزب الحاكم حق القرار في تتبع المعارضين والوشاية بهم وعرقل نشاط الجمعيات المستقلة فلجم من يعارضه ونصب عناصر موالية له وأفرغ كل المنظمات من منخرطيها واستحوذ على كل نشاط سياسي وثقافي وفكري ( منظمة حقوق الإنسان- نقابة الصحفيين- جمعية القضاة- المحامون الشبان- مصادرة الجرائد وحجب المقالات والكتب- تفكيك اتحاد الطلبة- تخريب الاتحاد العام التونسي للشغل بالاعتماد على المكتب التنفيذي والمكاتب الجهوية التي تحولت كلها إلى بوليس سياسي يراقب المعارضين...) ونصب معارضة كرتونية للتظاهر بالديمقراطية والمزايدة "بدولة القانون وبالمجتمع المدني" وزكت الامبريالية الأمريكية والفرنسية هذه السياسة القمعية واللاشعبية وقدمت للجنرال كل الدعم على كل المستويات كما قبل العديد من الوصوليين والمعارضين بهذا الوضع وطبلوا له لسنوات طوال ونعتوا الآخرين بالتطرف وعدم التحلي بالواقعية وها هم الآن يقدمون أنفسهم كضحية ويحاولون ركوب الموجة بكل انتهازية وفق الشعار "مات الملك يحيا الملك".
2) طبيعة الانتفاضة
أ- إنها انتفاضة عفوية وشعبية أشعل فتيلها الشهيد محمد البوعزيزي وانتشرت بصفة سريعة كالنار في الهشيم وبعد أن أخذت شكل الاحتجاج العفوي ضد أعوان التراتيب وردة الفعل على التعسف الذي سلط على البوعزيزي انقلبت بسرعة البرق إلى حركة اجتماعية احتجاجية اتسعت رقعتها وشملت أكثر الجهات تضررا وخاصة الأرياف المفقرة لتصل إلى العاصمة وتتحول شعاراتها من شعارات اجتماعية إلى شعارات سياسية تطالب بكل وضوح برحيل الجنرال وحل الحزب الحاكم. وهرب الجنرال بمساعدة الحكومة الحالية والجيش والأمريكان.
إنها انتفاضة شعبية بأتم معنى الكلمة لأنها شملت كل الطبقات الشعبية :الشباب العاطل عن العمل في البداية والفلاحين الفقراء والمهمشين وأشباه البرولتاريا ثم كل فئات البرجوازية الصغيرة من موظفين وحرفيين إلى الأساتذة والمحامين والأطباء وتزامنت الانتفاضة مع العديد من الإضرابات التي كانت مبرمجة في سلك التعليم والبريد والصحة...
إنها انتفاضة عنيفة ككل الانتفاضات العفوية شهدت تجاوزات عدة قام بها النشالون الذين استغلوا الفراغ الأمني وبعض العصابات المنظمة التي أطلقها الحزب الحاكم ووزارة الداخلية والحرس الرئاسي أما الجماهير الشعبية فقد توجهت إلى مواقع محددة بوعيها العفوي فأحرقت أكثر من 85 مركز حرس حسب الأرقام الرسمية وأحرقت مراكز الشرطة خاصة في الأحياء الشعبية ومقرات الحزب الحاكم وبعض البنوك واسترجعت أموالها بالهجوم على بعض المراكز التجارية الكبرى. إنها انتفاضة عنيفة لا علاقة لها بالياسمين كما يسميها البعض لان الجماهير لم تكتف برشق الحجارة والتكسير باستعمال الهراوات والعصي بل استعملت الملوتوف والزجاجات الحارقة التي صنعتها على عين المكان لتحمي الأحياء وتدافع عن نفسها في مواجهة العصابات البوليسية وما سمي بالحرس الرئاسي وهو أمر لازال غامضا وتحوم حوله العديد من التساؤلات ويشك الشعب في أن وزارة الداخلية هي المسؤولة على بث الرعب في نفوس الجماهير غير آن صمود الشباب في الأحياء وخروجهم بأعداد غفيرة لحماية الأحياء فاجأ وزارة الداخلية التي عدلت على تكتيك السماح للقناصة بقتل الأبرياء.
ب- انتفاضة وليست ثورة
انخرط الحزب الحاكم والرئيس المبزع والاخوانجية والمعارضة بكل مشاربها بما في ذلك حزب العمال و حزب العمل والمجموعات التروتسكية والنقابوية في تسمية الانتفاضة "ثورة". فلماذا هذه المغالطة ؟ تهدف هذه المغالطة إلى إيهام الشعب آن الأمور تغيرت وان الثورة قد حصلت بما أن الجنرال قد هرب في حين أن مؤسسات الدولة العميلة ما زالت قائمة الذات كما أن الجيش لازال تحت أوامر العملاء وجهاز البوليس بكل فرقه مازال في خدمة البرجوازية العميلة وملاكي الأراضي الكبار الذين عاثوا في البلاد فسادا كما أن كل القوانين لم تتغير ولازالت وسائل الإعلام في خدمة الحكومة القديمة الجديدة وفي خدمة نظام الاستعمار الجديد، هذا فضلا عن البنية الفوقية التي لم تشهد أي تغيير فالثقافة هي ثقافة المجتمع شبه مستعمر وشبه الإقطاعي ولا علاقة لها بالثقافة الوطنية الديمقراطية الشعبية. لقد هرب الجنرال لكن كل مقومات الدولة العميلة من قضاء وقوانين واتفاقات مع الامبرياليين ومعاهدات سرية وجيش وبوليس وسياسة تعليمية وصحية واجتماعية لم تتغير، كما أن الحزب الحاكم ينشط بصفة طبيعية .
تهدف الرجعية الحاكمة بما في ذلك الاخوانجية و"المعارضة اليسارية" رغم تشدقها بالماركسية إلى خلط الأوراق والإعداد إلى مرحلة ما بعد الانتفاضة لان الرجعية والانتهازية تراهن على استنزاف طاقات الشعب المنتفض وتعد إلى تمرير بعض الإصلاحات التي لن يستفيد منها الشعب لكن المعارضة ستستفيد بالتأكيد أولا بفعل الاعتراف بها قانونيا وثانيا بإمكانية الحصول على الدعم المالي من قبل "الدولة" وثالثا بإمكانية تشريكها في إدارة دولة العمالة بغض النظر عن المناصب التي يمكن أن تتولاها.
تردد الرجعية والتيارات الانتهازية أن الأمور تغيرت وهي تقول إلى الجماهير المنتفضة بما أن الجنرال رحل فليرجع الجميع إلى العمل وليترقب الانتخابات وليترك الحكومة المؤقتة تعمل في كنف الاستقرار والأمن. وسيقول الشعب كلمته عبر الانتخابات. يوهم هذا الخطاب الذي انخرطت فيه "أحزاب اليسار" بان الوضع تغير وأن "الثورة " حصلت ولا رجعة فيها ويخفي هذا المنطق نظرية التحول السلمي وإمكانية التخلص من الهيمنة الامبريالية ومن التخلف الإقطاعي بطرق سلمية أي أن الطبقات الحاكمة ستقبل بمحض إرادتها الانسحاب من الحكم وتسليمه إلى المعارضة أو إلى من يدعي الجمهورية الثانية أو الجمهورية الديمقراطية. وبما أن الرجعية لن تستسلم بالطرق السلمية ولن تفرط في السلطة وإن أدى ذلك إلى حرب أهلية - والتاريخ شاهد على ذلك- فان الخطب الانتهازية تقدم بعض الإصلاحات وبعض التعديلات على أنها ثورة لتبرر انخراطها في المصالحة الوطنية أو في الميثاق الاجتماعي كما سبق لها أن فعلت ويتم هذا الوفاق الطبقي على حساب مصالح الشعب لأنه لا مجال لخلط الأوراق بتعلة "وحدة الوطن" أو "كلنا توانسة" في حين أن هناك تناقضا بين الشعب من جهة وبين أعدائه أي البرجوازية العميلة بكل شرائحها والتي أجرمت في حق الشعب وملاكي الأراضي الكبار الذين عذبوا الفلاحين الصغار وشردوا ألاف العائلات من جهة ثانية. إن طمس هذا التناقض الصارخ بين الطبقات الشعبية والطبقات العميلة للخارج لا يخدم مصلحة البلاد بل يعمل على تأبيد الهيمنة والتخلف. وقد حان الوقت لقول الحقيقة لجماهير شعبنا وهي حقيقة يدركها أبناء الشعب المناضل ولن يفلح الرجعيون والانتهازيون في إخفائها.
حققت الانتفاضة بعض الأهداف فهي قد أطاحت براس السلطة ولا يجب الاستهانة بهذا المكسب العظيم الذي تحقق بفضل التضحيات الجسام طوال السنين كما فتحت الانتفاضة الباب على مصراعيه لمحاسبة كل من أثرى على حساب الشعب وطالبت بحل حزب التجمع وبحرية التعبير والتنظيم وأجبرت السلطة على الاعتراف بكل حزب قدم ملفا لوزارة الداخلية وتعهدت الحكومة بمنح التأشيرة لكل من يرغب في ذلك كما أجبرت الانتفاضة الحكومة الجديدة القديمة على إطلاق سراح المساجين وسن العفو التشريعي العام والتخفيض في سعر الخبز والحليب والاستجابة إلى العديد من المطالب مثل التخلي عن الوجوه القديمة والقبول بتغيير المعتمدين والولاة و السفراء الخ...إن الانتفاضة قادرة على أن تحقق العديد من الأهداف لكنها لا يمكن أن تتحول إلى ثورة لان الثورة تعني بكل بساطة افتكاك السلطة من قبل الطبقات الشعبية بقيادة عمالية والقضاء على دولة السماسرة وتغيير كل القوانين وإرساء علاقات اجتماعية جديدة ..
إن الثورة في تونس تعني أولا وقبل كل شيء حسم التناقضين اللذين يطبعان مجتمعنا شبه المستعمر وشبه الإقطاعي، ودعم السلطة الديمقراطية الشعبية بقيادة الطبقة العاملة المتحالفة مع جماهير الفلاحين الفقراء وباقي الفئات الشعبية وإنجاز المهام الوطنية الديمقراطية التي يمكن ذكر البعض منها: فسخ كل الاتفاقيات المخلة بالسيادة الوطنية والمخربة للاقتصاد الوطني وطرد الأساطيل الراسية في المياه الإقليمية، تأميم ممتلكات الامبرياليين ومصادرة أملاك الإقطاعيين وتطبيق شعار الأرض لمن يفلحها وتأميم التجارة الخارجية، إقرار الحريات العامة والفردية وكل أشكال التنظم الشعبي وإقرار حق انتخاب الموظفين والقضاة...وضبط شروط إقالتهم عند الضرورة، فصل الدين عن الدولة وضمان حرية المعتقد وإقرار المساواة التامة بين المرأة والرجل، إقرار نظام جبائي عادل وتصاعدي حسب الدخل مع إعفاء ذوي الدخل الضعيف، محاربة التلوث وحماية البيئة والمحيط، ضمان الشغل للجميع وتوفير الخدمات الصحية المجانية لكافة الجماهير....
3- الدروس
يتمثل أول درس في ضرورة الاصداع بحقيقة طالما تجنبتها الرجعية والانتهازية ألا وهي أن الشعب هو صانع التاريخ وأن الانتفاضات والثورات لن تحصل بين الجدران أو في عالم افتراضي بالرغم من أن الانترنت لعبت دورا في تجنيد الشباب.
- ثانيا، إن من حق الشعب أن يثور وأن عملية القمع المنظمة تولد المقاومة وتتطور المقاومة إلى مواجهة بين أصدقاء الشعب وأعدائه وتأخذ المقاومة أشكالا عدة قد ترتقي إلى المواجهات المسلحة في وجه العدو المدجج بالسلاح والى حرب شعب طويلة الأمد تعمل على استنزاف العدو وتحويل موازين القوى لفائدة الشعب.
- ثالثا، بينت الانتفاضة أهمية الأرياف المنسية حتى من قبل القوى التي تعتبر الفلاحين الحليف الاستراتيجي للطبقة العاملة. وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة الاعتناء بالشباب في الأرياف وبالفلاحين الفقراء الذين ليس لهم ما يخسرون عدا البؤس والحرمان.
- رابعا، أحدثت الانتفاضة فرزا سياسيا وطبقيا فهناك من وقف إلى جانب الشعب المنتفض دون تحفظ ودون حسابات وهناك من ساند الانتفاضة من أجل الحصول على بعض الامتيازات أما الرجعية الحاكمة فتبنت الانتفاضة التي أطلقت عليها مصطلح ثورة لتلتف عليها وتربح الوقت. وقد برزت 3 أطراف دون احتساب الشعب المنتفض: الطبقات الحاكمة والمعبرة عن مصالح الامبريالية بما في ذلك الاخوانجية، المعارضة وتحديدا جبهة 14 أو"المؤتمر الوطني" وقيادة الاتحاد الموغلة في التآمر على مصالح الكادحين ومقابل هذه الأطراف التي تلهث ليلا نهارا وراء الكراسي يقف الشعب دون قيادة فعلية بل أن بعض القوى ظلت خارج هذه الأطراف وهي قد تشكل بديلا عن المعارضة الإصلاحية من وجهة نظر الشعب المنتفض.
- خامسا، طرحت الانتفاضة ضرورة الاعتناء بالشباب العاطل عن العمل وأصحاب الشهادات العليا كما برز الشباب المهمش في مواجهة البوليس وجهاز القمع وعبر عن استعداده للتضحية في سبيل الحرية والكرامة.
- سادسا، انخراط الشباب في المواجهات المسلحة من خلال مهاجمة مراكز الحرس والشرطة واستعمل الزجاجات الحارقة ورد على العنف الرجعي بالعنف الجماهيري العفوي والبدائي وهو ما أزعج الرجعية الحاكمة والتيارات الإصلاحية المنادية بالتعايش السلمي مع الأعداء وإن أقدم الأعداء على تقتيل أبناء الشعب وتنظيم العصابات لترويع الأبرياء.
- سابعا، أثبتت الانتفاضة إفلاس ما يسمى "بمكونات المجتمع المدني" فقد اندلعت الاحتجاجات أكثر من مرة خارج أطر الاتحاد العام التونسي للشغل بل أن قيادة الاتحاد البيروقراطية والخائنة تملصت أكثر من مرة من الإضرابات وحتى من تحركات الحوض ألمنجمي، كما أن أحزاب "الكرتون" لا تمثل الشعب وتتناقض برامجها مع تطلعات الشعب وتحاول هذه الأحزاب الانتهازية تبرير ذلك بحالة القمع التي كانت سائدة متناسية أنها شاركت في كل الانتخابات المزورة رغم واقع العسكرة والدسترة.
- ثامنا، إن الدرس الأهم والذي لابد من تناوله على جناح السرعة وبصفة استعجالية هو كيفية تمثيل الشعب حاليا في حزب يعبر عمليا عن مطالب الجماهير ويتماشى وتطلعاتها نحو التحرر الوطني الديمقراطي باتجاه مجتمع جديد يفتح آفاق النضال الفعلي ضد استغلال الإنسان للإنسان ويطمح نحو القضاء على الدولة والوصول إلى مجتمع تنتفي فيه الطبقات وحيث يستعيد الإنسان إنسانيته ويصبح في صراع مع الطبيعة.
- تاسعا، لابد من تذكير كل المناضلين إلى ضرورة إيجاد حزب الطبقة العاملة، حزب الكادحين لأن الأحزاب الحالية بفعل تاريخها ومواقفها السابقة والحالية لا تعبر عمليا عن مطالب الجماهير ولا تمد يد المساعدة إلى الشعب المنتفض بل تستعمل نضالات الجماهير من اجل مصالح حزبية ضيقة وتعقد الصفقات والاتفاقات مع رموز السلطة ومع البيروقراطية النقابية ولا تتورع في التحالف مع التيارات الأكثر رجعية. إن الأطراف الحالية تجتمع بصفة فوقية وتنشط من أجل دفن الانتفاضة والحصول على الفتات وهي تؤمن بالتحول السلمي وبالمجتمع المدني المزعوم في إطار النظام الاستعماري الجديد وبالنشاط جنبا إلى جنب "العناصر النظيفة" من التجمع وكل المعارضات الكرتونية التي وقفت إلى جانب النظام وضد تطلعات الشعب. إن الشعب في حاجة إلى حزب يقود نضالاته، إنه في حاجة ماسة إلى حزب ثوري وليس إلى حزب إصلاحي، إن الشعب في حاجة إلى حزب يخوض غمار الصراع الطبقي والنضال الوطني وليس بحزب مساهم يشارك في انتخابات مزورة ويزكي سياسة الوفاق الطبقي ويدعم النظام القائم.
- عاشرا وأخيرا إنه من الضروري الاعتراف بان كل من تبنى الثورة الوطنية الديمقراطية منذ نهاية الستينات فشل في إيجاد حزب الطبقة العاملة وبفعل الصراعات المتعددة والصراع بين الخطين الذي شق حركة التحرر الوطني في تونس، نجح الاستعمار الجديد والعملاء المحليين في زرع التفرقة واستمالة العديد من العناصر الانتهازية التي خربت العمل الثوري وأعلنت على تكوين أحزاب في ظل نظام الجنرال بل طلبت منه التأشيرة وهي لم تتحصل على التواجد القانوني إلا بفضل الانتفاضة، لذلك فان حزب الطبقة العاملة المراد تأسيسه لا يشمل هؤلاء الانتهازيين الذين خربوا الحركة الشعبية وتحالفوا مرارا وتكرارا مع الأحزاب الكرتونية ومع البيروقراطية النقابية التي تعتبر بمثابة وزارة الشؤون النقابية في ظل النظام الجائر.
انصار الديمقراطية الجديدة
27جانفي 2011

حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر