https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


مفهوم الخيار التشريعي في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا في العراق

سالم روضان الموسوي

2018 / 5 / 5

مفهوم الخيار التشريعي

في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا في العراق



المقدمة

ظهر مفهوم الخيار التشريعي في الآونة الأخيرة من خلال اعتماده سبباً لدستورية بعض النصوص القانونية المطعون بعدم دستوريتها أمام المحكمة الاتحادية العليا في العراق في عدة قرارات وأحكام أصدرتها بمناسبة نظرها في تلك الطعون، حيث استندت إليه باعتباره سببا متاحاً للمشرع العراقي "مجلس النواب" يستخدمه في ضوء السلطة الممنوحة إليه، إلا أن هذا المفهوم لم يكن واضحاً ليس لدى بعض الأشخاص من غير المختصين في علم القانون وفن الصياغة التشريعية او في القانون الدستوري على وجه الدقة وإنما تعداه إلى من يفترض به العلم والدارية بالعمل التشريعي كونه من اعضاء تلك السلطة التشريعية حيث نشر في وسائل الإعلام تصريحاً يشير فيه إلى أن المحكمة الاتحادية العليا تناقض نفسها في بعض قراراتها ، واقتبس من التصريح الآتي وعلى وفق ما نشرته وسائل الإعلام (إن قرار المحكمة الاتحادية الذي نص في بدايته على إن المادة 49 من الدستور تعطي لمجلس النواب وضع الشروط التي يرتئيها بالمرشح لعضويته، بينما نهاية نفس القرار تتحدث عن عدم جواز أن يكون عضو مجلس النواب وهو بدرجة وزير أن يحمل الشهادة الإعدادية لأن الوزير شرط استيزاره الحصول على الشهادة الجامعية البكالوريوس وفقا لما جاء بالمادة 77 من الدستور التي تقول ان عضو مجلس النواب بدرجة الوزير) ولان السيد النائب هو عضو في اللجنة القانونية وهو حقوقي بمعنى انه مختص في القانون فان لقوله صدى لدى غير المختص ويكون محل نظر مما دعا الى عرض هذا المفهوم وبيان معناه ومحتواه وماهيته تجاه بعض المصطلحات الواردة في مجال الصياغة التشريعية او فقه القانون الدستوري لأنه يلتبس على الشخص، أحياناً، التمييز بينه وبين مفهوم "السلطة التقديرية" وكذلك مع مفهوم "السلطة المطلقة لمجلس النواب" وسبب قيام استخدامه من المحكمة الاتحادية العليا في تطبيقاتها القضائية بدلاً عن المصطلحات الأخرى لذلك سأعرض للموضوع وبشكل سريع في فرعين الأول يتناول تعريف مصطلح "الخيار التشريعي" وتمييزه عن غيره والفرع الآخر استخدام المصطلح في تطبيقات القضاء الدستوري العراقي وفي القضاء الدستوري لبعض البلدان وأوضح فيه تأثير هذا المصطلح على خيارات المشرع سواء كانت من حيث المضمون أو من حيث الشكل وأحياناً من حيث الصياغة التشريعية وعلى وفق التطبيقات القضائية في القضاء الدستوري للمحاكم الدستورية مثل المحكمة الاتحادية العليا أو المجالس الدستورية مثل المجلس الدستوري اللبناني.

الفرع الأول

تعريف مفهوم الخيار التشريعي

ان مصطلح الخيار التشريعي استخدمته المحكمة في أكثر من قراراتها التي أصدرتها عند النظر في الطعون المقدمة تجاه بعض النصوص القانونية واعتبرته سبباً من أسباب رد تلك الطعون لان استخدام المشرع لخياره التشريعي لا يؤثر في المشروعية الدستورية للقانون محل الطعن ويقصد بالخيار التشريعي هو السلطة التي يتمتع بها مجلس النواب بوصفه السلطة التشريعية المختصة بتشريع القوانين في العراق حصراً على وفق ما جاء في الفقرة (اولا) من المادة (61) من الدستور العراقي النافذ بمعنى حرية الاختيار الممنوحة له في ممارسة اختصاصه التشريعي وهو يماثل "السلطة التقديرية" للمشرع لان مهمة المشرع اختيار أفضل الحلول المتاحة لمعالجة مشكلة ما بموجب نص قانوني ونشاهد عمل مجلس النواب التشريعي انه يضع أكثر من مقترح نص قانوني لكل مادة من مواد القانون ويصوت عليها والمقترح الذي يحظى بالقبول يكون هو النص المعتمدة لان أعضاء مجلس النواب اختاروا هذا النص بحكم خياراتهم التشريعية في اعتماد أي النصوص المتاحة أمامهم ويدخل ضمن مفهوم او مصطلح " السلطة التقديرية" لمجلس النواب إلا انه يمتاز بصفة تميزه عن " السلطة التقديرية لان فقه القانون الدستوري وعلم الصياغة التشريعية أورد أكثر من تعريف للسلطة التقديرية يدخل ضمنها مصطلح الخيار التشريعي حيث عرفها بعض المختصين بالقانون الدستوري بأنها حرية الاختيار الممنوحة للسلطة التشريعية في ممارسة اختصاصها بقسط من من حرية التقدير عند ممارستها لذلك الاختصاص التشريعي[1] كما عرفها البعض الآخر بأنها مكنة تتيح للسلطة التشريعية الاختيار الحر للإجراء الذي تراه مناسباً للوقائع التي تروم اتخاذه كما ورد تعريف للسلطة التقديرية في قرار للمحكمة الدستورية العليا في مصر على وفق الآتي (كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مطلقة، لا يقيدها إلا ضوابط محددة يقررها الدستور وتعد تخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. ويتمثل جوهر هذه السلطة - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - في المفاضلة بين بدائل متعددة تتزاحم فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون منها عنده مناسبا أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها، أو ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها)[2] والملاحظ من هذه التعاريف ان السلطة التقديرية لا يقصد بها السلطة المطلقة، لأنها تختلف عنها مثلما تختلف عن مفهوم السلطة المقيدة ولتعميم الفائدة وتوضيح الصورة سأعرض للتمييز بين السلطة التقديرية والسلطة المطلقة وكذلك بينها وبين السلطة المقيدة وعلى وفق الآتي :

1. السلطة التقديرية والسلطة المقيدة : إن الأصل في العمل التشريعي هو تمتع السلطة التشريعية بصلاحية مطلقة في عملية التشريع من لحظة تكوين المقترح ولحين صيرورته قانوناً لان الدستور العراقي حدد حصراً صلاحية التشريع بمجلس النواب العراقي على وفق حكم المادة (61) من الدستور النافذ الا ان هذه الصلاحية ليس بمطلقة يمارسها وقت ما يشاء أو كيفما شاء لان بعض المبادئ الدستورية الوارد في الدستور تعد من القواعد الدستورية الجامدة والتي يكون الفرض فيها محدداً تحديداً دقيقاً ويكون الحل المتاح لمجلس النواب محدد تحديد دقيق بحيث لا يملك المشرع أدنى سلطة تقديرية سواء فيما يتعلق بانطباق القاعدة أم بنوع الحل الذي يترتب على تطبيقها[3] ، لان بعض الأحكام حددها الدستور وليس للمشرع العراقي ،ممثلا بمجلس النواب، سلطة تجاه تعديل تلك الأحكام، لعدم قابليتها للتنظيم التشريعي بصفة نهائية، ومنها الاختصاصات والصلاحيات الممنوحة للسلطات مثل اختصاص التشريع الذي يكون لمجلس النواب حصرا على وفق حكم المادة (61/أولا) من دستور العراق لعام 2005 الصلاحيات الحصرية لمجلس الوزراء على وفق حكم المادة (80) من الدستور أو السلطة القضائية بفرعيها مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية العليا ومنها اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا المشار إليها على سبيل الحصر في المادة (93) من الدستور وهذه الأحكام لا يملك المشرع إي سلطة تقديرية تجاه تعديلها بإنقاصٍ أو زيادة أو إلغاء، وبذلك فان المشرع له سلطة تقديرية تجاه المبادئ الدستورية التي ترك كاتب الدستور للمشرع سلطة تنظمها بقانون وبذلك فان مجلس النواب وان ترك له تنظيم انتخابات مجلس النواب بقانون وعلى وفق حكم الفقرة (ثالثاً) من المادة (49) من الدستور التي جاء فيها الآتي (تنظم بقانونٍ، شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخاب) إلا انه غير مطلق اليد إذا ما وردت أحكام دستورية أخرى تقيد تلك الشروط وتكون سلطته التقديرية غير مطلقة في كل الأحوال. وبذلك فان مفهوم السلطة التقديرية يختلف من هذه الناحية عن السلطة المقيدة لان في السلطة التقديرية للمشرع خيارات مفتوحة لا يقيدها أي قيد وهذه السلطة هي محور الرقابة الدستورية على القوانين أكثر من الرقابة على السلطة المقيدة.

2. السلطة التقديرية والسلطة المطلقة : وتتميز السلطة التقديرية للمشرع عن السلطة المطلقة بعدة أوجه من أهمها ان المشرع وان كان يملك الخيار بحكم سلطته التقديرية لكن ليس له يمتنع عن بعض المواد الدستورية الملزمة له بإصدار قوانين محددة وهي القوانين التي تنظم بعض المبادئ الدستورية الواردة في الدستور والتي ترك امر تنظيمها الى قانون يصدره مجلس النواب ونص على ذلك في المادة الدستورية المتعلقة بذلك المبدأ مثال ذلك الفقرة (رابعا) من المادة (61) من الدستور التي أوجبت تنظيم عملية المصادقة على الاتفاقيات بقانون يسن بأغلبية الثلثين وهذا وجوب دستوري لا يستطيع المشرع أن يتجاهله متذرعاً بما يملك من سلطة تقديرية وبذلك لا يمكن ان يعد المشرع مالكاً للسلطة المطلقة وهو ما يميز السلطة التقديرية عن السلطة المطلقة

ومن خلال العرض لمعنى "الخيار التشريعي" وحيث ذكر في سياق البحث تميزه عن السلطة التقديرية فإننا نجد إن "الخيار التشريعي" هو صورة من صور السلطة التقديرية إلا انه يمتاز بكونه يمثل خيارات متاحة لحول وبدائل عدة تطرح أمام المشرع إلا إن هذه الخيارات لابد وان تكون ابتدأً من ضمن سلطة المشرع التقديرية فإذا كان المشرع لا يملك سلطة تقديرية إلا انه يملك عدة حلول وبدائل لمعالجة موضوع معين فان الخيار التشريعي لا يتحقق وينعدم مثال تقديم أكثر من مقترح لصياغة قانون المحكمة الاتحادية العليا وهذه بمثابة بدائل وحلول يفاضل بينها المشرع لكنه لا يستطيع أن يمارس سلطته في اختيار الأفضل إلا إذا تحقق النصاب القانوني لتمرير القانون لان نص الفقرة (ثانيا) من المادة (92) من الدستور قد جعل النصاب القانوني لسن قانون المحكمة الاتحادية العليا بأغلبية الثلثين على خلاف القوانين الأخرى وعلى وفق النص الآتي (تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب) كذلك الكشرع " مجلس النواب" لاينهض حقه في الخيار التشريعي لمعالجة بعض الحالات التي تستوجب التدخل التشريعي الا بعد مضي مدة من الزمن على صدور الدستور العراقي حيث لا يجوز تعديل ما جاء في المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول من الدستور والمتعلقة بالحقوق والحريات إلا بعد مضي دورتين انتخابيتين لمجلس النواب وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثانيا) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول، والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناءاً على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام) كما ان سلطة مجلس النواب في خياراته التشريعية تكاد تكون منعدمة فيما يتعلق بتقليص أو إلغاء صلاحيات الإقليم التي لم يرد ذكرها في الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية إلا بعد موافقة المجلس التشريعي للإقليم وموافقة أغلبية سكان ذلك الإقليم باستفتاء ينظم لأجل ذلك وعلى وفق الفقرة (رابعا) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام) وبذلك فان أي خيار تشريعي لا يكون ما لم يسبق وجوده وجود سلطة تقديرية للمشرع ويدور مع تلك السلطة التقديرية وجوداً وعدما.



الفرع الثاني

الخيار التشريعي في تطبيقات القضاء الدستوري

بعد التعريف بمفهوم الخيار التشريعي لابد من بيان اثر ذلك المفهوم على القوانين التي اصدرها المشرع العراقي مع الاستئناس ببعض القرارات الصادر عن الجهات التي تتولى الرقابة الدستورية في بعض البلدان لغرض الوقوف على المعنى في ظل التطبيق الفعلي له في قرارات وأحكام القضاء الدستوري لان الرقابة على دستورية القانونين تعد الوسيلة الدستورية لمعرفة مطابقة القانون للمعيار الأساسي ومطابقته للمبادئ الدستورية[4] وفقه القانون الدستوري سبق الدستور في طرح الحل لهذه المشكلة عبر نوعين من الحل الأول الحل السياسي بجعل هيئة سياسية تتولى المراقبة على حماية الدستور والثاني الحل القضائي بجعل هيئة قضائية تتولى هذه المهمة وهذه الحلول بمجملها أدت إلى ظهور فكرة الرقابة على دستورية القوانين[5] وبما ان المحكمة الاتحادية العليا في العراق هي التي تتولى هذه الرقابة فكان لها اكثر من قرار تجاه مفهوم " الخيار التشريعي" لمجلس النواب عند تصديها للطعون المقدمة على بعض النصوص القانونية وكان مجال استخدام هذا المفهوم في عدة حالات من الحالات المتعلقة بالتشريع منها استخدام الخيار التشريعي المتعلق بشكل القانون والية تشريعه ومنها يتعلق بمضمون القانون ومحتواه الموضوعي كما كان لصياغة النص القانوني ولغته اثر على خيار المشرع في تطبيقات بعض جهات الرقابة الدستورية لبعض البلدان لذلك سأعرض لها على وفق الآتي:

1. الخيار التشريعي وشكل القانون والية تشريعه: إن آلية تشريع القانون والمتعلقة بالجانب الشكلي تعد من الجوانب المهمة لان القانون لا يكون صحيحاً وقابلاً للتنفيذ ما لم يمر بالآلية التي رسمها الدستور أو القوانين التي تضمها الكتلة الدستورية أو ما يسمى بالقوانين ذات القيمة الدستورية[6] ومثال ذلك ما جاء في أكثر من قرار للمحكمة الاتحادية العليا التي اعتبرت أن المشرع ليس لها حق الخيار في تجاوز الصيغ والآلية التي وردت في الدستور ومنها الاتي

‌أ. قرارها العدد 44/اتحادية/2010 في 12/7/2010 عندما تطرق الى مفهوم المشروع والفرق بينه وبين مفهوم المقترح حيث بني تفسيره على عدة أسباب منها العبارة ولفظها الذي كتب في الدستور وأوضح ان عبارة (مقترح) يقصد بها فكرة و لا تكون مشروع وهذا التفسير له ما يؤيده في علم الصياغة التشريعية إذ يشير بعض المختصين في الصياغة التشريعية إن مرحلة اقتراح مشروع القانون تتكون من ثلاث مراحل فرعية وهي (فكرة المشروع ، ثم إعداده وصياغته وأخيرا اقتراحه) ويقصد بفكرة مشروع القانون هي اللحظة التي تولد فيها فكرة القانون وتنشأ غالباً على أيدي أي مسؤول تنفيذي نتيجة لاكتشافهم صعوبات معينة أثناء تنفيذ القوانين وقد تظهر فكرة مشروع القانون أيضا من مصادر أخرى مثل أعضاء البرلمان وجمهور الناخبين وغيرهم[7] وبذلك لم يعتبر المقترح المقدم من عشرة نواب مشروع قانون حتى يتم تشريعه لان الدستور أعطى لمجلس النواب صلاحية إصدار القوانين التي ترد إليه بصفة مشروع والوارد وصفها في المادة (60/أولا) من الدستور بينما المقترح ورد وصفه في الفقرة (ثانيا) من ذات المادة ورتب على ذلك اثر قانوني وبناء على ذلك التفسير تم إلغاء قانون كان قد أصدره مجلس النواب لأنه كان مجرد مقترح ولم يصبح مشروع قانون مثال ذلك ما جاء في القرار المشار إليه وهذا الاتجاه من المحكمة له سند دستوري لان الدستور في المادة (60) فرق بين مشروع القانون وجهة تقديمه من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء حصراً و بين مقترح القانون وجهة اقتراحه إما من عشرة نواب من أعضاء مجلس النواب أو من إحدى اللجان المختصة في المجلس، وهذا ما أكده النظام الداخلي لمجلس النواب في الفصل السادس عشر المتعلق بالإجراءات التشريعية حيث أشار فقط إلى مشروعات القوانين ولم يشير إلى مقترحات القوانين، وهذا يؤكد أيضا إن مقترح القانون هو مرحلة أولى في مراحل إنتاج القانون عبر الآليات التي ورد ذكرها في الفصل السادس عشر من النظام الداخلي لمجلس النواب[8].

‌ب. قرارها العدد 24/اتحادية/2016 في 7/8/2016 الذي جاء فيه بإن قيام مجلس النواب بإضافة بعض المواد لقانون الموازنة العامة الاتحادية رقم (1) لسنة 2016 وهي المواد (22) و(45) و(46) دون الرجوع الى الحكومة وخلافاً لما تنص عليه المادة (60/ثانياً) من الدستور يجعل هذا الإجراء غير دستوري لذلك حكم بعدم دستورية المواد المذكور مع إن لمجلس النواب سلطة تشريع قانون الموازنة العامة على وفق نص الفقرة (أولا) من المادة (61) وسلطة المناقلة بين أبوابها وتخفيض مجمل مبالغها وعلى وفق نص الفقرة (ثانيا) من المادة (62) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لمجلس النواب، إجراء المناقلة بين أبواب وفصول الموازنة العامة، وتخفيض مجمل مبالغها، وله عند الضرورة ان يقترح على مجلس الوزراء زيادة إجمالي مبالغ النفقات) لكن وجدت المحكمة الاتحادية العليا ان المشرع لا يملك خياره التشريعي لوجود موانع دستورية تتعلق بوجوب إتباع الطريق الذي رسمه الدستور في الاقتراح على مجلس الوزراء زيادة إجمالي النفقات عند الضرورة وليس لها ان يضيفها من تلقائيا حتى وان كانت يملك السلطة التقديرية والخيار التشريعي وذلك لوجود القيد الدستوري على وفق ما تقدم ذكره.

‌ج. ومن القضاء المقارن وجدت ان المحكمة الدستورية العليا في مصر قد سلبت السلطة التشريعية حقها في الخيار التشريعي لان اختصاص المشرع باختيار الحلول والبدائل المطروحة امامه لابد من مراعاة المصلحة العامة في تفسير القواعد الشرعية التي تكون مصدراً للحلول او البدائل المتاحة له وفي قرار للمحكمة الدستورية العليا في مصر بالعدد 5 السنة القضائية الثامنة في 6/1/1996 قضت بعدم دستورية المادة (18) مكرر المضافة إلى قانون الأحوال الشخصية بموجب قانون التعديل رقم 100 لسنة 1985 حيث جاء في حيثيات القرار الآتي (إذا اختار ولى الأمر رأياً فى المسائل الخلافية ، فإنه يترجح، مردود بأن الترجيح عند الخيار بين أمرين، لا يكون إلا بإتباع أيسرهما ما لم يكن إثماً، فلا يشرع ولى الأمر حكماً يضيق على الناس، أو يرهقهم من أمرهم عسراً، لتكون معيشتهم ضنكاً وعِوَجا، بل يتعين أن يكون بصيراً بشئونهم بما يصلحها، فلا يظلمون شيئاً؛ وكان من المقرر أن سكنى صغار المطلق ضرورة ينبغى أن تقدر بقدرها؛ وكان ثابتاً كذلك أن من مقاصد الخلق جلب منافعهم ودفع المضار عنهم، وأن صلاحهم فى تحصيل مقاصدهم، فلا يكون بعضهم على بعض عِتِياً، ولا تكون أفعالهم ضراوة فيما بينهم؛) مع إنها وفي حكم آخر اعتبرت المشرع بمثابة ولي الأمر وله حق الخيار التشريعي في اختيار الأحكام المناسبة بقرارها المرقم 201 السنة قضائية الثالثة والعشرون في 15/12/2002 عند تصديها للطعن بعدم دستورية قانون الخلع المصري رقم 1 لسنة 2000 وكان الطاعن يرى انه يخالف الأحكام الشرعية ، ورد الطعن وكان من بين هذه الحيثيات التي بررت بها دستوريته هو سلطة ولي الأمر في أن يختار ما يراه مناسب من الأحكام الفقهية وعلى وفق الآتي ( لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها فهذه الأحكام وحدها هي التي لا يجوز الاجتهاد فيها إذ تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان. وعلى خلاف هذا، تأتى الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أم دلالتها أم فيهما معاً. فهذه الأحكام هي التي تنحصر فيها دائرة الاجتهاد، ولا تمتد إلى سواها، حيث تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، متوخياً تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما يقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية حق لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق ثابتاً لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها، وبما يناسبها بأهل النظر في الشؤون العامة. وأية قاعدة قانونية تصدر في هذا الإطار لا تحمل في ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعياً، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم) ويلاحظ من الحكمين إن المشرع وان كان يملك خياراً تشريعياً الا انه لا يجوز له أن يتجاوز المحددات والقيود الدستورية.

2. الخيار التشريعي ومضمون التشريع : إن جميع الأطر الدستورية والقانونية والجوانب الشكلية لصياغة التشريعات جميعها تهدف إلى إيجاد نص متكامل يعبر عن مضمون فكرة القانون أو التشريع، لان الأساس هو موضوع القانون وليس شكله، إنما يتم الاهتمام بالشكلية عند الصياغة لضمان وجود إطار دستوري يتفق والآليات الدستورية المعتمدة لضمان عدم الطعن به بعدم الدستورية ومن ثم تعطل أحكامه وتفوت الفرصة من الانتفاع بالأحكام والحلول التي أوردها، لذلك فان المشرع تكون خياراته مفتوحة بشكل أوسع في الجانب الموضوعي وليس مثلما وجدناه في الجانب الشكلي الذي يكاد يفقد سلطته التقديرية وانعدام خياره التشريعي إلا إن هذا الخيار التشريعي في الجانب الموضوعي أيضا ترد عليه قيود تقيد من السلطة التقديرية للمشرع مثلما تم الإشارة إليه في الفرع الأول بخصوص بعض القيود الدستورية التي تضفي على بعض القواعد الدستورية صفة الجمود المؤقتة والدائمة والمثال على القيود المؤقتة وهي القيود الزمنية التي منع فيها الدستور تشريع قوانين تخالف المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول من الدستور والمتعلقة بالحقوق والحريات إلا بعد مضي دورتين انتخابيتين لمجلس النواب وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثانيا) من المادة (126) من الدستور والدائمة مثل ما ورد في المادة (2) من الدستور حيث منع المشرع من سن أي قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام ومبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وهذا يعد قيد دائم لأنه غير محدد بزمن وإنما قائم طالما النص الدستوري قائم، فإذا حاول المشرع إن يشرع قانون خلاف ما ورد في ذلك النص فانه سيكون عرضه للطعن بعدم دستوريته وتعطيل أحكامه من المحكمة الاتحادية العليا لذلك ساعرض لبعض قرارات المحكمة الاتحادية العليا التي عملت بمفهوم الخيار التشريعي واعتمدته للحكم اما بعدم الدستورية او بدستورية النص المطعون فيه وعلى وفق الآتي:

‌أ. قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 12/اتحادية/2012 في 14/6/2012 حيث قضى بعدم دستورية نص المادة (3) من القانون رقم 26 لسنة 2009 قانون تعديل قانون الانتخابات رقم 16 لسنة 2005 لان تحـويل صــوت الناخـب بدون إرادته من المرشح الذي انتخبه إلى مرشـح من قائمـة أخرى لم تتجـه إرادته الانتخـابية يعتبر تعديـاً على حقوقه الدستورية ويشكل مخالفة لنص المادة (20) من الدستور التي جاء فيها الاتي (للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة، والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح) وتعتبر هذه الحقوق من اهم الثوابت الديمقراطية وحقوق الإنسان المشار إليها في المادة (2) من الدستور وبذلك فان المشرع لا يملك أي خيار تشريعي تجاه إصدار قانون يخالف ما ورد في تلك المبادئ وحينما تجرئ واصدر القانون المطعون فيه تصدت له المحكمة الاتحادية بناء على دعوى دستورية من إحدى منظمات المجتمع المدني وقضت بعدم دستوريته لان المشرع ليس لها خياراً في ذلك.

‌ب. قرار المحكمة الاتحادية العدد 87/اتحادية/2013 في 16/9/2013 الذي قضى بعدم دستورية قانون مجلس القضاء الأعلى رقم 112 لسنة 2012 حيث أشار القرار أعلاه إلى إن مجلس النواب لا يملك خياراً تشريعياً في استحداث النصوص القانونية وانه احدث تغييراً جوهرياً في المقترح المقدم إلى مجلس النواب وان ذلك يتعارض وأحكام المادة (87) من الدستور التي أوضحت بان المحاكم على درجات وأنواع وعلى وفق النص الآتي (السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون) والمادة (92) من الدستور التي جاء فيها (المحكمة الاتحادية العليا هيئةٌ قضائيةٌ مستقلة مالياً وإدارياً( وهذا الحكم قد اوضح بان مجلس النواب لا يملك خياراً تشريعياً تجاه تعديل الأحكام المتعلقة بمبدأ الفصل بين السلطات الوارد في المادة (47) من الدستور.

‌ج. قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم 32/اتحادية/2018 في 5/3/2018 الذي قضت فيه بدستورية نص الفقرة (رابعا) من المادة (8) من قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 المعدل التي جاء فيها الآتي (رابعاً: أ. أن يكون حاصلاً على شهادة البكالوريوس أو ما يعادلها. ب . للقوائم الانتخابية تخصيص نسبة لا تزيد عن (20%) من عدد المرشحين لشرائح المجتمع من حملة الشهادة الإعدادية أو ما يعادلها. حيث اعتبر ذلك من الخيارات المتاحة للمشرع العراقي حتى وان عدل عن رأيه لأنه في قانون سابق اصدر مجلس النواب تعديل لقانون الانتخابات عدل فيه شرط حصول المرشح على شهادة البكالوريوس بدلا من شهادة الإعدادية بموجب قانون التعديل الأول رقم (1) لسنة 2018 ثم عاد ورجع إلى قبول ترشح حملة شهادة الإعدادية مرة أخرى بموجب قانون التعديل الثاني والقانون الأول كان محل نظر من قبل المحكمة الاتحادية العليا عندما قضت بان للمشرع الخيار في تحديد شرط الشهادة وذلك بموجب قرارها التفسيري رقم 15/ اتحادية/2018 وأوضحت في كلا القرارين للمشرع أن يمارس خياره التشريعي باختيار البدائل والحلول ولا رقابة عليه في هذا الجانب طالما لم يتقاطع مع أي قيد دستوري ويعد هذا الأمر جوهر العمل بمبدأ الفصل بين السلطات[9]

‌د. قرار المحكمة الاتحادية رقم 20/اتحادية/2014 في 13/7/2014 الذي قضى بدستورية المادة (11) من قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 قبل تعديلها التي كانت تنص على الآتي (يتكون مجلس النواب من (328) ثلاثمائة وثمانية وعشرون مقعدا يتم توزيع (320) ثلاثمائة وعشرون مقعدا على المحافظات وفق لحدودها الإدارية وفقا للجدول المرفق بالقانون وتكون (8) ثمانية مقاعد منها حصة (كوتا) للمكونات) واعتبرت المحكمة عدم تخصيص مقعد للكرد الفيلية بأنه خيار تشريعي للمشرع لا تعقيب عليه حيث ان الطعن كان في حينه انصب على إن شريحة الكرد الفيلية هم مكون مستقل مثل سائر المكونات الأخرى التي خصص لها كوتا في مجلس النواب وان القانون في حينه حرمهم من حقهم الدستوري رغم الإشارة الواضحة لتضحياتهم الواردة في ديباجة الدستور الا ان المحكمة الاتحادية العليا اعتبرت ذلك الأمر من الخيارات الدستورية المتاحة للمشرع العراقي لكن بعد ان تم تعديل قانون انتخابات مجلس النواب رقم 45 لسنة 2013 بموجب قانون التعديل الاول رقم (1) لسنة 2018 تم تخصيص مقعد واحد للكرد الفيلية ضمن محافظة واسط وعلى وفق نص البند (ه) من الفقرة (ثانياً) من المادة (11) وهذا النص تم الطعن فيه أمام المحكمة الاتحادية التي أصدرت قرارها بدستوريته لأنه يمثل خياراً تشريعياً للمشرع العراقي فهو من يختار أفضل البدائل والحلول طالما لم تخالف المبادئ الدستورية المقيدة لسلطته التقديرية ففي عام 2013 عندما لم يمنح المشرع مقعد نيابي على وفق نظام الكوتا اعتبرته المحكمة خيارا تشريعيا وكذلك عندما منح الكرد الفيلية مقعداً واحداً في محافظة واسط وليس على مستوى العراق أيضا اعتبره خياراً تشريعياً لا معقب عليه من المحكمة الاتحادية العليا.

3. الخيار التشريعي وصياغة التشريع: ان المشرع وان كان يملك سلطة تقديرية واسعة في صياغة التشريع بعد ان يستوفي شروطه الشكلية وموافقة مضمونه للمبادئ الدستورية الا ان الاتجاه الحديث للقضاء الدستوري قيد هذه السلطة حيث مضى في تقييد خياراته في الصياغة بمعنى ان المشرع عليه مراعاة بعض الأمور الفنية في الصياغة ولابد أن يكون النص القانوني بصياغة تمكن المواطن أو المختص من فهم نصوصه او بصيغة غير مفهومة من قبل المواطن العادي إلا إن أهل الاختصاص لهم القدرة على فهمه وليس يكتب أو تتم صياغته بأسلوب يجعله غير قابل للفهم وجاء في قرار لمجلس الدستوري اللبناني رقم 5/2007 بأن المادة 11 من القانون المطعون فيه مخالفة للدستور بسبب افتقارها للوضوح ويشير احد الكتاب الى ان هذه ليست المرة الأولى التي يؤكد فيها المجلس ضرورة أن يكون التشريع واضحا"، اذ سبق له أن تطرق الى هذه المسألة في قرارين سابقين القرار رقم 3 /2002 في 10/7/2002 والقرار رقم 1/2005 في 6/8/2005 الى وجوب ان يكون النص القانوني قد كتب بصياغة واضحة ومفهومة واعتبار وضوح النص ذو قيمة دستورية وفرق بين النص غير المفهوم النص غير القابل للفهم ، فأصبح وضوح النص التشريعي مبدأ جديد نسبيا" في اجتهاد المجلس الدستوري، سواء في فرنسا أو في لبنان فقد أشار المجلس الدستوري الفرنسي إلى ضرورة وضوح النص التشريعي، لأول مرة، في قرار له بتاريخ 27/7/1982 إلا أن القرار الأساس بهذا الشأن، وفق إجماع الفقهاء الفرنسيين، هو القرار الذي أصدره هذا المجلس بتاريخ 16/12/1999 لأنه اعتبر فيه أن وجوب أن يكون النص التشريعي قابلا" للفقه وواضحا") وهي الترجمة التي اعتمدها المجلس الدستوري اللبناني في قراره رقم 5/2007) وجاء في الفقرة الرابعة من القرار أعلاه الآتي (بما أن المادة الحادية عشرة من القانون المطعون فيه جاءت في ست صفحات وتضمنت ثماني عشرة فقرة، وكل فقرة تضمنت عدة أقسام، ما يتعارض مع الأصول المعتمدة في نص القوانين، وبما أن الغموض يشوب نص المادة الحادية عشرة المذكورة، وبما أن الغموض في النص يفسح في المجال أمام تطبيقه بشكل استنسابي، وبطرق ملتوية، تسيء إلى العدالة والمساواة بين المواطنين أو تنحرف عن النية غير الواضحة أساسا للمشترع، عليه تعتبر المادة الحادية عشرة من القانون المطعون فيه مخالفة للدستور بسبب إفتقارها للوضوح) وهذا المبدأ كان قد استنبطه المجلس الدستوري الفرنسي من "إعلان حقوق الإنسان والمواطن" الذي صدر إثر الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 حيث اعتبر عدد من الفقهاء الفرنسيين أن عدم وضوح النص لا يعني أن النص غير مفهوم، بل المقصود أن النص هو غير قابل للفهم. في الحالة الأولى، يتوقف عدم الفهم على الشخص الذي يقرأه، أي أن العلة تكون في الشخص. أما في الحالة الثانية، أي عندما يكون النص غير قابل للفهم، فتكون العلة في النص ذاته. بعبارة أخرى، ان النص المفهوم ليس النص الواضح تماما" بل النص القابل للفهم. ورأى آخرون أن وضوح القانون يقاس بالنسبة للأشخاص الموجه إليهم (في حال كان القانون يعني فئة من الناس بعينها) فإذا لم يفقهوا معناه فهذا يعني أن القانون غير مفهوم، وبهذا المبدأ أصبح خيار المشرع في صياغة النص وأسلوبه اللغوي مقيد بعدة عوامل منها ما ورد ذكره في أعلاه لان بعض الكتاب يرون بان النص الواضح هو النص الذي يتصف بالخصائص الآتية:

‌أ. أن يكون النص مصاغا" بلغة سليمة وواضحة مع الدقة في استخدام المصطلحات القانونية.

‌ب. أن يكون النص مقتضبا" قدر الإمكان، ما يسهل فهمه.

‌ج. أن يدل النص على مقصد وغاية القانون، أي أن يؤدي النص المعنى الذي يرمي اليه المشرع.

‌د. ان يكون النص مترابطا" وخاليا" من أي تناقض سواء بين مواده المتعددة أو داخل مادة بعينها لئلا يصبح غير قابل للتطبيق.

‌ه. إذا كان القانون يتناول مسائل تقنية أو ينص على آلية خاصة لتطبيقه، ينبغي أن يحدد هذه المسائل والآلية بصورة كافية تزيل الغموض عنها حتى لا يصبح القانون عرضة لتفسيرات متضاربة، ما يفسح في المجال للتعسف أو للاستنساب في تطبيق[10].





الخاتمة

ومن خلال العرض المتقدم نجد ان مفهوم الخيار التشريعي هو سلطة المشرع في اختيار الحلول والبدائل المتاحة له لغرض معالجة موضوع ما وصياغة الحل المختار بشكل قانون مستوفي شروطه الشكلية والدستورية وهذا الخيار الممنوح للمشرع لايكون مستقلاً عن سلطته التقديرية التي اشير اليها في العرض اعلاه وانما لابد من توفر المشرع على سلطته التقديرية التي تخوله حق الخيار فاذا كان اصلاً لايملك سلطة تقديرية فانه يكون غير قادر على الاختيار بين البدائل والحلول وتملكه للسلطة التقديرية لابد وان تكون قبل ان يملك حق الخيار التشريعي لان الخيار التشريعي يقترن وجوداً وعدماً مع السلطة التقديرية والخيار التشريعي هو صورة من صور السلطة التقديرية والحقيقة الثابتة ان النصوص الدستورية بصفة عامة تضع المبادئ والاسس العامة ولا تدخل في التفاصي وانما تترك للمشرع الوطني ويمنح الحرية الكافية في اختيار الحلول والبدائل عند تصديه لموضوع ما ويسعى لمعالجته بتشريع الا ان المشرع عادة يكون من اعضاء حزبيين او ينتمون لكتل سياسية تهيمن على مجلس النواب وتفرض برنامجها الانتخابي الذي أوصلها إلى سدة البرلمان وإنها تمرر القوانين بالأغلبية التي تتوفر عليها وهذا يؤدي الى انحراف الخيار التشريعي عن مساره الدستوري باتجاه الرؤية الفئوية او الحزبية الضيقة للكتلة المهيمنة على مجلس النواب مما يقتضي التدخل عبر الرقابة القضائية على دستورية القوانين بالتصدي لمثل هذا الانحراف او الميل وهذا ما عهد به الدستور إلى المحكمة الاتحادية العليا في العراق وكذلك في سائر البلدان ولابد من الإشارة إلى أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا كانت ومازالت على قدر عالي من الصياغة المحكمة تجاه التعامل مع هذا المفهوم المتعلق بالخيار التشريعي عند التصدي إلى الطعون المقدمة إليها تجاه القوانين المطعون فيها.



القاضي

سالم روضان الموسوي
بغداد في 5/5/2018


الهوامش

[1] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ رقابة المحكمة الدستورية على السلطة التقديرية المشرع ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الاولى عام 2016 ـ ص 90



[2] قرار المحكمة الدستورية العليا في مصر رقم 76 لسنة 29 قضائية الصادر بتاريخ 1/10/2007 والمنشور في الموقع الالكتروني لجامعة مينسوتا بتاريخ 4/5/2018

http://hrlibrary.umn.edu/arabic/Egypt-SCC-SC/Egypt-SCC-76-Y29.html

[3] الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ مرجع سابق ـ ص 103

[4] اوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ المعجم الدستوري ـ ترجمة منصور القاضي ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ـ طبعة بيروت الاولى عام 1996ـ ص683

[5] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ حجية احكام المحكمة الاتحادية العليا في العراق واثرها الملز دراسة مقارنة ـ منشورات مكتبة صباح ـ طبعة اولى عام 2017 ـ ص40

[6] وهي مجموعة القوانين ذات المستوى الدستوري ظهر مفهوم الكتلة الدستورية في فرنسا عام 1974، إذ اعتبر المجلس الدستوري في فرنسا الكتلة الدستورية أنها نص دستور عام 1958، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789، ومقدمة دستور عام 1946، والمبادئ الأساسية التي تعترف بها قوانين الجمهورية والمعاهدات والاتفاقيات المصادق عليها نظاميا والموافق عليها والقوانين والأوامر التشريعية التنظيمية. وبعد ذلك في عام 1982 استبعد المجلس الدستوري الفرنسي الالتزامات الدولية والقوانين والأوامر التشريعية التنظيمية، وأضاف المبادئ العامة للقانون ذات القيمة الدستورية، وفي عام 1987، استبعد المبادئ العامة للقانون ذات القيمة الدستورية. وهكذا لم يضع المجلس الدستوري الفرنسي معياراً واضحاً ومحدداً للكتلة الدستورية وإنما هي تختلف من دولة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، وفي ذات المجمع من وقت إلى آخر. للمزيد انظر اوليفيه دوهاميل و ايف ميني ـ المعجم الدستوري ـ مرجع سابق ـ ص 1015

[7] الدكتور محمود محمد علي صبرة ـ الاتجاهات الحديثة في إعداد وصياغة مشروعات القوانين ـ منشورات مكتب صبرة للتأليف والترجمة القاهرة ـ طبعة عام 2009 ـ ص33

[8] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ مرجع سابق ـ ص 188

[9] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ مرجع سابق ـ ص44

[10] للمزيد انظر الدكتور وليد عبلا ـ تعليق منشور في الكتاب السنوي للمجلس الدستوري اللبناني لسنة 2017 المجلد 11 ـ ص65


https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

https://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=597929