https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي


قراءة نقدية في كتاب عزيز سباهي -عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي- (16)

جاسم الحلوائي

2007 / 10 / 23

مؤامرة الشواف في الموصل آذار 1959
(2 ــ 2)
53

منذ الخامس من آذار، راحت الجماهير تتدفق الى مدينة الموصل من المدن والقرى المحيطة بها، ومن المدن الأخرى في البلاد لتشارك في مهرجان أنصار السلام. وقد أستخدمت كل وسائل النقل لهذا الغرض. وجاء كثير من سكان القرى سيراُ على الأقدام. وقد ساهم في المهرجان الذي عقد في موعده المحدد حوالي ربع مليون شخص. وكان المشاركون يرددون في شوارع الموصل شعار "زعيمنا الأوحد عبد الكريم قاسم" و"ماكو زعيم إلا كريم". وسار كل شيء بسلام. وبقيت القوى المؤيدة للتمرد في بيوتها. وإتخذ المهرجان قرارات تؤكد على دعم مسيرة الجمهورية العراقية على طريق الديمقراطية والسلام...الخ (1).

يقول بطاطو "وفي منتصف صباح اليوم التالي، 7 آذار، غادر أنصار السلام الموصل. وكانت بقية اليوم السابع مليئة بالمظاهرات والمظاهرات المضادة، التي تزايد التوتر فيما بينهما تدريجياً، وفي حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر، تدفق البعثيون ومؤيديهم من النبي شيت، بقيادة فاضل الشكرة، عبر شارع فاروق وهاجموا عدداً من المكتبات اليسارية ومقهى علي الحجُّو، مكان لقاء الشيوعيين وأحرقوها كلياً. وفي وقت لاحق، حوالي الساعة الرابعة، وبالقرب من مكتب البريد، إصطدم البعثيون ـ الذين عززوا الآن بأتباع عائلة كشمولة الذين كان كثيرون منهم مسلحين ـ بالشيوعيين الذين خرجوا من حي المكاوي وعلى رأسهم عباس هبالة. وصحب العراك إطلاق نار ووقوع إصابات" (2).

على أثر الإصطدام تفرقت مظاهرة القوى القومية، وتعززت المظاهرة الديمقراطية بأعداد غفيرة من الناس المسلحين بالقضبان الحديدية والعصي. وكانت الحماسة قد بلغت بالجماهير الى الحد الذي راحت تستهين بكل شيء. ولم تتردد عن فعل ما سبقها اليه القوميون. إذ أحرقت مكتبة فاضل الشكرة، ومكتبة آل كشمولة، ومحل محسن العاني وقتلت أخاه. وعندها عمد الشواف الى تطبيق ما دعاه بالخطة الأمنية المعدّة مع المتآمرين. فأنزل الشواف الجيش الى المدينة، خلافاً لأوامر رئيس أركان الجيش التي تقضي بعدم إنزال الجيش الى شوارع الموصل، وأعلن الأحكام العرفية. وتم إستدعاء العناصر القومية وجماعات من عشيرة شمر الى معسكر الغزلاني وزودت بالسلاح، وكُلفت جماعات مسلحة منهم بإلقاء القبض على كوادر الحزب الشيوعي والعناصر الديمقراطية البارزة. وألقيَ القبض على عدد من الضباط وضباط الصف الشيوعيين والمؤيدين لعبد الكريم قاسم. ثم شرع بتجريد كتيبة الهندسة والوحدات العسكرية الأخرى المشكوك بولائها للشواف. وإرسل المعتقلون جميعا وعددهم حوالي 60 شيوعيا ومؤيدا لهم الى الثكنة الحجرية. ولم يسلم من أعضاء اللجنة المحلية سوى عمر محمد الياس وفخري بطرس. وسلم من الإعتقال كذلك المحامي حمزة السلمان المكلف من قيادة الحزب بمهمة الإشراف على المنظمة ومهدي حميد قائد المقاومة الشعبية (3).

في مساء 7 آذار، وبعد أن تمت السيطرة على المدينة، قرر الشواف والضباط القوميون تنفيذ المؤامرة دون إنتظار موافقة شركائهم الآخرين في بغداد وكركوك وغيرهما. فأمر الشواف بإرسال قافلة عسكرية لجلب الأسلحة والإذاعة من تل كوجك طبقاً للإتفاق مع مخابرات الجمهورية العربية المتحدة. وفي تل كوجك كان الشيخ أحمد عجيل الياور بإنتظارهم. وسلمهم العقيد برهان أدهم، من المخابرات السورية الأسلحة والإذاعة، ومعه مهندس من إذاعة دمشق يدعى يوسف أبو شاهين. وقد وصلت القافلة في الساعة الثانية من صباح 8 آذار. وبوشر بنصب الإذاعة في معسكر الغزلاني. وتولت عشائر شمر نقل الأسلحة. وتدفق بضعة مئات من أفراد شمر نحو المدينة، وجرى توزيع الأسلحة على العناصر القومية والموالين لها. ولتعذر سماع صوت الإذاعة خارج الموصل، حتى بعد الإستعانة بمهندس من شركة نفط الموصل، رتب عبد الحميد السراج أمر إذاعة بيانات التمرد وتعليقاته من إذاعتي دمشق وحلب بإسم "إذاعة الموصل". وكان الضابط المتقاعد محمد الدرة، وهو من حزب الإستقلال، قد أعد بيان التمرد. وذيّل البيان بعبارة "قائد الثورة"، وعندما قدمه الى الشواف، كتب الشواف إسمه فوق العبارة المذكورة، العقيد الركن عبد الوهاب الشواف، في حين كان شركاؤه يتوقعون بأن يكون البيان بتوقيع، آمر الشواف العسكري المباشر، الطبقجلي (4).

لم يؤيد التمرد، خارج الموصل سوى حاميتي عقرة والعمادية، وعدد من ضباطهما. وخرجت مظاهرة في بغداد بلا قيمة حقيقية (حسب تعبير بطاطو) نظمها البعثيون في الكرخ. سارعت الحكومة الى إتخاذ إجراءات حازمة وسريعة ضد التمرد. إذ أحيل الشواف على التقاعد فوراً، واعلن عن تخصيص مكافأة بعشرة الآف دينار لمن يسلمه الى الحكومة حياً أو ميتاً. وأصدرت الحكومة بياناً يدعو عشائر الموصل والمخافر قطع الطريق على المتمردين الهاربين الى الحدود السورية. وتوالت برقيات قادة الفرق والوحدات العسكرية في كل أنحاء البلاد التي تستنكر التمرد. ووجّه قادة المنظمات الديمقراطية النداءات التي تدعو الجماهير الى العمل على سحق المؤامرة والمتآمرين الخونة. واخذت وسائل الإعلام، بما فيها الحكومية، على عاتقها نشر هذه النداءات على أوسع نطاق، وكانت الإذاعة تكرر بثّها. وقد هب قرابة خمسة آلاف مسلحاً كردياً وعسكروا على تل نينوى، قرب الموصل. ووضعوا أنفسهم تحت تصرف السلطات الحكومية لقمع التمرد، ودخل ما يقرب الف مسلح منهم شوارع الموصل، وإشتبكوا مع القائمين بالتمرد. وفي صباح اليوم التالي، 9 آذار، أرسل المتمردون طائرتين هاجمتا مرسلات الإذاعة في أبوغريب وقصفتها. إلا أن القصف الحق بها أضرارا طفيفة، ولم ينقطع البث الإذاعي. ولكن القصف تسبب في قتل بعض المواطنين. وقد سارع جنود الطيران لتعطيل المطار في الموصل (5).

في ذات الوقت، طارت أربع طائرات نفاثة من معسكر الرشيد وحلقت في سماء الموصل والقت المناشير عليها، وهي تدعو جماهير المدينة الى مقاومة التمرد. ثم قصفت ثكنات الجيش، وضربت بالصواريخ مقر الشواف، وجرحته هو شخصياً، فهرع الى مستشفى القوة الجوية للمعالجة، إلا ان الجنود الذين كانوا يهتفون بموته قضوا عليه، كما تقول بعض المصادر. إلا أن الطبيب الذي عالجه قال في شهادته أمام محكمة أمن الدولة في كركوك عام 1964 إن الشواف بعد أن حوصر في المستشفى أقدم على الإنتحار. ومع ذلك حكمت هذه المحكمة على عدد من الجنود بتهمة قتل الشواف. ولكن حين تبين نهاية التمرد الفاشل تقرر، كما يؤكد اوريل دان، " القضاء على المحتجزين اليساريين البارزين وقد إضطلع محمود عزيز بمهمة التنفيذ. فكان كامل القزانجي أول من ناداه من غرفة الإحتجاز الجماعية... و[هو] نصير بارز للسلم وشخصية وطنية معروفة. أطلق محمود عزيز النار عليه فور خروجه وأرداه قتيلاً. بعد هذا رفض رفاقه الخروج عند مناداتهم بالأسماء. وإشتد الإضطراب وتعاظم الى الحد الذي أرتؤي فيه إرجاء عملية القتل الى صباح اليوم التالي" (6). وبعد قصف مقر الشواف، هرع جنود وضباط صف كتيبة الهندسة، وهم مسلحون بالعصي وقضبان الحديد، تساندهم جماهير من المدينة، نحو السجن العسكري في الثكنة الحجرية لإطلاق سراح المعتقلين. وبعد معركة مع حرس السجن تم تحرير السجناء. ولكن بعد أن قتل خير الله عسكر المقدم عبد الله الشاوي الذي طلب من محمود عزيز الإستسلام، وقـُتل العريف حرز كذلك. فسارع محمود عزيز الى الفرار. وإستجابة لنداءات عبد الكريم قاسم، تدفقت حشود من البارزانيين والأيزيديين الى الموصل للمساهمة في قمع التمرد. وسارع الجنود من الكتيبة الثالثة، بقيادة ضابطين شيوعيين الى الأستيلاء على ترسانة السلاح في الكتيبة المذكورة، ووزعوها على أبناء الشعب (7).

وخلال ثلاثة أيام بعد قمع التمرد، عمت المدينة فوضى شاملة، وإضطرب الأمن تماما. إذ تدفقت أعداد كبيرة من العشائر الكردية والعربية الى داخل المدينة. وتحولت الإصطدامات بين الطرفين الى أعمال إنتقام وثأر وتصفية الحسابات الشخصية المتبادلة. ولعبت النعرات الطبقية والقومية والدينية دورها في عمليات القتل والإنتقام. ويقول بطاطو في هذا الصدد: "وكانت عمليات الإنتقام العاجلة التي لجأ اليها الجنود والجموع المسلحة في لحظات غضبهم الوحشي ـ في جزء كبير منها ـ سداداً لحساب النزيف الرهيب الذي عانوا طويلاً منه. لقد تعرضوا مرات عديدة لإطلاق النار من البيوت التي تحصّن فيها القوميون وملاك الأراضي. ونصبت الرشاشات في قصر شيخ شمر ولم يتمكن أحد من إسكاتها حتى أحضر الجنود الشيوعيون الدبابات وأطلقوا بضع قذائف على القصر" (8).

ويشير سباهي الى أن أجهزة الدعاية المعادية نفخت كثيراً في الأحداث، وبالغت في ذكر الخسائر والضحايا، وشوِّهت صورة الأحداث، وجرى تزييف الوقائع، ونسب الى الشيوعيين كثير مما لم يرتكبوه، أو إرتكبه غيرهم. ولكن طبقاً لإحصائية قدمتها لجنة شكلت من الطرفين، وكان في عدادها فخري بطرس، أن عدد القتلى من جميع الجماعات بلغ 125 قتيلاً و335 جريحاً. أما بطاطو فيذكر بأن عدد القتلى 200 حسب محمد حديد (9).

54

يطرح سباهي التساؤل التالي: "ترى، كيف يمكن توزيع المسؤوليات عما حل بالمدينة من مذابح ومآسي". فيشيرعن حق، الى أن المسؤولية الأولى بالطبع، تقع، على العناصر التي أسهمت بالتآمر وتلك التي حركتها ووفرت لها المستلزمات المادية والمعنوية لكي تقدم على ما أقدمت عليه، ويندرج في إطار هذه العناصر القوى القومية العربية المتعصبة، التي إندفعت الى التآمر دون أن تحسب للمصلحة العامة أي حساب، والقوى الرجعية من عملاء الإستعمار ورجالات الأقطاع، ومن وراءهم الدوائر الإستعمارية وقيادة الجمهورية العربية المتحدة التي ذهبت الى أبعد الحدود في دعمها للتآمر. وقد كشف عبد اللطيف البغدادي نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة في مذكراته عن دور عبد الناصر الشخصي، وكيف ساهم في حملة التهويل والمبالغة والأكاذيب أثناء المحاولة الإنقلابية وبعدها. ومما ذكره البغدادي وإقتبسه الباحث جرجيس فتح الله ما يلي:

"وقام جمال[عبد الناصر] في ليلة 12 آذار بإتخاذ العدة لإعداد ما يلزم من الدعاية لتغطية ذلك الفشل الذي حدث في الموصل وكتب عدة أخبار لتنشر في الصحف وكانت كلها تهدف الى إثارة الشعب العراقي ضد [قاسم] وذلك عن طريق تجسيم الخسائر ومحاولة إثارة العطف أيضا على الثوار بالتنديد بالإجراءات التي إتخذها (قاسم) هناك فإدعى انه قام بإعدام 60 ضابطاً، كما أعدم أيضاً كل شخص مدني شك في أنه تعاون مع الثوار. وأن ذلك تم بدون محاكمة... كانت هذه الأخبار المفتعلة التي يكتبها [عبد الناصر] تذاع من محطة إرسال سرية لتذيع بإسم ثوار الموصل وضعت في منطقة الغوطة القريبة من دمشق وقامت بإذاعة بيان الشواف... وتعليقات أخرى ضد (قاسم) (ص82 و89 طبعة القاهرة)

و يدين الباحث فتح الله هذا السلوك السياسي وأضراره إدانة صارمة تغني المرء عن أي تعليق بقوله: "ولا يلوح في كل ما ورد ذكره هنا أي بصيص من شعاع لتلك السجايا العربية الأصيلة التي تغنى بها الشعراء ولا للمبادئ الخلقية العامة التى تعارف عليها البشر لا من اولئك الذين ثاروا بإسم العروبة ومن أجل الوحدة العربية، ولا من أولاء الذين نقلوا أقوالهم وكتبوا في مدحهم وتأبينهم والثناء على أعمالهم. ويقيناً أنهم الحقوا بالعروبة والوحدة العربية ــ كفكرة قومية سامية وهدف رفيع ــ ضرراً أكبر بكثير من ذلك الذي الحقه بها أعداؤها ومخالفوها" (10).

ويحمّل سباهي، وهو على حق، عبد الكريم قاسم المسؤولية بالدرجة الثانية، عندما يشير الى أن هذا لايعفي بالطبع مسؤولية الجانب المقابل لدفع الأمور الى حد الإنفجار والتصادم. لقد كان كلا الطرفين يسعى الى تأجيج الأمور وتفجيرها كما تنفجر (الدمبلة) كما عبر عبد اكريم قاسم عن مخططه الى وفد القوى الديمقراطية في المدينة الذي زاره قبل الأحداث" (11).

ويتحمّل قاسم مسؤولية عدم إتخاذ إجراءت وقائية، تجّنب البلاد تلك المأساة. فقد زوّده الحزب الشيوعي، وجهات أخرى أيضا، بمعلومات حول تحرك المتآمرين، كما مر بنا، حتى أن طريق الشعب نشرت أسماء وتحركات بعض المتآمرين. كان بإمكان قاسم أن يجهض المؤامرة قبل وقوعها، مثلما أجهض اربع مؤامرات قبلها. ولكن قاسم كان، كما يبدو، يروم قمع المتآمرين بشدة وهم متلبسون بالجرم المشهود في هذه المرة، غير آبه بالنتائج المأساوية التي ستصيب أبناء الشعب وتداعيات ذلك. ويتحمّل قاسم قسطاً كبيراً من مسؤولية القساوة المبالغ فيها في قمع المتمردين بنداءت ودعوات وسائل إعلامه بسحق المتمردين الخونة، وكان بإمكانه أن يصدر نداءاً يدعو فيه القوى السياسية والجماهير الشعبية الى "عدم أخذ القانون بيدها" والى تسليم المتآمرين للسلطات.

يقول الفقيد زكي خيري "ودعا قاسم الجماهير لمطاردة فلول الفتنة وأباح دماءهم لمدة ثلاثة أيام. وكان ماكان. ولكن بعد بضعة أيام ألقت المقاومة الشعبية القبض على نفر من المشاركين في الفتنة وهم من رجعيي الموصل وبعد محاكمتهم في محكمة شعبية أخذتهم الى دملماجة بالقرب من الموصل وأعدمتهم! وإستغل قاسم الفرصة لينزل ضربة معادلة لحلفائه لإسترضاء أعدائه وليوّجه هؤلاء ضد الشيوعيين (12).

ويستشهد بطاطو بأقوال الشهيد مهدي حميد (*) قائد المقاومة الشعبية في الموصل، لإلقاء الضوء على هذه النقطة، فيذكر في الصفحة 199 من كتابه الثالث نصاً ما يلي: " وفي وقت لاحق، في العام 1963، إدّعى مهدي حميد أن قاسم أصدر يومها أوامره ﺑ"إبادة كل من أظهر مقاومة أوحمل السلاح ضد الحكومة" وأن هذ شجّع "الأعمال المتهورة" و"الأفعال الإنتقامية"، وإدّعى كذلك أن قاسم أشار في لحظة معينة، وعبر قائد الحامية، الى أنه "لاحاجة الى إرسال مثل هذا العدد الكبير من المعتقلين الى بغداد، فماذا سنفعل بهم هنا؟ تخلصوا منهم هناك في الموصل". وإدّعى مهدي حميد كذلك ان "سلطة الإعتقال والتحقيق عهدت الينا [اي الى المقاومة الشعبية] رسمياً وبرسالة رسمية ومن القائد الذي لم يُستدعى، عموماً، كشاهد في محاكمتنا [عام 1960]، مع أننا طلبنا تقديمه للدليل... في الواقع، لقد ألقي كل اللوم علينا ... لكن المسؤولية الأولى تقع على قاسم...وقائد الموصل... وإلا، لماذا لم يوقفونا... وهو ما كان بإمكانهم أن يفعلوه... خصوصاً بعد وصول اللواء الأول". (الفراغات موجودة في النص. جاسم) ويذكر بطاطو كذلك في نفس هذه الصفحة وما يليها الى ما يلي:

"ومهما كان الأمر، فإن العراقيين ما زالوا يذكرون كيف أنه، عند نقطة معينة من محاكمة مهدي حميد ورفاقه أمام المحكمة العسكرية الأولى في عام 1960، أوقفت الجلسات العلنية للمحكمة بطريقة مفاجئة ولسبب غير معلوم. وساد يومها إنطباع عام بأن المحاكمة كانت تقدم دليلاً يوّرط قاسم نفسه".

وبصرف النظر عن كل شيء، فلم يكن هناك طريق سوى العنف لقمع التمرد المسلح، بعد أن وقع. وبسبب من إنخراط قوى مدنية واسعة، متنوعة ومتخاصمة في الإصطدامات، فكان من الطبيعي أن ترتكب خلالها، وخاصة في إصطدامات عنيفة كهذه،إنتهاكات من قبل جميع الأطراف، بمن فيها الحزب الشيوعي العراقي ومنظمته في الموصل. "ان جذور الكثير من العدوانية التي شهدتها أيام آذار (مارس) كانت تعود الى الخوف المشترك الذي يبدو إنه سيطر على كل أطراف النزاع: الخوف من أن الفشل في تلك اللحظة التاريخية الحرجة قد يجر وراءه الدمار على أيدي الخصوم"، كما يشير بطاطو في الصفحة 200 من كتابه الثالث. إن ما يقوله بطاطو، يفسر لنا تلك القسوة، المبررة وغير المبررة لقمع التآمر.

وعند الإشارة الى مسؤولية الشيوعيين في الإنتهاكات التي حدثت خلال قمع مؤامرة الشواف في الموصل، فلا ينبغي أن ننسى، كما يشيرسباهي، الى ما بذله الشيوعيون لتدارك ما يمكن تداركه لإنقاذ العديد ممن أوقعهم حظهم العاثر في أيدي الجماعات الغاضبة. وقد بذل الشيوعيون كذلك جهوداً كبيرة لتوفير الشاحنات ولعودة المسلحين الذين قدموا الى الموصل الى مدنهم وقراهم بعد أن إنتهى التمرد. وقد إستمرت هذه العملية أربعة أيام. كما نظم الشيوعيون عملية حصاد المحاصيل لآلاف الدونمات من أراضي الجزيرة الشاسعة، والتي هجرها أصحابها وفروا الى الجمهورية العربية المتحدة، وسلموا المحاصيل الى الدولة. وقد أثارت العملية إعجاب المعنيين والخبراء في الزراعة" (13).

55

لقد ساهم الشيوعيون في قمع مؤامرة الشواف، وظل عبد الكريم قاسم يشيد بالدور الذي لعبوه في قمع التمرد. و" أن قاسم دعا، بعد فترة قصيرة من أحداث الموصل، مهدي حميد وقادة شيوعي الموصل الى بغداد، وأطرى إخلاصهم، وقدم لهم مسدسات هدية، وقدم منحة للحزب الشيوعي قيمتها 1500 دينار. والى هذا، قُبل مهدي حميد مجدداً في الجيش وقدمه الى رتبة رئيس واسند اليه قيادة قوات المقاومة الشعبية في كل الجزء الشمالي من البلاد" (14). وعند إستقبال عبد الكريم قاسم لأبناء الموصل رحب بهم وقال: "أنا واحد منكم. الشعب الموصلي قد قضى على المتآمرين بسرعة هائلة، ونحمد الله على مجيئكم الى هنا .الكل يعلم أننا غير سفاكين، بل السفاكين هم الذين سفكو دماء الأبرياء نتيجة الغدر والخيانة ولطخوا أيديهم بدم المؤامرة. أرجو أن يكثر الله من أمثالكم المخلصين" (15). ولكن ما أن بدأت العلاقات تسوء ما بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي، حتى راح يستخدم محاكمات قادة الشيوعيين في الموصل، ورقة يشهرها بوجه الحزب، حتى حكمت عليهم محاكمه العسكرية بالإعدام، وقام إنقلابيو شباط بتنفيذ هذه الأحكام.

وعاد عبد الكريم قاسم وصرح أمام الوفد الرياضي اللبناني، الذي زاره في مستشفى السلام بعد محاولة إغتياله في شارع الرشيد: "إن المسؤولين عن مذابح الموصل، هم الذين تآمرو علينا. نحن لم نتآمر. والمسؤول عن مجزرة الموصل هم اولئك. كان السلاح بيد الجيش، وبيد بعض القادة الذين خانوا البلد وكان الأهلون عزل من السلاح. فنادينا الأهليين وقلنا لهم الجمهورية في خطر، وأنتم ملزمون بالدفاع عن كيانها الذي تفانينا من أجله في الثورة" (16).

56

بعد قمع مؤامرة الشواف، حصل في البلد مد ثوري عظيم تحققت خلاله إنجازات وطنية. ولكن قبل الإنتقال الى تناول هذا الموضوع، نشير الى التداعيات السلبية التي حصلت في الموصل بعد بضعة أشهر من قمع مؤامرة الشواف. لقد أدركت القوى التي وقفت الى جانب التمرد، أن سياسة عبد الكريم قاسم قد إتجهت، منذ منتصف عام 1959، نحو التضييق على الشيوعيين واليسار عامة، والتي إنعكست في الموصل بإجراء تنقلات واسعة في أوساط المسؤولين والموظفين المحليين شملت المتصرف ومدير الشرطة والضباط وحتى ضباط الصف في وحدات الجيش. وكانت التنقلات ترمي الى إضعاف مواقع الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية الأخرى، وتعزيز مواقع خصومهم. وأرسلت هيئة تحقيق خاصة للتحقيق فيما دُعي بالأعمال التي إرتكبها "الفوضويون" وهي مزودة بأسماء الشيوعيين الذين يراد إعتقالهم ومحاكمتهم.

لذلك سارعت القوى المعادية للشيوعية بتدبير الإغتيالات. وتألفت لهذا الغرض لجان سرية خاصة تتولى تعيين من يراد إغتياله ومن يقوم بذلك، وجمعت الأموال لهذا الغرض. وسرعان ما إتسعت دائرة الإغتيالات لتشمل أناساً على الشبهات. ولم تعد حملة الإغتيالات تستهدف الشيوعيين أو مؤيديهم أو أقاربهم فقط، وإنما إمتدت الى عناصر من الحزب الوطني الديمقراطي والديمقراطي الكردستاني، والى أناس لا علاقة لهم بالسياسة أساساً. وإرتفعت معدلات القتل الى مستويات مخيفة حتى بلغت، في بعض الأوقات ما بين 8 و12 حادثة إغتيال في اليوم الواحد ولمدة إسبوعين متتالين. وقد قدر عدد القتلى ما بين 300 و600 قتيلاً. وإضطر كثير من العوائل الى الهجرة عن المدينة. وقدّر عدد العوائل المهاجرة ما بين خمسة آلاف و عشرة آلاف عائلة. وكان نصيب المسيحيين من التهجير هو الأعلى. ويورد الكاتب سباهي أكثر من عشرة أسماء من القتلة الذين إشتهروا آنذاك. وقد إنتمى العديد منهم الى الحرس القومي بعد إنقلاب شباط الفاشي عام 1963(17).
________________________________________
(1) راجع سباهي. مصدر سابق، ص386. راجع كذلك بطاطو. مصدر سابق، ص192.
(2) بطاطو. مصدر سابق، ص193.
(3) راجع سباهي. مصدر سابق، ص388.
(4) راجع سباهي. مصدر سابق، ص390. راجع كذلك ثمينة ونزار مصدر سبق، الطبعة الأولى، ص274 وما يليها. راجع الهامش رقم 3.
(5) راجع سباهي. مصدر سابق، ص391 وما يليها. راجع بطاطو. مصدر سابق، ص194.
(6) اوريل دان "العراق في عهد قاسم" الجزء الأول، ترجمة جرجيس فتح الله. دار نبز للطباعة والنشر 1989، ص222.
(7) راجع سباهي. مصدر سابق، ص392 وما يليها.
(8) بطاطو. مصدر سابق، ص197. راجع سباهي. مصدر سابق، ص394.
(9) راجع سباهي مصدر سابق، ص 401. راجع كذلك بطاطو. مصدر سابق، ص200.
(10) جرجيس فتح الله المحامي. "العراق في عهد قاسم"، الجزء الثاني، دار نبز للطباعة والنشر السويد ـ 1989 ص708 وما يليها.
(11) سباهي. مصدر سابق، ص397 وما يليها.
(12) زكي خيري. مصدر سابق ص204.
(*) كان مهدي حميد، ملازم أول مدفعي في عام 1945، وأحيل على التقاعد لتأييده الثورة البارزانية. وفي عام 1949 كان من بين من عملوا في المراكز الحزبية بعد إعدام الرفيق فهد، وألقي القيض عليه في ربيع ذلك العام. كان موقفه صلباً في التحقيق، وحكم عليه بالسجن المؤبد، وأرسل الى سجن نقرة السلمان. وظل في السجون، وكان أحد أبرز المسؤولين الحزبيين في منظمات الحزب السجنية، حتى ثورة 14 تموز،حين أطلق سراحه. وعين أمراً للمقاومة الشعبية في الموصل. وقد وصل الى الموصل مع بدء التمرد. وتقديراً لبسالته ودوره رُفع الى رتبة رئيس وعُين آمراً للمقاومة الشعبية لعموم المنطقة الشمالية من البلاد، كما سنأتي على ذلك. ولكن بعد أن ساءت العلاقة بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي حكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم به بعد إنقلاب شباط 1963. راجع سباهي. مصدر سابق، ص394.
(13) سباهي مصدر سابق، ص401.
(14) بطاطو. مصدر سابق، ص199. وهامش رقم 56.
(15) سباهي مصدر سابق، ص400، هامش رقم 37.
(16) سباهي مصدر سابق، ص400. هامش رقم 37.
(17) راجع سباهي مصدر سابق، ص402.

يتبع



https://www.ssrcaw.org - مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي

https://www.ssrcaw.org/ar/art/show.art.asp?aid=113077