كيف سنحل اساطير الفرق والمذاهب الدينية؟

لطيفة الحياة
anabachar@hotmail.com

2007 / 2 / 10

إن معرفتنا التاريخية بالأديان تفيدنا بأنها تنزلت على أيدي الرسل في فترات محددة مكانيا وزمانيا، وذلك على مدى خمسة وثلاثين قرنا منذ رسالة موسى في القرن الرابع عشر قبل الميلاد)حسب بعض الدارسين) ورسالة عيسى في القرن الأول، ورسالة محمد في القرن السابع الميلادي، ومرور أربعة عشر قرنا على رسالته حتى الآن، حيث كانت المرجعية الدينية محددة بما أنزل على هؤلاء الرسل، وبسعيهم بين شعوبهم.
وخلال هذه القرون انتهت الأديان الثلاث إلى عدة طوائف، وفرق، وشِيَع، يجادل بعضها بعضا. بل، بلغت العلاقة بين بعضها درجة الاقتتال الدموي، في حين نجد أن عصرنا الراهن يطرح حوار الأديان وتسامحها وتعايشها، وهي أديان متصارعة مع بعضها وفي داخلها. ولتحقيق حوار جاد وفعال بين كل من الأديان وبين الثقافات الناشئة ضمنها، نرى أنه من الضروري البحث في الأسس التي تكونت بموجبها هذه الفرق والشيع والطوائف على الرغم من وحدة أصولها الدينية وكذا ادعاءات كل فئة أنها الأكثر تعبيرا عن النصوص المؤسسة، وذلك حتى نسهم بالقدر الممكن في مجرى الحوارات المعاصرة، التي تشكل صلب اهتمامنا ومطلب عصرنا.
سيقودنا البحث في الأسس المكونة للفرق والطوائف داخل كل دين إلى أهم طرح تصارعت فيه البشرية منذ خمسة وثلاثين قرنا إلى اليوم، والمتمثل في تنقية النص التأسيسي من التلبس الثقافي، ونقصد بالنص التأسيسي «التوراة» و«الإنجيل» و«القرآن»، علما بأن النص الديني يخضع للتنزل البشري فيخالط العقل الإنساني الذي يعطيه حقيقته من الجملة الثقافية التي ينشأ فيها ويعيش، وعليه فمهما يكن النص منزلا فلا يعني هذا، أنه يحوي معناه التفسيري، ومعناه التأويلي بداخله. فلنأخذ مثلا، مفهوم الإله نفسه كمعنى مقدس، ومتعال على البشر فلقد خضع ومازال يخضع لهذه الإسقاطات، إذ ينظر للإله الواحد في قدرته على التجسد، وأحيانا في قدرته على الحلول، وأحيانا أخرى في قدرته على مخاطبة الإنسان بواسطة. فكل مطلق إذن، يتحول لدى الإنسان إلى نسبي، إذ يعيد الإنسان إنتاج المفاهيم الخاصة به، وعلى ضوء هذا، يتبين لنا أن الحكم في مقاييس النظر في النص هو الثقافة البشرية وليس النص نفسه. فما هي إذن، حدود الثقافي في مخالطة النصوص التأسيسية في كل الديانات السماوية؟
ومن أجل مقاربة هذه الإشكالية ينبغي أن نركز اهتمامنا على أهم الانقسامات التي عاشتها الأديان، باعتبار أن هذه الانقسامات شكلت بداية الافتراق على النص الديني، ومن تم تولد الفرق والطوائف المتصارعة حول الشرعية الدينية، إذ ترى كل فرقة في نفسها أنها الممثل الشرعي والوحيد للنص الديني؛ أما ما عداها فهم كفرة خارجون عن النص وعن حقيقته، فيؤدي بها هذا إلى بلوغ درجة التماه مع النص التي تنسيها طبيعتَها البشرية، وبذلك تتأله في الأرض، وتمارس حروبها الدموية باسم الدين، وباسم الله. ويزداد الأمر خطورة بامتلاك بعض هذه الفرق والطوائف لسلط سياسية تستغلها لقمع كل معارضيها. ومن بين هذه الفرق من لها القدرة على الاستمرار إلى يومنا هذا، ومنها من لم تسعفها الظروف على ذلك، فانقرضت تحت تأثير عامل من عوامل الزمن، إلا أن انقراضها لا يعني بالضرورة انقراض ما خلفته من تلبسات ثقافية للنص الديني المؤسس.
إن دراسة الانقسامات الدينية ينطلق من فهمنا وإدراكنا لأسباب الانقسام والافتراق في مكانه وزمانه وعلى ضوء ملابساته التاريخية من بيئة وثقافة وسياسة وغيرها، إذ بفضل هذا الفهم المستوعب، نستطيع ضبط المصادر الدينية مهما نالها من تلبسات وتحريفات بسبب التدخلات البشرية عبر الزمن.
ونهدف بمثل هذه، الدراسات إلى التمييز بين حقيقة النص الديني - في تنزله الإلهي - والتلبس البشري المهيمن على تفسيراته الظاهرية والحرفية، وكذلك التأويل الذي يحتوي النص باستلاب ذاتي لدى المتأول، كما يهدف أيضا إلى البحث في تأثير الأنساق الثقافية على هذه الانقسامات الدينية، وبمعنى آخر كيف انعكست الأنساق الثقافية والحضارية على فهومات الناس، فأدت بهم إلى الانقسام حول النص التأسيسي؟



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World