في الذكرى المئوية لميلاده: إميل توما المؤرخ الماركسي الجدلي اللامع، والناقد الادبي المبدع

خليل اندراوس
aljabha.org@gmail.com

2019 / 12 / 21


يعز علي جدا ان اكتب عن إميل توما بضمير الغائب، وإن فعلت ذلك من باب المجاز لا الحقيقة لان امثاله احياء وهم اموات، لما تركه من الاثر في السياسة والتاريخ والادب والفلسفة والنضال والكفاح.

إميل توما الرفيق والمؤرخ والمفكر الشيوعي الفلسطيني الاممي وأحد قادة حزبنا الشيوعي، وأحد قادة شعبنا الفلسطيني ومن مؤسسي لجنة الدفاع عن الارض، شخصية انسانية ثورية مناضلة مكافحة، تتحلى بالاخلاص والامانة والمبدئية والتواضع. لقد احب كل الرفاق لقاء رفيقهم المعلم إميل توما، لكسب المزيد من المعرفة والدعم الرفاقي الصادق من نبع هذا النهر، النهر الاحمر، نبع إميل توما ورفاقه. لقد تميز إميل توما بكلماته اللائقة والواضحة والتي تحمل رسالته التقدمية الثورية الاممية الانسانية بدون محاباة للجميع.

فالرفيق إميل توما قائم وحي وسيبقى كذلك في عالم السياسة والتاريخ والفلسفة والادب، لأنه ورفاقه زارعي الامل بحرية الوطن والانسان من خلال رسالته ورسالة رفاقه وتاريخ نضاله ونضال رفاقه من اجل بناء مجتمع علماني تقدمي يحافظ على وحدة ابناء الشعب الواحد الفلسطيني، وايمانه وايمانهم بان سلام الشعوب بحق الشعوب.

لم يكن إميل توما مناضلا شيوعيا فقط، بل كان ايضا مؤرخا ومفكرا للقضية الفلسطينية، وحظى باحترام وتقدير عال على الصعيد العربي والدولي، وفي اوساط الجماهير العربية منها واليهودية في اسرائيل لما اتسمت به طروحاته وافكاره من بُعد اممي – قومي، قومي – اممي انساني مناهض ومكافح ضد الصهيونية والرجعية والامبريالية، الثالوث الدنس.

لقد عمل ومن خلال ادراكه العميق بان القضية القومية العادلة ومبادئ الاممية البروليتارية الانسانية الثورية لا يمكن ان تنتصر بذاتها، بل ينبغي ان تخوض الاحزاب الماركسية اللينينية نضالا عنيدا ومثابرا في سبيل نشر هذه المبادئ بشكل مدروس وعميق بين جماهير الشعب الواسعة وخاصة الطبقة العاملة، وهذا ما فعله من خلال نشاطه اليومي المثابر ودراساته ومقالاته ومحاضراته الكثيرة لكل فروع الحزب، وكتاباته في الاتحاد والجديد وكتبه العديدة، وعمل بإدراك ومثابرة من اجل تدعيم التلاحم الوطني الحقيقي والاممي للطبقة العاملة وخاض نضال عنيد لا هوادة فيه ضد الطائفية والانعزالية والقومجية الزائفة، لقد كان وفيا لمبادئه الماركسية اللينينية.

ومن خلال عمله التثقيفي الحزبي المثابر قام بتدعيم الانضباط الحزبي الواعي، واعتبرها مهمة كبيرة من مهام العمل الفكري التربوي التثقيفي الماركسي، ومن اصول ومبادئ الاخلاق الشيوعية. "فالطاعة الواعية" يتقبلها الشيوعي المبدئي بملء حريته وقناعته، رافضا الانتهازية والحلقات والتكتلات والطائفية والعائلية والخيانة، فالشيوعي الحقيقي كما علمنا إميل توما براء من الخضوع الاعمى لتلك المفاهيم التي تتميز بها الطبقة البرجوازية الكبيرة والصغيرة، فالشيوعي الحقيقي المنضبط لمبادئ الحزب يتميز بقدرته على المبادرة الواسعة في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والادبية والتربوية وقادر على اتخاذ القرارات بجرأة ومعرفة للامر، والقدرة على التنبؤ بالعواقب الاجتماعية، والعمل على تحويل احكام النظرية الماركسية اللينينية الى معتقدات وتحول المعتقدات الى موقف حياتي نشيط وفعال يقفه المناضل الصلب من اجل مبادئه الشيوعية وهذا هو إميل توما.

لقد ناضل إميل توما ورفاقه طول حياتهم من اجل نشر وترويج الايديولوجية الشيوعية بين جماهير الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الواسعة بهدف انعتاق عدد اكبر فأكبر من الناس، من جماهير شعبنا الفلسطيني والشعب اليهودي من تأثير المفاهيم البرجوازية والصهيونية والدينية الرجعية. ان علمية الايديولوجية الشيوعية تأتلف مع حزبيتها وهي تحمل النزعة الانسانية الحقيقية وهذه هي رسالة إميل توما ورفاقه.

فالرفيق إميل توما لم يرفع شعارات المبادئ الثورية التقدمية والقيم الانسانية فحسب بل مارسها عملا وصمودا ونضالا وقيادة على مدى عشرات السنين خادما ومعطاءا لشعبه ووطنه ولأمميته وللانسانية جمعاء. لقد غطى الرفيق القائد إميل توما بنشاطه جميع مجالات الحياة السياسية والفكرية والادبية والثقافية والتاريخية الفلسفية، لقد اراد ان يبني كما قال ماركس – "مملكة الحرية على الارض" حيث يصبح الناس معجبين ببعضهم البعض ويتحول كل انسان الى كوكب امام الآخرين وعندئذ سيحيون في الحق والحرية من اجل الجمال وسيبقى افضلهم من يعانق العالم بقلبه عناقا أحر ومن يحبه حبا اعمق.



لم يكتب الرفيق إميل توما اسمه على رمال الشاطئ فتأتي امواج البحر وتمحوه، بل نقشه في فكرنا وقلوبنا لذلك سيبقى خالدا في حاضرنا ومستقبلنا، أحب الرفيق إميل لغيره من الرفاق ما أحبه لنفسه، كان صامدا وحارب الشدائد ولم يعرف الاحقاد، لقد خاض نضاله ببصيرة متقدمة جدا وعلينا ان نسير بدربه بتفاؤل من اجل بناء مجتمع المستقبل، مجتمع الحرية. فالرفيق إميل مُعلم بارز ومنارة متميزة وحامل رسالة الفلسفة الماركسية وحامل العلم الاحمر. ان الوفاء الاكبر له يجب ان يتمثل بان لا تبقى ذكراه كظاهرة فريدة في زمانه، فالمطلوب والمأمول ان ينهض بين رفاق جيل اليوم والاجيال القادمة من يجسد ظاهرة إميل توما ورفاقه النادرة الثورية الماركسية ويجددها ويطورها ويحولها الى واقع جديد نقدي ملموس يعكس التطور التقدمي الاممي لمجتمعنا في المستقبل.

إميل توما الماركسي اللينيني والمؤرخ الكبير حارب الرأسمالية لأنها نفعية استغلالية بحكم جوهرها ذاته، ولا يلازمها انسحاب قوانين الاغتراب على جميع ميادين الحياة الاجتماعية والنشاط الاجتماعي وحسب، بل كذلك التغلب السافر للاهداف الاقتصادية لطبقة الرأسماليين السائدة على حاجات الفرد الانسانية المحضة. ولهذا السبب على حد قول ماركس، ان النشاط الروحي يقع في اسر "الحضارة" التي خلقها البرجوازي "في وسط الهمجية الفظة للحاجات" (ماركس انجلز المؤلفات المجلد 42 ص – 134)، وهذا هو مبعث حقيقة ان تطور الثقافة الروحية في المجتمع البرجوازي يتباطأ بل يتقهقر احيانا كثيرة لأن سيادة النفعية تؤدي الى تطور الايديولوجية الاستهلاكية، ان انصار النفعية اذ ينسبون الى النظام البرجوازي الحرص على رفع المستوى الروحي "لانسان الجمهور" يحاولون ان يجتذبوا الناس الى شباك "ثقافة الاستهلاك" التجارية، وهذا ما حاربه إميل توما في العديد من كتاباته عن الرأسمالية.



ولذلك ومن خلال عمله الادبي الثقافي السياسي الفلسفي علمنا بان استيعاب الثقافة الانسانية الكلي الشامل هو وسيلة لمكافحة الشتوية الفكري والاخلاقي الذي تمارسه طبقة رأس المال في المجتمع البرجوازي بهدف خلق مجتمع من الناس المعزولين بعضهم عن بعض ومحكوم عليهم بالعزلة الاجتماعية. وتعمل طبقة رأس المال على خداع الانسان سياسيا وجعله خاليا من القيم الاجتماعية والثقافية ومشوها فكريا، ولهذا الغرض تستغل الاوساط السائدة أي طبقة رأس المال، جميع اشكال الاضطهاد بما في ذلك الاضطهاد الروحي وفي المقام الاول بينها "الثقافة الجماهيرية" التي تتميز في المجتمع البرجوازي بفضل خدَمة رأس المال والمصالح الشخصية بالسطحية والابتذال و"صناعات التسلية" و"العنف" و"فن الجنس" والغرس في وعي الناس عبادة "السوبرمانات" و"النجوم"، بهدف صرف وعي الجماهير خاصة الطبقة العاملة عن الواقع الموضوعي للمجتمع البرجوازي الذي يتميز بالصراع الطبقي والحروب والعدوانية والاستغلال الطبقي وتفشي الفقر والبؤس وترويج الجنس والعنف وتحول الانسان الى مستهلك محروم من شخصيته الابداعية، لذلك نجد إميل توما ومن خلال رئاسة تحرير مجلة الجديد شارك ودعم وابدع في عمله الادبي والابداعي الثقافي.

لم يكن الرفيق إميل توما مناضلا مخلصا مثابرا ماركسيا ثوريا فحسب بل كان ايضا مفكرا ومؤرخا للقضية الفلسطينية ومناهضا عنيدا ضد الايديولوجية الصهيونية كايديولوجية عنصرية شوفينية من افرازات وتقيحات الامبريالية العالمية، لقد كان الرفيق إميل توما من الرجال والرفاق الذين صنعوا التاريخ، حيث كتبت صحيفة فلسطين الثورة في افتتاحيتها في العدد الصادر بتاريخ 31.8.1985: "اما إميل توما لم يراقب التاريخ وسجله من موقع محايد، انما شارك في صنع التاريخ ثم سجله من موقع الملتزم"، فكتابات إميل توما لم تكن سرد وقائع تاريخية بل كانت كتابات تعتمد على الفكر الماركسي – اللينيني في تحليلها العميق والنقدي والمبدئي والموضوعي والرؤية الشاملة للاحداث والتطورات مع قدرة علمية تاريخية جدلية، في استخلاص العبر والنتائج، ومن منطلق اممي ثوري انساني مؤمن بان سلام الشعوب بحق الشعوب ناضل وكافح من اجل حل النزاع العربي الاسرائيلي والقضية الفلسطينية من خلال رؤيته الحزبية الاممية القومية، القومية – الاممية، القائم على انهاء الاحتلال الاسرائيلي وانسحاب اسرائيل من كافة الاراضي التي احتلتها عام 1967، واقامة الدولة الفلسطينية على اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الى جانب حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة او الحصول على تعويضات لمن لا يرغب بحق العودة، ومن خلال مساهمته كمفكر وقائد سياسي ملتزم ومخلص لقيمة الانسانية الراقية دافع عن الهوية الفلسطينية وعن اهمية التمسك بهذه الهوية والارتقاء بها الى اعلى القيم التقدمية، كما وقدم الكثير في مجال الدفاع عن الثقافة العربية في مرحلة حاولت فيها السلطة الاسرائيلية الصهيونية العنصرية طمس الهوية العربية الوطنية الفلسطينية ونشر ثقافة العدمية القومية، من خلال رئاسته لتحرير مجلة الجديد وايضا كان له دور من خلال ما قامت به صحيفة الاتحاد من دور في هذا المجال بالتعاون والعمل المشترك مع الرفيق الكاتب والاديب والسياسي الكبير إميل حبيبي، خاصة في نمو كوكبة من الشعراء والكتاب الوطنيين – ادب وشعراء المقاومة والصمود والبقاء والرسالة الثورية.



صدرت الاعمال الكاملة لإميل توما وعددها 14 مؤلفا، عن معهد إميل توما للابحاث السياسية والاجتماعية في حيفا، من هذه المؤلفات اربعة عالجت القضية الفلسطينية وهي، جذور القضية الفلسطينية، 60 عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية، منظمة التحرير الفلسطينية الحركة القومية العربية والقضية الفلسطينية في هذه المؤلفات يؤرخ الرفيق القائد إميل توما نضال بالشعب الفلسطيني منذ بداية الانتداب البريطاني في فلسطين وفي كتابه جذور القضية الفلسطينية يحلل جذور القضية بدايتها والمسؤولين عن حصولها وحلل ايضا الايديولوجية الصهيونية كعقيدة عنصرية شوفينية استعمارية وخاصة في كتابه "الصهيونية المعاصرة"، فبقلمه وضع وشرح بشكل علمي فلسفي ثوري الكثير من المواقف السياسية المعاصرة والتي اصبحت بوصلة، تهتدي بها الجماهير وخاصة الطبقة العاملة في نضالها من اجل نيل حقوقها الوطنية والطبقية العادلة، وكشف بكل جرأة زيف وديماغوغية "الدمقراطية" الاسرائيلية وأظهر عنصرية وشوفينية الحركة الصهيونية. لقد اظهر الحقيقة الكولونيالية الاستعمارية الرجعية للايديولوجية الصهيونية، وفي كتابه عن الصهيونية المعاصرة يطرح بكل وضوح الموقف الاممي الماركسي اللينيني بالنسبة لحق تقرير المصير حيث يستشهد بما قاله لينين في تقريره أي تقرير لينين بصدد برنامج الحزب وقد اصبح اسمه الحزب الشيوعي (البلشفي) امام المؤتمر الثامن (عقد هذا المؤتمر في موسكو في 19 آذار 1919) "... لا بد

من منح كل أمة من الامم حق تقرير المصير وهذا يمهد لحق الكادحين في تقرير المصير". وفي كتابه الصهيونية المعاصرة يؤكد المؤرخ والفيلسوف الماركسي إميل توما ويقول بان: "طبيعي ان تقاوم الامبريالية هذا الحق.. فأسس نظامها تتعارض تعارضا تاما مع حريات الشعوب واستقلالها".

عام 1947 شارك مندوبا عن عصبة التحرر الوطني في مؤتمر الاحزاب الشيوعية في بلدان الامبراطورية البريطانية في لندن. من خلال نشاطه كأمين عام لعصبة التحرر الوطني عرف عنه رفضه مشروع اقامة "الدولة اليهودية" في فلسطين بوصفه مشروعا امبرياليا سعى اليه الاستعمار الانجلو – امريكي لضرب حركة التحرر العربية في المنطقة، كتب إميل توما في كتابه الصهيونية المعاصرة ص – 25 ما يلي: "هناك معطيات عديدة تؤكد بان الامبرياليين ارادوا باصدارهم وعد بلفور وتأييدهم اقامة الوطن القومي اليهودي، توطيد مواقعهم في المنطقة العربية وخلق قوة تقف في وجه حركة التحرر القومي العربي وتحمي طرقهم البحرية عبر قناة السويس الى الهند، فمع انهم احتلوا مصر في القرن التاسع عشر واصبحوا يسيطرون على القناة الا انهم كانوا يدركون ان افلات فلسطين منهم يهدد استراتيجيتهم العامة وسيطرتهم على مصر.. فغزو مصر عبر التاريخ كان دائما ينطلق من الشرق من فلسطين، وهذا ما ادركه القادة الصهيونيون وتحمسوا له، على اعتبار انه يتفق مع مخططاتهم".



ويستمر إميل توما في كتابه الصهيونية المعاصرة ويقول: "وكان الزعيم الصهيوني زميل هرتسل، ماكس نوردو، على غاية من الصراحة حين خطب في احتفال في لندن بمناسبة ذكرى وعد بلفور في عام 1919 حضره لويد جورج وإيرل بلفور فقال: "نعرف ما تتوقعون منا.. ان نكون حرس قناة السويس، علينا ان نكون حراس طريقكم الى الهند عبر الشرق الادنى.

نحن على استعداد لتنفيذ هذه الخدمة العسكرية ولكن من الضروري ان نصبح قوة حتى نتمكن من القيام بهذه المهمة" (ماكس نورد والى شعبه ص 57)، ويستمر المفكر والمؤرخ إميل توما ويقول في كتابه عن الصهيونية المعاصرة ص 26 – "ومع الايام اكد القادة الصهيونيون توافق مصالحهم مع مصالح الامبريالية البريطانية ورددوا مع زعيم المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن: لو لم تكن هناك صهيونية لكان على الامبرياليين خلقها".

عندما اقرأ ما كتبه المؤرخ والمفكر إميل توما في كتابه الصهيونية المعاصرة فاني اتفهم ما ينشر عنه بانه كان من بين المعارضين لقرار تقسيم فلسطين رقم 181 الصادر في 29/11/1947 عن الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة، لمعرفته بان المشروع الصهيوني ما هو الا اقامة قاعدة امامية للامبريالية العالمية في منطقة الشرق الاوسط، والحركة الصهيونية ما هي الا من افرازات وتقييحات الامبريالية العالمية، ومرتبطة ارتباطا عضويا بالمخططات الامبريالية العالمية في المنطقة قبل وبعد وعد بلفور والآن. واستمرار اسرائيل والقادة الصهيونيين بعدم الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه في اقامة دولته المستقلة ينسف القاعدة الشرعية التي قامت عليها اسرائيل واكتسبت بها الاعتراف الدولي.

وكما كتب إميل توما في كتابه الصهيونية المعاصرة ص 37: "لا مهرب من حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.. وتأجيل الاعتراف بهذا الحق سيزيد فقط من مآسي الشعوب التي تعيش في هذه المنطقة ومن بينها الشعب الاسرائيلي" بعد نكبة فلسطين عام 1948 هُجر إميل توما من فلسطين، وتحول الى لاجئ في لبنان، حيث سجن هناك في معسكر للاعتقال بمدينة بعلبك لمدة ثلاثة اشهر مع عدد من الناشطين الفلسطينيين مثل الشاعر عبد الكريم الكرمي (ابو سلمى) والمحامي حنا نقارة وذلك بسبب نشاطهم بين الجماهير.

في اواسط عام 1965 التحق الرفيق إميل توما بمعهد الاستشراق في موسكو للدراسات العليا، حيث نال عام 1968 شهادة الدكتوراه من قسم التاريخ في المعهد تقديرا لرسالته "مسيرة الشعوب العربية ومشاكل الوحدة العربية". كان احد المبادرين في العام 1971 لانشاء "رابطة الاكاديميين العرب في اسرائيل".

وفي الثمانينيات قام كاتب هذه السطور مع العديد من الاكاديميين في كفر ياسيف بإقامة رابطة الاكاديميين في كفر ياسيف، حيث كان الرفيق إميل توما وتوفيق طوبي وإميل حبيبي وآخرون من قيادة حزبنا الشيوعي قد قاموا بتقديم العديد من المحاضرات من خلال نشاطات الرابطة، وايضا كان الرفيق إميل توما يلبي دعوة حركة الصداقة مع الاتحاد السوفييتي ويقدم المحاضرات عن ثورة اكتوبر.

وفي عام 1984 رافقته بالسفر الى حيفا بعد الانتهاء من الاحتفال وقال لي بانه يعاني من اوجاع في اعلى البطن في المعدة، واقترحت عليه اجراء فحوصات سريعة من اجل الوصول الى تشخيص سريع لحالته المرضية، واقترحت عليه استقباله في مستشفى صفد حيث كنت اعمل في ذلك الوقت فأجابني بان لديه الكثير من الالتزامات والنشاطات، ولكن سيفعل ذلك، أي اجراء الفحوصات لاحقا.



كما اذكر بانه خلال مرافقتي له الى حيفا عبّر عن احلامه بانه خلال فترة تقاعده سيكون مسرور بان يفتح بيته لاستقبال الرفاق من اجل الاستمرار في نشر وتعميق معرفة الفكر الماركسي لدى الرفاق، وللاسف توفي قبل تحقيق حلمه هذا. واذكر بانه خلال فترة الدراسة في الدول الاشتراكية في اوائل سبعينيات القرن الماضي وفي فترة وجودنا هنا في عطلة الصيف كان يُعقد للطلاب الدارسين في الدول الاشتراكية لقاءات ومحاضرات في نادي الحزب الواقع في منطقة درج الموارنة في حيفا، وفي احدى محاضراته قال الرفيق إميل توما ما يلي "اتمنى ان يقوم كل الرفاق بدراسة الفلسفة الماركسية الى جانب دراستهم الجامعية لمواضيع تخصصهم، كما يفعل الرفيق خليل"، وهذه الكلمات منذ ذلك الوقت بالنسبة لي هي داعم معنوي مستمر يدفعني بالعمل بدون كلل وبتفاؤل في توسيع وتعميق معرفتي في الفلسفة الماركسية اللينينية.

الرفيق إميل توما كان يتميز بالنشاط في العديد من المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والادبية، ولذلك كان له ايضا دور في اقامة لجنة الدفاع عن الاراضي عام 1975، وشغل منصب سكرتير لجنة الدفاع عن الاراضي العربية جنبا الى جنب مع صليبا خميس، وهنا اذكر ايضا بان الدكتور سليم مخولي شغل هذا المنصب لفترة معينة وكان له دور في اقامة النصب التذكاري ليوم الارض في سخنين واذكر القس شحادة شحادة الذي شغل منصب رئيس لجنة الدفاع عن الارض لفترة طويلة.

على مدار سنوات طويلة اشغل إميل توما عضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي وعضوية الامانة العامة للجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة ومنصب محرر الاتحاد، ورئيس تحرير مجلة الجديد الادبية السياسية في اغسطس عام 1984، شارك في اللقاء الدولي حول القضية الفلسطينية للمنظمات غير الحكومة الذي دعت اليه الامم المتحدة في جنيف، وانتخب عضوا في لجنة التنسيق الدولية.

توفي الرفيق إميل توما في 27 اغسطس عام 1985 في المستشفى المركزي في العاصمة الهنغارية بودابست بعد مرض عضال الم به ودفن في مقبرة الروم الاورثوذكس في كفار سمير بمدينة حيفا وعلى شاهد قبره خطت عبارة اقتبست من احد مؤلفاته وتقول: "لقد احببت شعبي حبا ملك علي مشاعري وآمنت بأخوة الشعوب ايمانا عميقا لا تحفظ فيه" وهذه الجملة المقتبسة لإميل توما هي تعبير انساني مبدئي واضح لما قاله لينين بان الاممي الحقيقي هو القومي الحقيقي والقومي الحقيقي هو الاممي الحقيقي.

ومن هنا نستطيع ان نقول بان إميل توما حمل رسالته الثورية القومية الاممية بإخلاص وتفاني وامانة وضحّى من اجلها طول حياته، لقد علّمنا بانه لا يمكن تدعيم الوحدة الوطنية والمفاهيم الاممية الا من خلال الوفاء والاخلاص لمبادئنا الشيوعية وهذا هو اهم معيار لنضج كل حزب شيوعي لنضج كل شيوعي ومعيار ومقياس لصواب نهجنا السياسي والاجتماعي والثقافي والادبي وعملنا وممارستنا النضالية الثورية بين جماهير الشعب الواسعة وخاصة الطبقة العاملة.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World