أسلمة المجتمع أم تديين المجتمع

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com

2018 / 2 / 5

أسلمة المجتمع أم تديين المجتمع


من الظواهر الملفتة اليوم في المجتمعات العربية عامة والعراقي خاصة سعي البعض وبكل قوة وتحت عناوين وشعارات وأهداف غير خفية على فرض الطابع الديني على مفاصل الحياة العامة والخاصة، حتى وصل الأمر إلى رغبة عارمة لدى هذه الجهات بأعادتنا إلى مجتمع مكة والمدينة في صدر الرسالة وكأن نبيا ما هو من يقود المجتمع، يطلق البعض على هذه الظاهرة بأسلمة المجتمع أو فرض الإسلام كدين على الواقع، والحقيقة أننا كمجتمع إسلامي في الغالب الأعم منه ولو ظاهريا دون محتوى حقيقي لما يفرضه الإسلام من قيم وقوانين أخلاقية تسعى لتخليص الإنسان من عبودية الذات والسلطة والمال وغيرها من قوى تساهم في تضخيم الأنا وتدفعها للتصدر السلوكي، والحقيقة أن المجتمع الإسلامي في الصورة التي أرادتها الرسالة غائب تماما عنا وعن وعينا بالحقيقة الكاملة عن الإسلام ومبادئه السمحة.
الصحيح ما يجري اليوم هو ليس أسلمة المجتمع ولكن وضع المجتمع تحت الوصاية الكهنوتية لرجال الدين ورؤيتهم الذاتية عن معاني الحياة والوجود وما يتفرع من ذلك من مظاهر وظواهر وأعراض ساهمت بشكل مبكر وأساسي في تغريب الدين عن عقل الإنسان، فكون المجتمع الإسلامي ومنذ ألف وأربعمائة سنة لم يتفق على مشتركات أساسية لتعريف الإسلام وطرحه كنموذج واقعي يشكل فيه الدين الرافعة الحضارية والإنسانية والأخلاقية اللازمة لتطور المجتمع ووحدته، نتيجة الأختلافات الفكرية وتضارب القراءات والمخرجات التي خرج فيها المسلمون أنفسهم من هذه الأدوات وقد عمقت فيه أسس الصراعات والنزاعات فالنتيجة المتوقعة والأكيدة إعادة طرح الدين مرة أخرى في ظل نفس النتائج والأسباب السابقة سيكون عامل تمزيق وتشظي وزيادة في حدة الصراعات داخل الكتلة الأجتماعية التي تشكل روح المجتمع.
لا خلاف حقيقي بين مكونات المجتمع في القضايا العامة والخاصة ولا في العلاقات والقيم الرأسية التي تشكل شخصية المجتمع إذا كانت خارج ما تطرحه ظاهرة التدين وفرضها بالقوة أو من خلال الدعوة إلى العودة لها، فالقيم الأخلاقية الإنسانية العامة التي يشترك فيها البشر عموما كتحريم القتل والسرقة ومكافحة الفساد ومساعدة الإنسان والعدل والعدالة وضرورة الأنتظام بقوانين وضوابط كلية حاكمة، لا يختلف عليها الناس ولا يفترقون فيها على ضرورة أن تكون جزء من ثقافة ورؤية المجتمع، المشكلة تثار حينما نحاول أن ندخل في تشخيص وتعريف هذه المفاهيم والمبادئ وفق قياسان ومعايرات دينية غير متفق عليها، فالقتل ظاهرة مدانة وأجمعت كل المجتمعات على أنها واحدة من مظاهر الحيوانية السبعية، ولكن حين يفسر بعض المتدينين هذه الظاهرة ويحاول تشريعها وتبريرها بناء على رصيده الفكري والعقائدي كضرورة محاربة الكافرين واللا متدينين والعلمانين على أنهم أعداء الله سوف نجد أن مبررات القتل عند هذه الفئة ستستوعب الكثير من المحددات التي خرجوا بها خلاف ما في الإسلام من حد واضح وصريح وبين وما هي إلا أجتهادات الكهنوت الديني الذي تبناها في مراحل معينة من تاريخ الصراع الديني تحتضغط ودفع السلطة أو أستجابة لرغباتها.
هنا لا يكون الإسلام مسؤولا عن عن هذه الظاهرة ولا عن نتائجها بقدر ما للتدين المبني على الفقه والأجتهاد أو ما يسمى بالتدين الرسمي مسؤولا مباشرا عنها، لا سيما وأن الغالبية من الحركات والأفكار التي تنعت نفسها بالإسلامية لم تجري مراجعة حقيقية للمقارنة بين ما تطرحه وبين ما هو حكم ثابت وموافق لمنهج الرسالة، لذا فالدعوة إلى العودة لدين في هذا الوقت يمثل عودة حقيقية لصراعات الفقه والأجتهاد والتنظير الأعتباطي المبني على الفئوية والطائفية والعنصرية وليست عودة حقيقية كما يزعمون لدين الله، فلكل فئة وحزب وطائفة مفاهيمها وعقائدها الخاصة التي تتضارب فيما بينها كفروع وبينها وبين الإسلام كدين بأعتباره الجامع والداع للوحدة الإنسانية.
إن شعارات العودة للدين وأن الإسلام هو الحل ليست إلا أحلام عند البعض لأعلان أنتصارها السياسي وفوزها بفرصة ثانية لزيادة تدمير المجتمع وإشغاله في صراعات قديمة جديدة تجذر فيه الفرقة والتناحر وسفك المزيد من الدماء وهدر للطاقات والزمن، وعودة حقيقية للكهنوت المتحجر على أفكاره ومتجمد عند نقطة زمنية ماتت وأندثرت ولم يعد لها إمكانية العودة للحياة مرة أخرى بالصيغة التي تطرح اليوم، ومهما كانت المبررات والشعارات التي ترفع فهي مجرد أوهام لا يمكنها أن تعيد المجتمع للماضي ولا تصلح أن تكون المحرك للحاضر والمستقبل إلا عندما يتوحد المجتمع على قيم وأفكار وقوانين ورؤى جامعة تجعل من الإنسان هو المقدس والدين طريقا لأن يكون الخادم الذي يرتقي بالإنسان وجودا وحضارة وعمل مثمر يبني له حياة ملئها الكرامة وأشباع للرغبات والتطلعات الإنسانية الحقيقية.
واجب المجتمع اليوم وهو الغارق بإشكاليات ووحل صراعاته التي لا تنتهي إلا لتبدا من جديد بشكل أضخم وأعمق، أن يكبح تلك الدعوات في العودة للماضي والعودة إلى سلطة الكهنوت المتمسك بقراءاته الخاصة وكل حزب بما لديهم فرحون، وأن يتبنى لأجل مستقبله رؤى وأفكار تجنبه الخوض في كل ما كان سببا في تخلفه وإنقسامه وتنازعاته، وعليه أن يحظر كل دعوة من هذا القبيل وأن يطور من فهمه وأستيعاب حركة الدين في مداراتها الحقيقية القائمة على دعم الفضيلة وتمتين العلائق الأخلاقية، والأمرة بالعلم والمعرفة مانحة للإنسان حق الخيار فيما يؤمن به على قاعدة فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ليكون صادقا مع ربه وصادقا مع نفسه دون أن يفرط بالحياة ومعانيها السامية.
لقد أثبتت التجارب البشرية وعلى مر التأريخ أن المؤسسة الأجتماعية التي تكون ركيزتها العناصر الأختلافية والقائمة على إقصاء الأخر داخلها، ستبقى مجتمعات متفجرة غير قابلة على أن تقدم للحياة ما يدعم مسيرتها بل ستتحول إلى كانتونات متناحرة ومتقاتلة على وهم أنتصار فئة على المجتمع كله، وبالتالي توليد مظاهر الكراهية والرفض والتناقض بينها وبين بعضها والحصيلة النهائية هي خسارة الواقع وخسارة مركبة للزمن وقوانية، مما يعني مزيدا من التخلف والتراجع والتقهقر عن العنوان الجامع وهو الدين ويتحول إلى أشكال من ديانات متفرعة لا يربط بينها لا مصلحة ولا هدف ولا نتيجة تبشر بولادة مجتمع متكافل متعاضد يسعى للمستقبل والتطور والتجديد.
إن أخطر ما يواجهه المجتمع العراقي اليوم أنتشار ظاهرة التدين الفئوي والطائفية المقيتة التي تدعو إلى نبذ الأخر وتكفيره وأخراجه من دائرة الإسلام بمعنى إسقاط حرمته الإنسانية وجعله عرضة للموت والأستعباد والتسلط الغيري، وهذا ما نجده حقيقية على أرض الواقع ولا يحتاج إلى تنظير أو توضيح أو برهنة، فالواقع العراقي اليوم واقع متهالك ومنقسم على نفسه تحاصره إشكالات الهوية وأستحقاقات الزمن وتعرقل خطواته نحو الأنطلاق نحو مجتمع منفتح ومتفاعل وقادر على العمل الحر، لذا فالمهمة الأولى التي تقع على كاهل النخب والمؤسسات الأجتماعية الواعية التنبيه لخطورة هذه الدعوات والعمل على فضح مشاريعها والوقوف بحزم أمام أي دعوة فئوية تريد الرجوع بنا إلى الماضي وصراعاته وإنقساماته التي لم تفلح فيها أربعة عشر قرنا من أن تعيد اللحمة له ولا تتفق على مشتركات إنسانية حقيقية.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World