بدر شاكر السَّيَّاب: اللحظة والمنعطف

حكمت الحاج
hikmat.tn@gmail.com

2017 / 12 / 23

كان ذهاب بدر شاكر السياب الى بيروت ربيع 1957 بدعوة من مجلة "شعر" الطليعية والتي كان يديرها الشاعر يوسف الخال، حدثا شعريا ثقافيا. وكانت بيروت حينها نقطة لقاء بين الرغبة في الخروج من الثقافة العربية النظامية الأيديولوجية وبين الرغبة في الإفصاح عن المكبوت الثقافي رمز الحرية والتحرر. وكانت، كما يقول أدونيس، بوصفها هامشا على الصعيد السياسي العربي، هي المتن الثقافي العربي الأول. وهذا وجه من أوجه تناقضاتها الفريدة.
يحدثنا أدونيس عن مجيء بدر شاكر السياب الى بيروت ويضع فارقا بين مجيئه ومجيء غيره من الشعراء العرب. فبينما كان أحمد شوقي مثلا يربط القارئ بتجربة الذاكرة، كان السياب يربط القارئ بالتجربة الحياتية. عند الأول هاجس الثبات وقلق الاستعادة والاستمرارية، وعند الثاني هاجس التحول وقلق البحث والاكتشاف.
يصف أدونيس في كتابه "ها انت أيها الوقت: سيرة شعرية ثقافية"، (ط1 1993 دار الآداب) كيف كان حضور السياب في بيروت لمدة عشرة أيام فقط كافيا لكي تتحول المدينة بمجيئه الى أرض غنية بالأفكار والنشاط حول الشعر العربي الحديث بخاصة والشعر بعامة. لقد تحولت بيروت على يدي السياب رمزا للوحدة بين شعراء الحداثة العربية في هذا الأفق الذي يفتحونه للثقافة العربية وللمستقبل.
ففي اللقاء الشعري الذي هيأته مجلة "شعر" لبدر شاكر السياب، طرح شاعرنا قضية الشعر العربي برؤيا واسعة ونظر عال، كما يقول ادونيس. وقد قدم لقصائده التي ألقاها في المنتدى الكبير للجامعة الامريكية ببيروت باستشرافٍ نفَّاذ يعطي للشاعر دور الرائي وللشعر مهمة خلق عالم انساني تسوده قيم الحرية والخير والجمال.
قال السياب يومها: "لو أردت ان أتمثل الشاعر الحديث لما وجدت اقرب الى صورته من الصورة التي انطبعت في ذهني للقديس يوحنا وقد افترست عينيه رؤياه وهو يبصر الخطايا السبع تطبق على العالم كأنها أخطبوط هائل. الحدس الشعري في هذا المنظور قرين للحدس الديني. والحق كما يرى السياب ان الشعر والدين توأمان. زكما تلاشت الحدود بين الغاية والوسيلة في الدين تلاشت هذه الحدود في الشعر أيضا. فنحن يقول السياب نؤمن ونتدين لا سعيا وراء فائدة دنيوية، ونحن نقرأ الشعر ونكتبه لا بحثا عنه منفعة مادية. ولكننا نعلم.." والكلام للسياب "ان للدين غاية نبيلة وكذلك الشعر".
لم يكن الجمهور الذي أصغى الى السياب يألف مثل هذا الكلام على الشعر. فقد فوجئ به، لكنه فوجئ مع ميل غالب الى الإعجاب كما يؤكد أدونيس ذلك في سيرته الشعرية الثقافية المشار اليها آنفاً.
تلك كانت اللحظة. لحظة البزوغ السيابي القاطع المدهش. لكن المنعطف كان شيئا آخر. لنستمع الى أدونيس في هذا الصدد قائلا: فبعد ان اتفقنا في اثناء زيارته تلك على ان ننشر له في منشورات مجلة شعر مجموعة شعرية، وضع بين يدي نتاجه كله، وأعطاني الحرية كاملةً في تقرير ما يصلح من للنشر وما لا يصلح. هكذا اخترت له بين هذا النتاج مجموعة القصائد التي صدرت تحت عنوان "أنشودة المطر". وأوصيت باهمال ما تبقى. وقد وافق السياب على ما ارتأيته دون أية مناقشة أو أي تساؤل. (ص129 نفس المصدر). وفعلا فقد صدر الكتاب عام 1960 عن دار مجلة شعر بلبنان.
في أفق تلك اللحظة، وتحت ظل ذاك المنعطف، دخل الشعر العربي المعاصر مَسْرباً آخر ليحيا من جديد. وكانت رؤيتي للسياب بعد ما يزيد على نصف قرن من وفاته.

لا بأس في الحديث مجددا عن بدر شاكر السياب، ذلك الشاعر الخالد، بمناسبة، أو ربما بغيرها، فاستذكار رموزنا خيرٌ ألف مرة من بعث روح ميتة في رموز لا تمت إلينا بصلة. أسوق هذا الكلام لأن هنالك من سألني إن كنت بوصفي شاعرا عراقيا، قد تجاوزتُ حقاً السّيابَ من حيث هو قصيدة، بعد أن مرّ على وفاته ما يقرب من نصف قرن، وكان بودي أن أجيبه بطريقة عامية في الكلام كأن أقول له / وَمَنْ نحن لكي نتجاوز السياب؟/ لكني فضلت أخيرا أن أستعيد كلاما كنت قلته يوما تحت شعار ذكراه الخالدة وقريبا من تمثاله الحزين في البصرة العظيمة أم الموانئ جميعا:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمرْ
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء كالأقمار في نهَرْ

لا يهمني "السياب" من حيث هو سيرة، ولا من جهة أنه نصّ، ولا من حيث هو فعل في التاريخ. رسائله تافهة ومملة وكلها كدية وشحاذة.. يتوسل يوسف الخال كي يجد له عقدا للترجمة مع مؤسسة فرانكلين للنشر، ويطلب الى لست أدري من، أن يبعث له شيئا من الأموال، الخ من تلك الفضائح التي تضمنها كتاب رسائل السياب الذي حققه ونشره الناقد العراقي ماجد السامرائي. لا تهمني أيضا تقاطعات شخصه مع التباسات واقع الدولة العراقية وظروف الأحزاب وتبديل المعتقدات. فهو مرة شيوعي وأخرى بعثي حسب الظروف العامة في العراق الذي ظلت ظروفه خاصة. مقالاته التي كانت تحت عنوان "كنت شيوعيا" ليس هناك أسخف منها، بسطحيتها وضحالتها وركاكتها.
لا تهمني أيضا تقاطعات نصه الشعري مع مصادر انكليزية مزعومة، أو تأثرات عربية مؤكدة. وبالتأكيد لن تهمني في هذا السياق تلمذته على يد مدرس بريطاني في دار المعلمين العالية آنذاك، ولا درسه على يد جبرا ابراهيم جبرا، حيث من هذين الاثنين، كما يشاع، تعلم كل شيء.
مطر...
مطر...
مطر...
تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثقالْ

ما يهمني بالدرجة الأولى تلك القشعريرة التي ظلت تلازمني سنين طويلة منذ أن قرأت لأول مرة قصيدته الملحمية الجبارة / أنشودة المطر/ حيث تاريخ حي مختصر للإنسان في أهاب قصيدة ليست سوى عن جيكور، قريته المجهولة ضمن حدود أبي الخصيب، إحدى مقاطعات البصرة جنوب العراق، والمشتق اسمها من اللغة الفارسية بما يعني انها النهر الصغير الأعمى.
كيف لا يرتجف هلعا من يسمع السياب وهو يقول:
وأسمع القرى تئنّ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوعْ،
عواصف الخليج، والرعود، منشدين:
مطر...
مطر...

أوَ لا يذوبُ فَرَقَاً من يقرأ هذا المقطع من القصيدة نفسها:
أكادُ أسمعُ العراق يذْخرُ بالرعودْ
ويخزن البروق في السّهول والجبالْ،
حتى إِذا ما فضَّ عنها ختمها الرّجالْ
لم تترك الرياح من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ.
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطرْ

أو لا يذرفُ دمعا من القلب وعين على العراق وعين على الدم والسياب يقول:

مطر..
مطر...
وفي العراق جوعْ
وكلَّ عام حين يعشبُ الثرى نجوعْ
ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ

ولكن، وعلى جلال وأهمية وجمال ما تقدم، أرى أن ذلك كله لا يهم بقدر ما يهمنا طرح سؤال صحيح من وجهة نظر مغايرة، واضعا نصب عيني مفهوم "اللحظة المعرفية" كما تثبت ذلك وتقعد في الأدبيات النقدية المعاصرة، وتعريف "الأزمة" كما يرد عند مفكر مثل "بول ريكور"، من أجل أن نفحص جدل العلاقة ما بين أزمتنا الشعرية الراهنة، وبين السياب كأزمة.
اللحظة المعرفية هي بؤرة تجمع فيها لحظات عدة تشكل في نظامها القيمي استجابة لتحديات تفرضها الأزمة التي هي بالضرورة منعطف على مستوى التاريخ. الأزمة هي منعطف. والحركة السيابية كانت منعطفا. إذن، كان التاريخ الأدبي مأزوما والخطاب يطرح تحديا، فهل كانت الاستجابة السيابية منعطفا أصيلا؟
من هنا أطرح السؤال الذي يهمني، متتبعا نسق المفاهيم المقدمة أعلاه وأسأل:
هل السياب هو لحظة؟
وهل السيابية هي لحظة معرفية؟
وإذا كانت هي كذلك، فهل كانت لحظة قطع معرفية؟
إننا جميعا مطالبون بأن نصوغ أسئلتنا بشكل غير زائف وذلك كي نحصل على إجابات حادة ودقيقة وحقيقية. وقد يكون من المفيد في هذا المقام أن نثبت النتائج التي تقررها الأجوبة، تاركين مهمة وضع الأسئلة وسيرورة تطبيقاتها الإجرائية الى مقام آخر. ان الذي يحدونا الى مناقشة السياب وذكراه بهذا الشكل إنما هو اعتراف منا في الأقل، بالأمور التالية:
أولا: اننا ما زلنا، من جهة الانتاج الشعري، في اللحظة السيابية وامتداداتها وتفريعاتها، ولم نغادرها بعد. ولا احتجاج بما تنتجه أنواع أدبية أخرى مثل قصيدة النثر عربيا، فإنها في أحسن حالاتها لا تقدم أملا ما.
ثانيا: لا تبدو في الأفق القادم تباشير قطوعات معرفية جديدة تشكل بحد ذاتها لحظة جديدة، بمعنى أن تكون لحظة جوابية ناجعة على تساؤلية الشعر، إذ يبدو ان الشعر العربي الراهن لم يستنفذ بعد كل امكانات العمودية السيابية، إن صح التشبيه.
ثالثا: تطرح اللحظة السيابية إشكالات وتساؤلات تتعلق باللغة الأم والكلام المحكي ولغة الحياة اليومية وعلاقة الشاعر بالغرب ومن ثم علاقته بالتراث أو ارتداده اليه وخلق الأنموذج الأسمى وأسطرة الواقع المعاش وأسلفة الحداثة وتعصير القدامة. كما تطرح على البساط الشعري مواضيع الله والأب والسلطة.كل هذه المشكلات ما زالت تفعل فعلها وتعمل، ولكن الملاحظ انها لا تقدم نتائج مفيدة. أما تجاهل هذه المشكلات والتساؤلات فإنه ليس إلا قفزة في العدم وتجاوز للأزمة من دون المرور بها.
رابعا: كان الشعر العربي قبل السياب ومن بعده وحتى الآن، في مقام - الإخبار عن - أو – التبليغ - بدلا من أن يكون في مقام - الوجود في – أو الحضور. الشعر العربي إخبارٌ عن الوطن والأرض والأهل والحبيبة واللقمة والسيف والبندقية والقضية والهوية والعدو المتربص والعدو المتآمر والعدو الخفي، والاحتلال والاستعمار والاستقلال والإرهاب والعولمة الخ الخ ولم يستطع أبدا أن يكون سؤالا في الوجود.
بمعنى آخر: لا يملك الشعر العربي على مر تاريخه أي بُعد أنطولوجي، إنما كان بُعده الأول والأخير سياسيا. ولعل للحظة التي تعقب السياب وتقطع معه، أن تصحح هذا الخطأ.
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرةٍ تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد
أو حُلمةٌ تورَّدت على فم الوليدْ
في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة.
ويهطل المطرْ...

ولد بدر شاكر السياب في محافظة البصرة جنوب العراق (25 ديسمبر 1926 - 24 ديسمبر 1964)، ثم انتقل إلى بغداد فدخل جامعتها دار المعلمين العالية أي كلية التربية حاليا، من عام 1943 إلى 1948م، والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته.
وفي سنة 1961 بدأت صحة السياب بالتدهور حيث بدأ يشعر بثقل في الحركة وأخذ الألم يزداد في أسفل ظهره، ثم ظهرت بعد ذلك حالة الضمور في جسده وقدميه، وظل يتنقل بين بغداد وبيروت وباريس ولندن للعلاج دون فائدة.
أخيراً ذهب إلى الكويت لتلقي العلاج في المستشفى الأميري هناك حيث قامت هذه المستشفى برعايته وأنفقت عليه خلال مدة علاجه. فتوفي بالمستشفى الكويتي في 24 كانون الأول ديسمبر عام 1964 عن عمر ناهز 38 عاماً ونُقل جثمانه إلى البصرة وعاد إلى قرية (جيكور) في يوم من أيام الشتاء الباردة الممطرة. وقد شيّعه عدد قليل من أهله وأبناء محلته، ودفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير. في ليلة عيد الميلاد من عام 1964.
أعماله المنشورة:
1.أزهار ذابلة- مطبعة الكرنك بالفجالة- القاهرة- ط ا- 1947
2.أساطـير- منشورات دار البيان- مطبعـة الغرى الحديثـة- النجف- ط 1-
3.حفار القبور- مطبعة الزهراء- بغداد- ط ا- 1952
4.المومس العمياء- مطبعة دار المعرفة- بغداد- ط 1- 1954
5.الأسلحة والأطفال- مطبعة الرابطة- بغداد- ط ا- 1954
6.أنشودة المطر- دار مجلة شعر- بيروت- ط 1- 1960
7.المعبد الغريق- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1962
8.منزل الأقنان- دار العلم للملايين- بيروت- ط ا- 1963
9.أزهار وأساطير- دار مكتبة الحياة- بيروت- ث ا- د. ت
10.شناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1964
11.إقبال- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965
12.إقبال وشناشيل ابنة الجلبي- دار الطليعة- بيروت- ط ا- 1965. 13-
13.قيثارة الريح- وزارة الأعلام العراقية- بغداد- ط ا- 1971
14.أعاصير - وزارة الأعلام العراقية - بغداد- ط ا- 1972
15.الهدايا - دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974
16.البواكير - دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربـي- بـيروت- ط ا- 1974
17.فجر السلام - دار العودة بالاشتراك مع دار الكتاب العربي- بيروت- ط ا- 1974
الترجمات الشعرية
1.عيون إلزا أو الحب والحرب: عن أراغون- مطبعة السلام- بغداد- بدون تاريخ
2.قصائد عن العصر الذري: عن ايدث ستويل- دون مكان للنشر ودون تاريخ
3.قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث: دون مكان للنشر ودون تاريخ
4.قصائد من ناظم حكمت: مجلة العالم العربي، بغداد – 1951
الأعمال النثرية
الالتزام واللاالتزام في الأدب العربي الحديث: محاضرة ألقيت في روما ونشرت في كتاب الأدب العربي المعاصر، منشورات أضواء، بدون مكان للنشر ودون تاريخ لها.
الترجمات النثرية
1.ثلاثة قرون من الأدب: مجموعة مؤلفين، دار مكتبة الحياة- بيروت- جزآن، الأول بدون تاريخ، والثاني 1966.
2.الشاعر والمخترع والكولونيل: مسرحية من فصل واحد لبيتر أوستينوف، جريدة الأسبوع- بغداد- العدد 23- 1953.
________________________________________

مراحل تطور شعرية السيّاب
(اعتمدت في بيان المعطيات أدناه على مؤلفات كل من د. عيسى بلاطة و د. احسان عباس و د. كريم مروة و د. حسن توفيق).

الرومانطيقية:
كان السيّاب شاعراً فذّاً لكن متقلبا في أطواره على غرار الأطوار التي تقلّبت فيها حياته المعاشيّة والاجتماعية والفكريّة. ورافق ذلك كله تتبّع فكريّ وعاطفي لحركة الرومانطيقية التي شاعت في أوربا والتي ازدهرت في بعض الأقطار العربيّة ولاسيّما لبنان والمهاجر، فاندفع في تلك الحركة، وراح في قصائده الأولى يداعب شجونه في جوّ من الضبابية اليائسة، لا يخلو من نبضات ثورية حالمة، وراح يناجي الموت، ويهوي في لجة عالمه المنهار.
الاشتراكية:
تلك كانت المرحلة الأولى من أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الخروج من الذاتية الفرديّة إلى الذاتية الاجتماعية، وقد انطلق الشاعر، في نزعته الاشتراكية ورومنطيقيّته الحادة، يتحدث عن آلام المجتمع ومشاكل الشعب، ويُهاجم الظلم في أصحابه، ويُصوّره في (حفار القبور) مارداً جشعاً يرقص على جثث الموتى ويغذي جشعه بأرواحهم.
الواقعية الجديدة:
وبعد هذه المرحلة نرى السيّاب ينزع نزعة (الواقعية الجديدة) - على حدّ قوله - ويعمل على تحليل المجتمع تحليلاً عميقاً، وعلى تصويره تصويراً واقعيّاً فيه من الحقائق الحياتية ما يستطيع الشاعر ادراكه بنفاذ بصره وقوة انطباعيته. وقد امتاز بدر في هذه الفترة من حياته بنزعته القوميّة العربيّة وذلك بعد تركه للحزب الشيوعيّ، وقد بدأت بوادر ذلك في رسائله التي كان يكتبها لأصدقائه مثل الدكتور سهيل إدريس صاحب مجلة الآداب. وراح السيّاب يصوّر واقع بلاده الأليم ويحلم لها بمستقبل تزدهر فيه عبر التنوير والتطور والانفتاح.
تأثيرات:
تأثر السياب بشعراء عرب وأجانب في مراحل تطور تجربته الشعرية. ويتطرق أحد النقاد إلى تأثر السيّاب بكل من أبي تمام والبريطانية اديث سيتويل وينقل عنه قوله: «حين أراجع إنتاجي الشعري ولا سيّما في مرحلته الأخيرة أجد أثر هذين الشاعرين واضحاً فالطريقة التي أكتب بها أغلب قصائدي الآن هي مزيج من طريقة أبي تمام وطريقة إديث سيتويل». ولطالما أشاد السياب بالشاعر العراقي المعروف محمد مهدي الجواهري (1899-1997) الذي كان يلقب (متنبي العصر) واعتبره "أعظم شاعر" في ختام النهج التفعيلي للشعر العربي.


نماذج من شعر السياب


أنشودة المطر



عَيْنَاكِ غَابَتَا نَخِيلٍ سَاعَةَ السَّحَرْ ،
أو شُرْفَتَانِ رَاحَ يَنْأَى عَنْهُمَا القَمَرْ.
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ...كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا، النُّجُومْ ...
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف،
وَالمَوْتُ، وَالميلادُ، والظلامُ، وَالضِّيَاء؛
فَتَسْتَفِيق مِلء رُوحِي، رَعْشَةُ البُكَاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
كنشوةِ الطفلِ إذا خَافَ مِنَ القَمَر!
كَأَنَّ أَقْوَاسَ السَّحَابِ تَشْرَبُ الغُيُومْ
وَقَطْرَةً فَقَطْرَةً تَذُوبُ في المَطَر...
وَكَرْكَرَ الأَطْفَالُ في عَرَائِشِ الكُرُوم،
وَدَغْدَغَتْ صَمْتَ العَصَافِيرِ عَلَى الشَّجَر
أُنْشُودَةُ المَطَر...
مَطَر...
مَطَر...
مَطَر...
تَثَاءَبَ الْمَسَاءُ، وَالغُيُومُ مَا تَزَال
تَسِحُّ مَا تَسِحّ من دُمُوعِهَا الثِّقَالْ.
كَأَنَّ طِفَلاً بَاتَ يَهْذِي قَبْلَ أنْ يَنَام:
بِأنَّ أمَّـهُ - التي أَفَاقَ مُنْذُ عَامْ
فَلَمْ يَجِدْهَا، ثُمَّ حِينَ لَجَّ في السُّؤَال
قَالوا لَهُ: "بَعْدَ غَدٍ تَعُودْ .." -
لا بدَّ أنْ تَعُودْ
وَإنْ تَهَامَسَ الرِّفَاقُ أنَّـها هُنَاكْ
في جَانِبِ التَّلِّ تَنَامُ نَوْمَةَ اللُّحُودْ
تَسفُّ مِنْ تُرَابِـهَا وَتَشْرَبُ المَطَر؛
كَأنَّ صَيَّادَاً حَزِينَاً يَجْمَعُ الشِّبَاك
ويلعن المياه والقَدَر
وَيَنْثُرُ الغِنَاءَ حَيْثُ يَأْفلُ القَمَرْ.
مَطَر ...
مَطَر ...
أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعثُ المَطَر ؟
وَكَيْفَ تَنْشج المزاريبُ إذا انْهَمَر ؟
وكيفَ يَشْعُرُ الوَحِيدُ فِيهِ بِالضّيَاعِ ؟
بِلا انْتِهَاءٍ - كَالدَّمِ الْمُرَاقِ، كَالْجِياع ،
كَالْحُبِّ، كَالأطْفَالِ، كَالْمَوْتَى - هُوَ الْمَطَر!
وَمُقْلَتَاكِ بِي تُطِيفَانِ مَعِ الْمَطَر
وَعَبْرَ أَمْوَاجِ الخَلِيج تَمْسَحُ البُرُوقْ
سَوَاحِلَ العِرَاقِ بِالنُّجُومِ وَالْمَحَار،
كَأَنَّهَا تَهمُّ بِالشُّرُوق
فَيَسْحَب الليلُ عليها مِنْ دَمٍ دِثَارْ.
أصيح بالخليج: "يا خليجْ
يا واهبَ اللؤلؤ، والمحار، والردى !"
فيرجعُ الصَّدَى
كأنَّـه النشيجْ:
"يَا خَلِيجْ
يَا وَاهِبَ المَحَارِ وَالرَّدَى... "
أَكَادُ أَسْمَعُ العِرَاقَ يذْخرُ الرعودْ
ويخزن البروق في السهولِ والجبالْ،
حتى إذا ما فَضَّ عنها ختمَها الرِّجالْ
لم تترك الرياحُ من ثمودْ
في الوادِ من أثرْ.
أكاد أسمع النخيل يشربُ المطر
وأسمع القرى تَئِنُّ، والمهاجرين
يُصَارِعُون بِالمجاذيف وبالقُلُوع،
عَوَاصِفَ الخليج ، والرُّعُودَ ، منشدين :
" مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وفي العِرَاقِ جُوعْ
وينثر الغلالَ فيه مَوْسِمُ الحصادْ
لتشبعَ الغِرْبَان والجراد
وتطحن الشّوان والحَجَر
رِحَىً تَدُورُ في الحقول … حولها بَشَرْ
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَكَمْ ذَرَفْنَا لَيْلَةَ الرَّحِيلِ ، مِنْ دُمُوعْ
ثُمَّ اعْتَلَلْنَا - خَوْفَ أَنْ نُلامَ – بِالمَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
وَمُنْذُ أَنْ كُنَّا صِغَارَاً ، كَانَتِ السَّمَاء
تَغِيمُ في الشِّتَاء
وَيَهْطُل المَطَر ،
وَكُلَّ عَامٍ - حِينَ يُعْشُب الثَّرَى- نَجُوعْ
مَا مَرَّ عَامٌ وَالعِرَاقُ لَيْسَ فِيهِ جُوعْ .
مَطَر ...
مَطَر ...
مَطَر ...
في كُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ المَطَر
حَمْرَاءُ أَوْ صَفْرَاءُ مِنْ أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .
وَكُلّ دَمْعَةٍ مِنَ الجيَاعِ وَالعُرَاة
وَكُلّ قَطْرَةٍ تُرَاقُ مِنْ دَمِ العَبِيدْ
فَهيَ ابْتِسَامٌ في انْتِظَارِ مَبْسَمٍ جَدِيد
أوْ حُلْمَةٌ تَوَرَّدَتْ عَلَى فَمِ الوَلِيــدْ
في عَالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، وَاهِب الحَيَاة!
مَطَر...
مَطَر ...
مَطَر ...
سيُعْشِبُ العِرَاقُ بِالمَطَر... "
أصِيحُ بالخليج: "يا خَلِيجْ ...
يا واهبَ اللؤلؤ ، والمحار ، والردى!"
فيرجعُ الصَّدَى
كأنَّـهُ النشيجْ :
"يا خليجْ
يا واهبَ المحارِ والردى."
وينثر الخليجُ من هِبَاتِـهِ الكِثَارْ ،
عَلَى الرِّمَالِ: رغوه الأُجَاجَ ، والمحار
وما تبقَّى من عظام بائسٍ غريق
من المهاجرين ظلّ يشرب الردى
من لُجَّـة الخليج والقرار ،
وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيقْ
من زهرة يربُّها الرفاتُ بالندى.
وأسمعُ الصَّدَى
يرنُّ في الخليج
"مطر .
مطر ..
مطر ...
في كلِّ قطرةٍ من المطرْ
حمراءُ أو صفراءُ من أَجِنَّـةِ الزَّهَـرْ .
وكلّ دمعة من الجياع والعراة
وكلّ قطرة تراق من دم العبيدْ
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حُلْمَةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ
في عالَمِ الغَدِ الفَتِيِّ ، واهب الحياة . "
وَيَهْطُلُ المَطَرْ ..


النهر والموت
1
بويب
بويب
أجراس برج ضاع في قارة البحر
الماء في الجرار، و الغروب في الشجر
وتنضج الجرار أجراسا من المطر
بلورها يذوب في أنين
" بويب .. يا بويب"
فيدلهم في دمي حنين
إليك يا بويب
يا نهري الحزين كالمطر
أود لو عدوت في الظلام
أشد قبضتي تحملان شوق عام
في كل إصبع كأني أحمل النذور
إليك من قمح و من زهور
أود لو أطل من أسرة التلال
لألمح القمر
يخوض بين ضفتيك يزرع الظلال
و يملأ السلال
بالماء و الأسماك و الزهر
أود لو أخوض فيك أتبع القمر
و اسمع الحصى يصل منك في القرار
صليل آلاف العصافير على الشجر
أغابة من الدموع أنت أم نهر؟
و السمك الساهر هل ينام في السحر؟
و هذه النجوم هل تظل في انتظار
تطعم بالحرير آلاف من الإبر ؟
و أنت يا بويب
أود لو غرقت فيك ألقط المحار
أشيد منه دار
يضيء فيها خضرة المياه و الشجر
ما تنضح النجوم و القمر
و أغتدي فيك مع الجزر إلى البحر
فالموت عالم غريب يفتن الصغار
وبابه الخفي كان فيك يا بويب

2
بويب .. يا بويب
عشرون قد مضين كالدهور كل عام
و اليوم حين يطبق الظلام
و استقر في السرير دون أن أنام
و ارهف الضمير دوحة إلى السحر
مرهفة الغصون و الطيور و الثمر
أحس بالدماء و الدموع كالمطر
ينضحهن العالم الحزين
أجراس موتى في عروقي ترعش الرنين
فيدلهم في دمي حنين
إلى رصاصة يشق ثلجها الزؤام
أعماق ، كالجحيم يشعل العظام
أود لو عدوت أعضد المكافحين
اشد قبضتي ثم أصفع القدر
أود لو غرقت في دمي إلى القرار
لأحمل العبء مع البشر
و أبعث الحياة ، إن موتي انتصار.



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World