كيف توقعت مستقبل الثورة في فنزويلا

مصطفى مجدي الجمال
mostafagammal@yahoo.com

2015 / 12 / 8

أنشر هنا نص ما كتبته حول مستقبل الثورة الفنزويلية قبل قرابة 9 سنوات، والذي ورد في كتاب لي بعنوان "شافيز.. جدل الثورة والكاريزما". وقد شعرت بحاجتي إلأى العودة لتلك التوقعات قبل أن أحاول التفكير في الإجابة عن أسئلة صعبة حول انتصار اليمين في الانتخابات البرلمانية مؤخرًا..

***
ينظر المثقفون اليساريون المصريون والعرب إلى مستقبل التجربة الفنزويلية، ونظيراتها في أمريكا اللاتينية، بمزيج من مشاعر التفاؤل والتشاؤم غير الموضوعية، وإن غلب على الطرفين التناول البراغماتي، بمعنى أننا يجب أن نستفيد في كل الأحوال- ولأطول فترة ممكنة- من هذه الأصوات القادمة من نصف العالم الغربي، وتواصل التحدي اليومي للهيمنة الأمريكية في بعض أعزّ مواقعها الاستراتيجية.. وبالأحرى في "فنائها الخلفي". وهو أيضا ما يمكن أن يمثل قوة ضغط معنوية غير مباشرة على النظم الحاكمة العربية التي قدمت للإمبراطورية الأمريكية معظم ما طلبته من تنازلات في تطبيق السياسات النيوليبرالية، والتواطؤ ضد حركات المقاومة باسم مكافحة الإرهاب، والتطبيع مع إسرائيل.. ولكنها لم تجن في النهاية سوى ما نشاهده من ضياع السيادة وتعاظم عدوان الكيان الصهيوني وكارثة تفكيك المجتمعات العربية واحدا تلو الآخر تحت رايات "الفوضى الخلاقة".

أما التفاؤل غير الموضوعي فهو ينبعث من المبالغة عند البعض في تصور أن التجارب اليسارية الجديدة في أمريكا اللاتينية تواجه وستواجه تحديات غير عادية، تحديات وجودية، فضلا عن التناقضات في ما بينها وداخل كل منها. كما أن تطور تلك التجارب وتقدمها نحو مزيد من الإنجازات يتطلب أن يشهد العالم إلى جانبها عملية ثورية متنامية في مناطق أخرى مهمة في قلب العالم، مثل أوربا وما يسمى بالشرق الأوسط. إذ إنه لا يمكن أن تستمر تجارب أمريكا اللاتينية على وتيرتها المتنامية إذا ظلت بمثابة "نتوء" يساري بارز ووحيد في "طبوغرافيا" المقاومة العالمية للإمبريالية.

وأما التشاؤم غير الموضوعي فينبعث من مصدرين. أولهما ينظر إلى موازين القوى بين يسار أمريكا اللاتينية منفردا وبين القدرات الهائلة للإمبراطورية الأمريكية والتي سوف تستدير في الوقت الملائم لها لتطويق وتقويض تلك التجارب اليسارية مستفيدة من تناقضاتها الداخلية والبينية. أما المصدر الثاني فيتمثل في مخزون الذاكرة الجمعية للمثقفين اليساريين المصريين والعرب المثقل بما آلت إليه تجارب "شعبوية" مماثلة في وطننا العربي (وخاصة تجربة عبد الناصر العريضة) من احتواء وانكسار وربما انقلاب أيضا على أيدي قادتها أنفسهم. ومن المؤسف أن بعض يساريينا ومثقفينا عامة يتداولون مفهوم "الشعبوية" وفق ذات المنظور السائد في الإعلام الإمبريالي، وهو منظور تحقيري يقلل من شأن ما ينجز باعتبار أنه يقوم على تحركات شعبية غير منظمة، وشعارات ديماغوجية، وتقديس البطل، ونزعة تلفيقية بين نماذج فكرية وسياسية متناقضة..الخ.

وبعيدا عن هذا التناول غير الموضوعي، فإن تقدير الموقفين الاستراتيجي والتكتيكي للتجارب اليسارية الجديدة في أمريكا اللاتينية يجب أن يكون نقطة البدء الأولى في كل تحليل. أي أن الحديث هنا يتعلق بالإرادات والإمكانيات والتحالفات والمخاطر، وعلاقة كل هذا بالزمان والمكان. شريطة أن نحاول قدر الإمكان أن نبتعد عن مغريات حديث السيناريوهات البديلة التي قد تفيد عمليا في استيضاح أحد الجوانب المذكورة سابقا، إلا أنها لن تستطيع في النهاية أن تعطي رؤية شمولية لتفاعل تلك الجوانب (الإرادات، الإمكانيات...) مع بعضها البعض في ضوء الزمان والمكان، وما يمكن أن تحمله معها من مفاجآت تتحدى أي سيناريو، فضلا عن الدور المستقل نسبيا للعوامل الذاتية (وخاصة الكاريزما) في هذا النوع من التجارب. ولعل هذا كله السبب في رغبة الكاتب في ألا يقارب السيناريوهات بالصور المعتادة في بحوث علم السياسة، فضلا عن اعتبارات الحيّز المتاح، ومن ثم نفضل الحديث عن محددات المستقبل.

وإذا تحدثنا عن المستقبل القريب للتجربة الشافيزية فإن هناك عددا من المحددات الرئيسية التي يجب إيلاؤها اهتماما خاصا. ونعيد التأكيد مرة أخرى على أن هذه المحددات ليست منعزلة عن بعضها، وإنما هي في حالة من الجدل المستمر والخصب في ما بينها، وما نفعله هنا هو التركيز على كل محدد منها لضرورة التحليل.

المحدد الأول يتعلق بالكاريزما، أي بالزعيم القائد. فلا شك أن استمرار قيادة شافيز للعملية الجارية في فنزويلا هو أمر مهم جدا في استمرارها وتحديد اتجاهها وإيقاعها وحجم التأييد الذي تلقاه. وليس من الاحتمالات المستبعدة أن تلجأ الولايات المتحدة للتخلص من كابوس شافيز بالاغتيال أو الانقلاب أو أن تحاول احتواءه عن طريق عزله عن مواطن قوته في الداخل وتحالفاته في الإقليم وخارجه. ونكرر أن استمرار شافيز شخصيا في قيادة العملية يضمن لها راديكاليتها وقدرتها على إرباك الخصوص من خلال نزعته الهجومية الواضحة، وحسه الشعبي المرهف، فضلا عن مواهبه الشخصية الاستثنائية.

ولعل هذا ما يدركه شافيز نفسه جيدا، رغم تواضعه الشخصي كثوري مرّ بتجارب قاسية عديدة، ومن ثم فلن تكون هناك مفاجأة على الإطلاق لو أقدم على تعديل الدستور بما يسمح له بالترشح لولاية ثالثة، إن توصل إلى استنتاج أن المهام التي يريد إنجازها لم تكتمل، أو أن البديل المكمّل لمسيرته غير جاهز، أو أن التحالف اليسار قد ينهار لو توارى هو عن الأنظار. وبالطبع فإن خطوة كهذه سوف تثير لغطا كثيرا في الداخل والخارج، إلا أن المفاضلات ستتوقف أولا وأخيرا على المصالح المباشرة للعملية الثورية التي يقودها.

والمحدد الثاني يتعلق بالوضع المرجح للإمبريالية الأمريكية عامة، ومواقفها من التطورات غير المواتية لمصالحها في أمريكا اللاتينية. ويأتي في المقام الأول هنا مستقبل "مشروع القرن الأمريكي الجديد" ومدى نجاحه في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم في ضوء صعود قوى الصين وروسيا أساسا. فإذا كان الفشل الأمريكي كبيرا إلى حد حدوث تراجع درامي في نفوذ المحافظين الجدد واليمين المسيحي، فإن هذا لن يعني بالضرورة أن تتخذ الولايات المتحدة مواقف "متساهلة" إزاء ما يحدث في أمريكا اللاتينية حتى لو سيطر أنصار "المدرسة الواقعية" على مقاليد السياسة الخارجية الأمريكية، ذلك لأن أمريكا اللاتينية لها وضعية خاصة في المصالح الاستراتيجية الأمريكية، ومن ثم فإن تراجع المشروعات الأمريكية في أي منطقة أخرى من العالم قد يكون الدافع لزيادة شراستها في القارة المجاورة. أما إذا حقق المشروع الأمريكي نجاحا لافتا في المستقبل القريب، وهو الاحتمال غير المرجح، فإنه سيعني بالتأكيد أن تفرد عضلاتها أكثر على الجيران، وإن كان تركيزها الأكثر سيكون على الاستفادة من عناصر "القوة الناعمة". أي أن التجارب اليسارية الجديدة في أمريكا اللاتينية ستواجه غالبا أوقاتا صعبة مع الولايات المتحدة، ولكن قد يكون هناك اختلاف فقط في مستوى التعامل.

وربما يكون النفط من أهم المشكلات التي ستعترض العلاقات بين فنزويلا والولايات المتحدة، فإن أقدمت كاركاس على تعديل جوهري في أسواقها النفطية، لصالح الصين مثلا، فإن هذا لن يمر بسهولة على واشنطن. كما أن "تمادي" شافيز في تأميم المصالح الأجنبية، ومهما كانت التعويضات المادية، قد يزيد من سخط الولايات المتحدة وانتحال الذرائع للتدخل المباشر.

ومن الاحتمالات القوية أن تستغل الولايات المتحدة حدوث موجة من أعمال العنف، أو حتى صراعا حدوديا مفتعلا مع كولومبيا تحديدا، كي تقوم بتدخل عسكري سافر. أي أن الولايات المتحدة لن تعدم الذرائع لممارسة المزيد من الضغوط والتدخلات، وإنما سيتوقف مستوى هذه الضغوط والتدخلات على عنصر الإرادة السياسية في البيت الأبيض.

المحدد الثالث يتعلق بالمدى الذي يمكن أن يصل إليه برنامج شافيز الذى أسماه "اشتراكية القرن الحادي والعشرين". وبغض النظر عن الأساس الفكري لهذا البرنامج، فإن المهم بالدرجة الأولى حجم ونوع المكاسب التي ستحصل عليها الجماهير الشعبية من وراء تطبيق البرنامج، وقبل هذا توسيع آليات الديمقراطية المباشرة بما يمثل ضمانة حقيقية لحماية المكتسبات وتطويرها حتى لا تكون عرضة للانتكاس. وفي إطار هذا أيضا يجب أن يمضي النظام قدما في عملية تسليح الشعب للدفاع عن الديمقراطيتين السياسية والاجتماعية في مواجهة عدوان خارجي أو انقلاب عسكري، على أن يتم هذا في إطار صيغة مبدعة تحترم المؤسسات الديمقراطية والقواعد الدستورية.

وفي هذا الإطار أيضا هناك تساؤلات لم تزل مفتوحة في ما يتعلق بمشروع إنشاء الحزب الاشتراكي الموحد، فهل سيتمكن شافيز مثلا من تحاشي نفوذ البيروقراطية والانتهازية السياسية داخل الحزب الجديد، خاصة وأنه سيكون "حزب السلطة". كما أن تعامل الحزب الجديد مع الأطراف الأخرى في التحالف الحاكم التي تفضل الاحتفاظ باستقلاليتها التنظيمية، يجب أن يتصف بأعلى درجات الحكمة والمرونة بحيث لا تحدث انقسامات لا داعي لها في هذا التحالف، ويمكن أن تنفذ منها القوى المعادية.
تتبقى نقطة مهمة سيكون على حكومة شافيز أن تتعامل معها بصراحة أكبر، وتتعلق بكيفية اجتذاب قطاعات رئيسية من الطبقات المتوسطة التي قد تشعر أن مكاسبها من "الثورة البوليفارية" لا تعادل ما تحصل عليه الفئات الفقيرة والمهمشة، خاصة وأن هذه القطاعات تمثل رصيدا واحتياطا قويا لليمين الممثل لمصالح النخبة.

أما المحدد الرابع فيتصل بالمسألة النفطية بمختلف جوانبها. فمثلا هل ستظل أسعار النفط على هذا الارتفاع الحالي، ومن ثم يستمر تدفق الموارد على البرامج الاجتماعية التي تعتبر من أهم عوامل القوة السياسية لحكومة شافيز؟ وهل ستنجح إدارته في الاستخدام الحكيم لتيار الموارد المالية هذا في تنويع القاعدة الإنتاجية، وخاصة في الصناعة والزراعة، مثلما تستخدم الآن بكثافة لتنمية رأس المال البشري (الصحة والتعليم والإسكان..) وتطوير البنية الأساسية؟ أم سيصدق توقع البعض من أن ما يسمونها "الشعبوية النفطية" تؤدي إلى خلق شبكات جديدة من "الزبونية السياسية"، كما أن استمرار اعتماد الاقتصاد على الإيرادات الريعية يخلق في النهاية نوعا من الاعتمادية المبالغ فيها على الدولة (حتى لو اتخذ هذا شكل الحملات الاجتماعية) في ظل احتمالات ضعف الرقابة والمشاركة الشعبية، وفي ظل تنامي النزعة الاستهلاكية والرغبة في التمتع بالخيرات الوفيرة على حساب التوجه نحو الاستثمار طويل الأمد لبناء مجتمع متطور على كل المستويات.

والمحدد الخامس يتعلق بمدى قدرة حكومة شافيز على حل بعض المشكلات التاريخية في المجتمع الفنزويلي، فرغم أنه ليس المسئول عنها وإنما قرون عدة من تاريخ النهب والهيمنة واستبداد النخبة، إلا أنه مسئول مباشر عن تحقيق إنجازات رئيسية لثلم تأثيراتها السلبية على تجربته. وفي مقدمتها مشكلة الفقر الذي يحتاج إلى حلول بنيوية واستراتيجية تتجاوز منظور الغوث والرعاية، ومشكلة الفساد المتوطن الذي يعد مكوّنا ثقافيا مستقرا في معظم الطبقات قبل أن يكون مجرد ممارسات لا أخلاقية مستهجنة، ومشكلة العنف الإجرامي والمخدرات التي تهدد السلامة اليومية للمجتمع فضلا عن إمكانية استغلالها سياسيا.

والمحدد السادس يتعلق بقدرة النظم اليسارية الجديدة في أمريكا اللاتينية على تحقيق التكامل الاقتصادي في ما بينها، وضبط التناقضات الموضوعية التاريخية، وكذلك الذاتية، بما لا يسمح للإمبراطورية بأن تنفذ من بين الصفوف. ولعل احترام التنوع بين الأطراف اليسارية المختلفة هو الضمانة المهمة في هذا الصدد، إلى جانب أن تشعر الشعوب بوجود منافع مادية حقيقية وراء هذا التكامل، لأن وحدة أمريكا اللاتينية ليست محض مشروع سياسي- ثقافي.




http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World