طفل خيّوس

سعود سالم

2015 / 11 / 29

ظاهرة التعاطف مع الشعب اليوناني والمسماة الفيلهيللينية أو «محبة الإغريق» philhellénisme هي حركة ظهرت في بعض المدن الأوروبية في القرن التاسع عشر بين مثقفين وأدباء وشعراء آرادو مساندة الشعب اليوناني للحصول على حقوقه الطبيعية في الحرية والإستقلال السياسي من قبضة الاحتلال العثماني، وكان من بين أبرز رواد هذه الحركة الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو والألماني جوته والشاعر الروسي بوشكين والبريطاني لورد بايرون، الذي تبنى القضية اليونانية وساهم مباشرة في النضال ضد الإستعمار التركي، حيث قام بنفسه بحمل السلاح والانخراط في صفوف الثوار، كما انضم إليهم أيضاً العديد من الأرستقراطيين الأوربيين وبعض الأغنياء والرأسماليين الأمريكان. قام هؤلاء بتصوير الكفاح اليوناني ضد الإستعمار العثماني للعالم الخارجي كحرب بين المُثل العليا لليونان العريقة وبين الأتراك القساة الذين غزوا وقمعوا الشعب الذي أعطى للإنسانية هوميروس وسقراط وأفلاطون وغيرهم من أعلام الفكر.. وقام العديد من هؤلاء المثقفين بالسير على خطى بايرون بالانضمام للثورة، وأصبحوا فيها قادة وأبطالا شعبيين. حارب بعضهم بحماس في سبيل النهوض بيونانٍ حديثة، ولكن العديد منهم أصيب بخيبة أمل عندما تحولت حرب التحرير إلى حرب أهلية وصراع حتى الموت بين قادة الثورة أنفسهم واكتشفوا الجانب المظلم لقسم كبير من هؤلاء الوطنيين الأبطال، والذين كان همهم الأول مجدهم الشخصي والوصول إلى السلطة، إلا أنهم صوروا في الأساطير الشعبية كأبطال غيورين على تراب الوطن. عام 1823 وصل لورد بايرون إلى "ميسولونغي" ليساهم في المعارك في صف المقاومة، ولكنه مات بعدها بثلاثة شهور ليس بالطريقة الرومانسية التي كان ينشدها في قصائده بل بسبب المرض وسوء العلاج. كان لمؤلفات بايرون الأدبية ولأعمال اوجين دولا كروا الفنية الأثر الكبير على الرأي العام الأوروبي، كما أن موت بايرون التراجيدي سبب تعاطفاً واسعاً من قبل الغربيين مع القضية اليونانية رغم أن ان ما قاد بايرون نفسه للنضال في اليونان كان رومنطيقيته أكثر من أوروبيته أو مسيحيته، وهو ما كان الشاعر قد عبّر عنه في النصوص والقصائد والرسائل التي كان يدوّنها ويبعث بها من ميدان القتال .. وشارك في هذه الحركة دولاكروا، شاتوبريان، بنجامان كونستان، فيكتور هوجو وغيرهم. وتكونت جمعيات عديدة لمساندة اليونانيين في لندن وباريس وشتوتجارت. ومما ساعد في دعم هذه الحركة وانتشارها، وجود موضة أوربية بالإهتمام بالشرق والحنين إلى الأجواء السحرية من القصور والحريم والبخور الشرقية والموسيقى ولإعتبار اليونان ذاتها تابعة للشرق بموقعها في شرق أوروبا ولإلتحامها الجغرافي والسياسي بالإمبراطورية العثمانية.
وفكتور هوغو (1802-1885) صاحب «الشرقيات»، يعتبر أحد أكبر الكتاب والشعراء الذين عرفتهم فرنسا في القرن التاسع عشر، بل انه يعتبر مفتتح العصور الجديدة. مارس كل أنواع الكتابة، بما في ذلك الكتابة السياسية، فكان شاعراً وكاتباً مسرحياً وروائياً ومؤلف العديد من أشهر الروايات في تاريخ الأدب الفرنسي : "البؤساء" وكذلك "أحدب نوتردام" "عمال البحر" والعديد من المسرحيات والدواوين الشعرية. أما من الناحية السياسية فكان ذا نزعة اشتراكية وجمهورية في لحظات متألقة من حياته، كما كان أحد كبار مبتدعي الروايات المسلسلة والتي تنشر على حلقات في الصحف. أما «الشرقيات» ديوانه المبكر، فإنه أيضاً وضعه في عداد المستشرقين، ومكّنه من تزعّم الحركة الرومنطيقية الشعرية لفترة لا بأس بها. وقد كتب مجموعته الشعرية ألشرقيات حينما كان في السابعة والعشرين من عمره وكان مبهورا مثله مثل بايرون ودولاكروا، بالشرق والأحلام والخرافات التي كانت تنسج حول هذا العالم المسحور. ويقول الناقد إبراهيم العريس بخصوص هذه المجموعة الشعرية " ونقول عن عنوان «الشرقيات» ان في استخدامه شيئاً من الانتهازية، لأن قراءة معمقة لكل قصائده لا تدل إلى أنه يتحدث حقاً عن أي شرقيات. كل ما في الأمر ان الموضة الاستشراقية كانت رائجة في ذلك الحين، وكان الرسامون يلقون رواجاً حينما يرسمون لوحات تمتّ الى الشرق بصلة ما، وكذلك كان حال المسرحيين والروائيين ولا سيما مبدعي بعض الأعمال الأوبرالية الكبيرة الذين كانوا يسيرون في ذلك على خطى موزارت مستقين بعض أعمالهم إما من حكايات العهد القديم وإما من حكايات «شرقية» متداولة تحاكي «ألف ليلة وليلة» او تستقي منها في شكل مباشر." ولا شك أن ظاهرة التعاطف مع القضية اليونانية كانت لها دوافع متعددة ومتناقضة، وفيكتور هوجو كغيره من أدباء عصره انجر وراء هذه "الموضة"، ومع ذلك "لا بد من الإشارة هنا الى أن معظم هذه القصائد، على رغم راهنية مضامينها، طغى عليها نوع من التشبث بالماضي: الحرية يجب الحصول عليها في اليونان، ليس من أجل بناء مستقبل أفضل لشعبها، بل من أجل بعث ماضيها العظيم. ولما كانت الحرب في اليونان أعادت الى الواجهة ذلك الاهتمام العميق بالشرق وسحره، كان من الطبيعي لفكتور هوغو أن يكرس بقية القصائد - وهذا ما يبرر العنوان على أي حال - للحديث عن الشرق، وسحره وقصوره، وحريمه وحكاياته وأجواء «ألف ليلة وليلة» حسب رأي إبراهيم العريس.
إحدى قصائد هذه المجموعة تتعلق بمذبحة خيّوس بعنوان الطفل L Enfant حيث يصف فيكتور هوجو هذه المدينة التي دمرتها الحرب وأصبحت تشبه الصخور والشعاب السوداء، مدينة تحطمت واحترقت حيث التقى في أحد أركانها بطفل فقير حافي القدمين يجلس وحيدا محاطا بالجدران المسودة. وهنا نرى أن هوجو يستخدم "الصورة" الشعرية ليخلق نوعا من الإنفعال النفسي يدفع القاريء للتضامن مع هذا الطفل التعيس والإشفاق عليه وبالتالي إدانة العدوان التركي العنيف الذي سبب كل هذا الألم والشر. وهو ما حدث في الشهور الماضية عندما انتشرت في الصحافة ووسائل الإعلام العالمية صورة الطفل السوري أيلان، والذي مات غريقا على الساحل المقابل لخيوس وفي مدينة تركية هذه المرة. إنه نفس الإستعمال السياسي للصورة سواء كانت لغوية أو بصرية للإستحواذ على عواطف المواطن وتوجيهها وخلق نوع من التقمص العاطفي والتعاطف المؤقت لدي المشاهد والمستمع والقاريء. وهو ما قام به الرسام أوجين دولاكروا في لوحته "مذبحة خيّوس" التي رسمها سنة 1824 والموجودة حاليا في متحف اللوفر وفي لوحة أخرى بعنوان " اليونان على خرائب ميسولونجي" والمؤرخة سنة 1826 والتي يمكن مشاهدتها في متحف الفنون الجميلة بمدينة بوردو.

الطفل

لقد مر الأتراك من هنا. الكل حداد وخراب.
خيوس جزيرة النبيذ، لم تعد سوى صخورا موحشة،
خيوس، التي كانت تظللها العرائش،
خيوس، التي في الأمواج تنعكس غاباتها الكبيرة،
روابيها وتلالها وقصورها، وأحيانا في المساء
فتيات في جوقة راقصة.

كل شيء خواء. ولكن لا ؛ بالقرب من أسوار مسودة،
طفل بعيون زرقاء، طفل يوناني، جالسا،
يحنى رأسه الذليلة ؛
كل ما له من ملجأ، كل ما له من سند
زعرورة بيضاء، زهرة، مثله
في الخراب الكبير المنسي.

آه ! أيها الطفل المسكين، حافي القدمين على الصخور الحادة !
للأسف ! لمسح الدموع من عيونك الزرقاء
كما السماء وكما الموجة،
لكي في زرقتهما اللازوردية، تصبح الدموع العاصفة،
ومضة متوهجة من البهجة والمرح،
لترفع رأسك الشقراء،

ماذا تريد؟ أيها الطفل الجميل، ماذا يجب إعطائك
لكي نعيد بفرح وابتهاج
ظفر جدائل على كتفك البيضاء
من شعرك، الذي لم يعاني مذلة ادوات التجميل،
والملقي باكيا بإهمال حول جبهتك الجميلة،
مثل أوراق الصفصاف؟

ماذا يستطيع أن يمسح أشجانك الغامضة العميقة؟
أن تكون لك هذه الزنبقة، الزرقاء كما عيونك،
والتي من إيران، ترسم حدود البئر الموحشة؟
أو ثمرة "طوبا" من هذه الشجرة الضخمة، والتي لضخامتها،
على الحصان العدّاء أن يركض
مئة سنة ليتجاوز ظلها ؟

هل تريد، كي تبتسم لي، طائرا جميلا من الغابة،
الطائر الذي يغني أغنية أرق من المزمار،
وأكثر إشراقا من الصنج؟
ماذا تريد؟ زهرة، فاكهة جميلة، أم الطائر السحري؟
- أيها الصديق، قال الطفل اليوناني، قال الطفل ذي العيون الزرقاء،
أريد بارودا ورصاصا.

08-10 يوليو 1828
فيكتور هوغو - الشرقيات





http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World