الفن الفرنسي – القرن 19

محمد زكريا توفيق
zakariael@att.net

2013 / 6 / 6


غابة "فونتين بلو" الكبيرة، كانت غابة صيد تخص ملوك فرنسا الأوائل. بها تلال منخفضة، وممرات ضيقة، وبحيرات صغيرة، بالإضافة إلى طرق رائعة، تقود إلى كل الاتجاهات.

في المركز، يقع القصر الملكي. هذه ليست غابة بدائية، لكنها غابة ملكية خاصة، مليئة بالحياة والأنوار. على حافة الغابة، وعلى بعد 34 ميل من باريس، تقع قرية "باربيزون" الجميلة. شارعها الريفي الوحيد، يتحدد بمنازل رمادية اللون، مبنية بالحجر.

في بداية القرن التاسع عشر، صحت هذه القرية النائمة، لتصبح مكان تجمع ل "رجال 1830". وهم مجموعة فنانين، رغبوا في دراسة الطبيعة كما هي، لا كما تبدو في اللوحات الفنية.

لقد مل الفرنسيون لوحات المناظر الطبيعية الكلاسيكية. أوراق الشجر التي تبدو غير طبيعية، والمناظر التقليدية، لمعابد وحوريات من الأساطير القديمة، ورعاة الأغنام. وأشاد الفنانون الفرنسيون، بجمال المناظر الطبيعية التي رسمها الهولنديون أو الإنجليز ومنهم الفنان "كونستابل".

فن الرسم الكلاسيكي للمناظر الطبيعية، عليه أن يتنحى جانبا، لكي يحل محله فن رسم جديد. أصبحت المناظر الأقرب إلى الطبيعة والحقيقة، هي موضة العصر. جذبت قرية "باربيزون" الفنانين المحبين لهذه المدرسة الجديدة في فن الرسم.

جعلوا قرية باربيزون مقرا لهم. منها انطلقوا يبحثون عن صيدهم الثمين من المشاهد الطبيعية النادرة، التي يمكن أن يجدوها في الغابة. كانوا يبيتون في نزل رخيصة للفلاحين. يضطرون، في بعض الأحيان، للنوم فوق المناضد، أو على كومات القش في حظائر الحيوانات.

من بين هؤلاء الفنانين، رسو، دياز، ترويون، جاكيه، كوروت، ميليه. بعضهم، كان يسكن هناك. أخرون كانوا يترددون على القرية من حين لآخر. رسو، شاعر الخضرة، عاش هناك 19 سنة.

"ثيودور رسو"، هو الابن الوحيد لخياط ناجح. ولد في باريس عام 1812م. عندما كان سنه 14 سنة، بدأ في دراسة فن الرسم على يد أستاذ متخصص.

كان رحالا عظيما، مشهورا في شبابه برسم مشاهد الجبال الشاهقة، الإلب والبرانس التي تقع على الحدود الغربية لفرنسا. كذلك المنحدرات، والمضايق الوعرة، والسيول المزبدة. حبه للطبيعة، جعله يروم طوال الليل، في الغابات وبين الأطلال.
http://www.wikipaintings.org/en/theodore-rousseau/a-torrent-with-dam-in-auvergne-1830#supersized-artistPaintings-296683

بدلا من الأشجار الداكنة والأعشاب بنية اللون، التي كانت تستخدم في رسم المناظر الطبيعية الكلاسيكية، أصبحت نباتات رسو، لونها أخضر زاهي، وأحمر قاني وأصفر ذهبي.

هيئة تحكيم الأعمال الفنية في باريس، التي تقرر أي الأعمال تستحق العرض السنوي، اعتقدت أن أعمال روسو درامية أكثر من اللازم. اسلوبه يبدو ثوريا، بالنسبة للأسلوب الكلاسيكي المتبع، لذلك لم تقبل أعماله في بادئ الأمر.

لأن المحكميين لم ينصفوا لوحات روسو، أصبح من الصعب بيعها. في الواقع، ظل روسو طيلة حياته، يجاهد ضد المعارضين لفنه. لذلك، قرر في النهاية التخلي عن مشاهد الجبال في لوحاته، وذهب إلى قرية باربيزون.

حيث جمال الغابة وسحرها، وروعة أشجارها، التي تتميز، فرادى وجماعات، بصفات مميزة. كان روسو يعرف كل شجرة معرفة خاصة، كما يعرف الصديق صديقه.
http://www.flickr.com/photos/eoskins/6332391999/lightbox/

طريقة رسم روسو للنباتات كانت ساحرة. أوراق الشجر الخضراء القاتمة، تجدها مرسومة بعناية ووضوح، في تباين جلي ضد السماء الصافية، وفي توافق مع باقي الشجرة.

كان يحب أيضا رسم تفاصيل الأشياء الصغيرة الكثيرة التي يحتويها المشهد، مثل الأغصان المتساقطة، وحصى وطحالب وحشائش الأرض.
http://www.wikipaintings.org/en/theodore-rousseau/spring-1852#supersized-artistPaintings-198971

كان يرغب في أن يكون غنيا، حتى يكرس حياته لرسم لوحة واحدة. لم يرغب أبدا في الذهاب إلى إيطاليا، خوفا من أن تدمر الدراسة أسلوبه الفريد.

بعد سنوات عديدة، تم الاعتراف بموهبته. في عام 1852م، منح وسام "جوقة الشرف"، وهو أرفع وسام فرنسي، الذي أنشأه نابليون بونابرت عام 1802م.

بعد عدة سنوات، توج رسو بلقب "أبو المناظر الطبيعية الفرنسية الحديثة". وأصبح فنه له تأثير هائل على الفنانين اللاحقين، لا في فرنسا وحدها، ولكن في بقية أرجاء العالم.

أحد أصدقاء روسو المقربين في باربيزون، " جان فرانسوا ميليه". كان يشجعه كثيرا ويقدم له النصائح. طبيعته المكتئبه، تحولت إلى حزن وانطواء مع تقدمه في السن. توفي عام 1875م. مشهور برسم مشاهد الريف والفلاحين. ينتمي إلى المدرستين،الواقعية والطبيعية.

أشهر أعمال ميليه، لوحة رسمها عام 1857م، عن جمع ما تبقى من الحصاد، بعنوان "الجامعون".
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/1/1f/Jean-Fran%C3%A7ois_Millet_-_Gleaners_-_Google_Art_Project_2.jpg

بينما كان ميليه يسير بين الحقول في قرية باربيزون، ظل يراوده هذا المشهد الذي ظل يفكر فيه سبع سنوات. مشهد الفلاحة الفقيرة، هي وأولادها ينحنون لكي يلتقطوا ما تبقى من محصول القمح على الأرض بعد الحصاد.

هذا المشهد، يبين كفاح الفقراء من أجل البقاء. ضوء النهار الذهبي، الذي يغمر اللوحة، يرمز إلى شئ مقدس أبدي. انحناءات ظهور النساء، التي تشبه موجات البحر، ترمز إلى الشقاء المتكرر، الذي لا ينتهي لطبقة الفقراء والمعدمين.

في الأفق البعيد، شمس الغروب تلقى بضوئها الذهبي على المزرعة وأكوام سنابل القمح، في تباين واضح مع الفلاحة وبناتها، بملابسهن الداكنة، في مقدمة اللوحة.

التباين هنا يتضح أيضا، بين الغنى والثراء في الخلف، والفقر والعوز في المقدمة. المشرف على المزرعة، والذي يرمز لقوة وسلطة القدر، يمتطي صهوة جواده ويراقب من بعيد العمل والعربات المحملة بالقمح، التي تجرها الخيول.

فنان آخر من فناني قرية باربيزون، هو الهولندي "دياز"، صديق روسو وتلميذه. كان دياز معجبا بأستاذه، يتبعه أينما يذهب في الغابة، لكي يراقبه ويتعلم من فنه.

المسكين دياز، كانت له رجل خشبية. كان جل اهتمامه، هو مراقبة الطبيعة وفهم أسرارها. كان يوظف قوة ضياء الشمس في لوحاته، التي نرى شعاعها، وهو يخترق الأوراق الخضراء لأشجار الغابة.
http://www.bbc.co.uk/arts/yourpaintings/paintings/wooded-landscape-4968

"ترويون"، كان صديقا حميما لدياز. كان متخصصا في رسم ثيران وأغنام وكلاب المنطقة. تأثر بأسلوب "بول بوتر" منذ البداية. مما حببه في رسم الحيوانات. عندما تحين الفرصة، تجده بين المزارع والحقول، في الصباح أو المساء، يشاهد ويدون ويرسم.

السقايون.
http://www.wikipaintings.org/en/constant-troyon/returning-from-pasture#supersized-artistPaintings-273267

يعتبر ترويون، أحسن من رسم الثيران والأغنام . الكلاب كانت دائما ترافقه وتلعب معه. رسمها في لوحاته، كمخلوقات جميلة، لا تقل عن البني آدمين في الذكاء، بل تزيد في الإخلاص والوفاء.

في الطريق إلى السوق.
http://www.wikipaintings.org/en/constant-troyon/returning-from-pasture#supersized-artistPaintings-273275

لوحات ترويون، تتميز بالسماء الزرقاء والأعشاب وأوراق الشجر الخضراء، والشمس الساطعة، التي تغمر بأشعتها الذهبية، ثيرانه وأغنامه. في بعض الأحيان، كان يقوم برسم 40 لوحة في نفس الوقت.

"تشارل جاك"، هو أيضا رسام فرنسي يقوم برسم الأغنام في مراعي باربيزون.
http://www.the-athenaeum.org/art/full.php?ID=21642

لكنه كان مشهورا أيضا برسم الحيوانات الصغيرة. يسمى أحيانا "رفائيل الخنازير". رسومه للديوك والفراريج جميلة ومشهورة.
http://www.cambridgeartgallery.com/19-20_century_collection/artists/artist.asp?title=Interieur%20de%20basse-cour&artist=128&sold=0&VIP=0

بالقرب من قرية باربيزون، كانت تعيش رسامة آخرى، هي "روزا بونهيور". كانت محبة للفن والحيوانات.
http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/1/17/Rosa_Bonheur_-_Ploughing_in_Nevers_-_Google_Art_Project.jpg

لكن أهم ثلاثة فنانين في مدرسة "فونتين بلو-باربيزون"، هم "رسو"، "كوروت"، "ميليه". "كوروت" ظهر كقبس من نور بين الإثنين الآخرين.

"كوروت" كان شخصية صريحة مرحة. يحب الحياة، حياته جاءت في توافق تام مع هدوء وبساطة الريف والمناظر الطبيعية الجميلة. هو، مثل الكثير من الفنانين الفرنسيين، جاء أصلا من الريف، وكان دائم الفخر بأصوله المتواضعة.

ولد في باريس عام 1796م. كان أبواه يعملان في صناعة القبعات. كان معجبا بوالده، ولكن والدته كان لها كل الحب والقداسة. وكان يسميها "المرأة الحسناء".

ذهب "كوروت" إلى المدرسة، ثم الجامعة. كان الأب يبغي اعداده للعمل بالتجارة. لكنه وجد أن ابنه، له مذاق للفن. فخصص له راتبا سنويا صغيرا، لكي يعينه على الدراسة. وبدأ كوروت الرسم، ولم يتوقف عن الرسم حتى وفاته.

كرس كوروت ريشته لرسم مدينة باريس المشرقة، لكنه أحب بيوت المصايف التي لا تبد كثيرا عن قرية "دي أفراي". هناك، وجد نفسه أقرب للطبيعة. يستطيع السماع والتحدث مع الطيور البرية، ورسم البحيرات والشجر وهو يتمايل على ضفافها.

لمدة 15 سنة من حياته، كان يتشوق إلى رسم المناظر الطبيعية الكلاسيكية. خلال هذه المدة، ذهب إلى إيطاليا للدراسة. كون هناك صداقات كثيرة.

كان محبوبا من الجميع، بالرغم من أنهم، في بعض الأحيان، كانوا يسخرون من رسمه. لكنه كان يواصل الرسم بشجاعة دون يأس.

قام بدراسة "كلود" و"كونستابل"، وكان يتعلم في نفس الوقت، كيف يفسر ما يشاهده في الطبية بالرسم. لكن بطريقته وأسلوبه الخاص.

مضت سنوات عديدة قبل أن يعترف النقاد بفنه. كان يعقب على رفض لوحاته بالمحكمين بابتسامة قائلا: "سوف يعترفون بي في وقت ما". كانت لوحاته تعرض في الصالونات، لكن لا أحد يقف لكي يتأملها.

كان يقف هو نفسه أمام بعض لوحاته، كمحاولة لجذب بعض المشاهدين إليها. في الواقع، كان من الصعب عليه بيع لوحاته، حتى بلوغه سن الأربعين. لم يعترف بفنه، ويلق التكريم اللائق، إلا عند بلوغه سن الستين.

لم يكن يدور بخلد كوروت، أن لوحاته التي لم تكن تحظى بالاعجاب في عصره، سوف تحظى بكل الإعجاب والتقدير في القرن العشرين. ولم يكن بالطبع يتخيل الثمن التي أصبحت تباع به لوحاته، بعدما كان يجد صعوبة بالغة في بيعها.

لم يمكث كوروت كثيرا في باربيزون. ولكنه كان يعود إليها من وقت لآخر. وهناك تأثر بفن "روسو". لكن لوحاته، لا تشبه لوحات باقي الفنانين.

بينما كان روسو يصر على رسم النباتات والأعشاب بدقة ويعتني بالتفاصيل كاملة، كانت نباتات وأعشاب "كوروت" ترسم في مجموعات، بطش ولطع بالفرشاة في اتجاهات وألوان مختلفة. إنه يبغي هنا التأثير العام. لذلك يمكن اعتباره رساما تأثيريا.
http://www.wikipaintings.org/en/camille-corot/windmill-on-the-cote-de-picardie-near-versailles#supersized-artistPaintings-199463

كان يعتقد دائما أن روسو يفوقه في فن الرسم. كا يصفه بأنه نسر، ويقول: "ما أنا إلا قنبرة صغيرة، تشدو بعض الأغاني وسط السحاب". مناظره الطبيعية تتسم باللين، الفضاء معبأ بالضباب والضياء.

هذه لوحة رائعة، بسيطة جميلة، تزيل الهم والغم، وتسمو بالروح. فمن قال أن الفن حرام؟
http://www.wikipaintings.org/en/camille-corot/windmill-on-the-cote-de-picardie-near-versailles#supersized-artistPaintings-199612

مناظره الطبيعية حية طازجة. لأنه يحب رسم مناظر الربيع والصيف. في الواقع، لم يرسم أبدا مشاهد الشتاء. عندما يأتي الربيع، كان يقول: "لدي ميعاد غرامي مع الطبيعة، مع البراعم التي بدأت تتفتح، والطيور التي تأتي، لكي تقف بالقرب مني، تشاهد ما أقوم برسمه".

لكن كوروت كان لديه شيئا ما من روح الفن الكلاسيكي. لأنه كان يحب وضع شخصيات الأساطير في مشاهده. أشكاله الصغيرة نجدها ترقص برشاقة وتلعب تحت الأشجار.

منظر آخر رائع، ينساب في سلاسة مثل الموسيقى.
http://www.wikipaintings.org/en/camille-corot/windmill-on-the-cote-de-picardie-near-versailles#supersized-artistPaintings-199516

في الواقع، لوحاته لها سحر خاص، وروح موسيقية فريدة. لذلك، يسمى "موزار المناظر الطبيعية". عندما كان يذهب إلى الغابة، يلبس معطفا كبيرا أزرق اللون، وقبعة قطنية. يضع عادة بيبة تبغ في فمه. ويحمل مظلة قطنية كبيرة.

يذهب غالبا في الصباح الباكر لمشاهدة شروق الشمس. يعمل طوال النهار . عندما تميل الشمس نحو المغيب، كان يحزم أمتعته ويستعد للعوده، قائلا: "حسنا، علي أن أتوقف الآن، لأن رب السماوات، سوف يطفئ مصباحي".

أثناء الحرب الفرانكو-بروسية، تخلف كوروت في المدينة لكي يساعد في أعمال الاسعاف. لم يتزوج في حياته. شخصيته كانت ساحرة، كان يحبه الجميع. كان كريما واسع العطاء. لا يعتبر الإحسان فضيلة، وكان يقول ببساطة، أن لديه زيادة، والآخرين في حاجة.

في أحد أيام رأس السنة، بينما كا يسير في الطريق، قابله أحد الشحاتين. أعطاه كوروت قطعة عملة فضية، ثم سار عدة خطوات. ولكنه عاد مسرعا إلى الشحات.

لكي يعطيه 10 قطع أخرى فضية، قائلا: " كل الناس تحصل في هذا اليوم على هدايا، وأنت أيضا يجب أن تحصل على هدية". قرأ الكثير من الكتب التي علمته كيف يعيش. فالحياة، "كيف" لا "كم". توفي عام 1875م.

وإلى اللقاء في مقال قادم إن شاء الله، لتكملة الحديث عن الفن الفرنسي، فإلى اللقاء.
zakariael@att.net



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World