الدور السعودي في أفريقيا الأبعاد والمخاطر

محمود جابر
ma_alnor2000@yahoo.com

2007 / 9 / 15

مقدمة
في البداية نحتاج إلى طرح السؤال التالي :هل يبدأ تنظيم "القاعدة" في تغيير خططه الاستراتيجية وخياراته الجغرافية، ويوجّه البوصلة باتجاه أفريقيا بعد الحصار الخانق الذي شلَّ حركة أعضائه وقياداته العسكرية في أفغانستان وباكستان والعراق ؟! هل تبدأ الجماعات الإرهابية رحلة التنقيب في الأراضي الأفريقية الخصبة لتجد لها ملاذاً آمناً تستعيد فيه أنفاسها وتعاود عملياتها الإجرامية مرة أخرى؟!
من المعلوم أن اهتمام "القاعدة" وتواجدها في أفريقيا ليس بالأمر الجديد، خصوصاً أنها سبق وشهدت تواجداً للجماعات الإرهابية التي تستخدم الصراعات والاضطرابات لزيادة التطرف في صفوف العناصر الإسلامية الأفريقية، ولديها تجارب سابقة، منذاستيطان قيادة "القاعدة" في السودان لفترة من الزمن ،وتفجير السفارتين الأميركيتين في كل من كينيا وتنزانيا،وأحداث العنف الجزائرية ومعركة المجاهدين في الصومال ضد الوجود الأميركي، ، وعملية جربا في تونس، وعمليات الدار البيضاء في المغرب، وعمليات شرم الشيخ وسيناء في مصر.
على هذه التساؤلات يجيب شخص يدعى "أبو عزام الأنصاري" في دراسة مطوّلة كتبها بعنوان "القاعدة تتجه نحو أفريقيا"، نشرت على موقع الكتروني تابع لأنصار الجهاد العالمي، مؤكداً أن كثيراً من قادة القاعدة العسكريين وأعضائها أتوا من شمال أفريقيا (مصر، ليبيا، الجزائر، موريتانيا)، وهو أمر له دلالات ومؤشرات على أن "القاعدة" ربما تفكر في تغيير خططها وتواجدها باتجاه أفريقيا.
ومن بين الأسباب التي ذكرها الأنصاري في دراسته، خروج عدد كبير من قيادات تنظيم «القاعدة» من دول أفريقيا الشمالية، وانتشار المد الجهادي في بعض الدول مثل: مصر، الجزائر، السودان، موريتانيا، المغرب، ليبيا، الصومال، اريتريا، تشاد. إضافة إلى الحال السياسيّة والعسكريّة التي تعاني منها معظم بلدان هذه القارة، وحالات الاقتتال القبلي في مختلف هذه البلدان.
وحال الاقتتال والحروب الدائرة في هذه القارة التي وفّرت فرصاً لا تحصى للمجاهدين في التنقّل بسهولة بين بلدان هذه القارة، وسهّلت أمور التخفّي والتحرك، فأصبحت في كثير من الأحيان لا تحتاج إلاّ إلى الأموال لتنفيذها، كما سهّلت الحروب الحصول على الأسلحة، إضافة إلى موقع القارة التي تشكّل أحد المعابر إلى أرض الإسراء، فقرب العمليات والمعارك من أرض فلسطين سيشكل دعماً مباشراً وغير مباشر لهذه القضيّة. فمثلاً: قيام معارك في السودان (دار فور) مع تواجد أي قوات أجنبية أو أميركية، سينتج عنه بلا شكّ نموّ للتيارات المتطرفة، وهذا النموّ سيؤثّر على الجوّ العام في مصر القريبة من فلسطين، التي ترتبط مع الدولة العبرية باتفاقية سلام، ما سيسهّل نقل المعركة إلى المناطق القريبة من فلسطين، واستمرار المعارك مثلاً في سيناء وتصاعدها بصورة تدريجية، يشكّل حافزاً لمزيدٍ من الناس للانخراط في سلك الجهاد.
واقع التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها «القاعدة»، أنها تعاني في مراكز ثقلها في أفغانستان - باكستان - العراق ، من الحصار والملاحقة المستمرة من كل الجهات، لذلك يُتوقع منها نقل مراكزها وقياداتها «الحركية» إلى الدول الأفريقية، خصوصاً أن معظم دول القارة السمراء تعاني من الصراعات والاضطرابات والحروب الداخلية والميليشيات المتمردة، وهو ما يصعّب مهام السلطات الحكومية في فرض سيطرة الدولة على تلك الجماعات الإرهابية.
لا شك في أن «القاعدة» وغيرها من التنظيمات الإرهابية لن تتردد في زرع التربة الأفريقية بالألغام والقنابل لإعادة إنتاج نفسها بشكل مغاير، لتوفِّر بيئة صالحة للنمو والتطور والتجديد الإرهابي والقتل الدموي على أرض فقيرة.
ومن وجهة نظرنا نرى أن القول بالاتجاه إلى أفريقيا للاقتراب من ارض فلسطين ما هو إلا ادعاء قديم تردده القاعدة وكل التنظيمات القتالية الوهابية منذ عبدالله عزام وحتى الآن غير أن الواقع يشهد عليهم أنهم يقاتلون كل الناس عدا الصهاينة في فلسطين المحتلة أو غيرها ،ويقتحمون كل أرض ويتسللون إلى كل قطر إلا فلسطين المحتلة ،ونرى أن القاعدة هي واحدة من الوسائل الثلاث ( الوهابية الدعوية ،والقاعدة المقاتلة والإسلام السياسي) التي تقوم عليها دعائم الوهابية السعودية في إقامة إسلامية عالمية وهابية تقدم عونا للإمبريالية العالمية وتخرب النظم والدول في أفريقيا بدء من زعزعت السلم والأمن في هذه الدولة وصولا إلى تلاشى هذه الدول والأقطار كما هو الحال في الصومال وكاد أن يقع في الجزائر سابقا وهو يقترب من السودان.
في هذه الدراسة نقدم الدور السعودي في أفريقيا الأبعاد والمخاطر من خلال محورين الأول السعودية والإسلامية الدولية الوهابية . وفى هذا المحور بيان بين العلاقة بين الاتجاهات السعودية الثلاثة لتحقيق أهدافها.
والثاني السلفية الجهادية الوهابية في أفريقيا النشأة والأهداف وفيه إيضاح للتطور الوهابي في أفريقيا منذ النشأة إلى الوجود القاعدي الجديد في القارة وعلاقته بالعربية السعودية والأهداف المرجوة من وراء ذلك .
والحمد لله في الأولى والآخرة
الباحث

المحور الأول:السعودية والإسلامية الدولية الوهابية

الإسلامية الدولية(الوهابية) هي أيدلوجية عالمية مثل الشيوعية الدولية، وكما كانت الشيوعية الدولية تبغي نشر الشيوعية حول العالم فإن الإسلامية الدولية (الوهابية) تبغي السيطرة على العالم وأسلمته ولكن خطورتها إنها تستخدم الإسلام كدين لبسط هذه السيطرة وتبرر كل شئ بمبررات دينية، وتقول أن هدفها في النهاية هو هدف ديني بمعنى تحويل العالم كله إلى مسلمين.
والإسلامية الدولية(السلفية /الوهابية) هي قديمة بقدم الإسلام ذاته وممتدة من معاوية إلى ابن تيمية مرورا بمحمد بن عبد الوهاب وصولا إلى بن لادن والظواهري فهي ليست طارئة، الجديد فقط هو مصطلح "الإسلامية الدولية" ولكن الأهداف والآليات قديمة، ولهذا تعتبر الشيوعية الدولية مجرد جملة اعتراضية قصيرة مقارنة بالإسلامية الدولية.
والإسلامية الدولية منذ ظهورها قبل ما يزيد عن أربعة عشر قرنا اتخذت أشكالا مختلفة من الغزوات إلى الخلافة الإسلامية إلى الأسلمة إلى الإرهاب الدولي، ولكن عبر عصورها ومراحلها المختلفة كان الإرهاب جزءا أساسيا من آلياتها ووسيلة أساسية لتحقيق أهدافها والعنف قاسما مشتركا في كل مراحلها.
الدعوة، الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الاسلمة، الخلافة الإسلامية، الغزوات، الغش والتدليس، الخداع والكذب، شراء الذمم بالمال،استخدام الجنس،أسلمة العلم والفكر والحداثة، استخدام البلطجة، الإرهاب الدولي،كلها آليات ومسميات لهدف واحد وهو السيطرة على العالم.

أي وسيلة تستطيع بها السيطرة على العالم ومتاح استخدامها هي محللة شرعا في نظر فقهاء الإسلامية الدولية الوهابية – من أول جنود الله التي في العسل إلى الاستحلال والقتل وتفجير البنايات والمساجد-. كل شئ حلال من آجل هدف واحد وهو السلطة واسلمة العالم والسيطرة عليه سواء طوعا أو اجبارا، سواء إراديا أم لا إراديا، سواء سلما أم حربا، سواء بالإقناع أو بالخداع،كله جائز وكله مشروع وكله له من الفتاوى ما يبرره ومن التراث ما يجيزه ومن خبرة التاريخ ما يجعله سياقا متصلا.
هناك ثلاثة مراكز رئيسية للإسلامية الدولية وكلها تعتمد على ركيزة واحدة وداعم رئيس من البدء إلى الانتهاء وهي السعودية ، علاوة على عشرات المراكز الفرعية، جعلت الإرهابيين ضيوفا دائمين في أغلب البيوت العربية وأصبحت أفكارهم الشاذة تتداول وتتناقش وكأنها أطروحات أفلاطون وأرسطو.
أما الاتجاهات المعاصرة للإسلامية الدولية فيمكن تلخيصها في ثلاثة اتجاهات رئيسية أيضا وتحت كل منها عشرات المسميات والتنظيمات الفرعية المنتشرة في كل بقاع العالم:

الاتجاه الأول: السعودية ووهبنة العالم
منذ أن التقى بن سعود المؤسس الجد للعائلة السعودية ومحمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية عام 1744 وهذا التحالف قائم حتى هذه اللحظة. وهو قائم على قاعدة بسيطة : دعم حكم آل سعود في مقابل وهبنة الحجاز والسعي لوهبنة العالم.
ولكن الدولة السعودية مرت بمراحل من الإنكسار والانحسار إلى أن ظهرت المملكة السعودية بشكلها الحالي، ومع ظهور البترول وثبات أركان حكم آل سعود يمكن القول أن وهبنة العالم بشكل واسع ظهرت مع حكم الملك فيصل (1963-1975) وما تلاه.
وتعتمد السعودية على آلية أساسية في وهبنة العالم وهى المال، وقد قدر ما انفقه الحزب الشيوعي السوفيتي لنشر الشيوعية في الفترة "1921-1991" ب 7 مليارات دولار ،في حين قدر ما أنفقته السعودية لوهبنة وأسلمة العالم خلال العقدين الآخيرين فقط ب 87 مليار دولار.
وهناك تفاصيل كثيرة في كتاب لوران ميورافيك عن هذه الجهود السعودية حيث مولت إنشاء 210 مركزا إسلاميا و1500 مسجدا و200 كلية إسلامية و2000 مدرسة إسلامية حول العالم. وفى روما أسس الملك فهد مركزا إسلاميا تكلف 50 مليون دولار. بالإضافة إلى الأكاديمية الإسلامية الوهابية بواشنطن وبها 1200 طالب، ولندن وبها 1000 طالب، وموسكو وبها 500 طالب. وفى البوسنة حيث تسعى الوهابية للسيطرة التامة على الدويلة الوليدة، كما فعلت مع الطالبان، قامت مؤسسة الحرمين عام 2000 فقط بافتتاح 1100 مسجدا ومدرسة ومركزا إسلاميا وطبعت 13 مليون كتابا واستخدمت 3000 داعية.
هذا بالإضافة إلى شبكة من المؤسسات الإسلامية الضخمة أنشأتها ومولتها الوهابية السعودية مثل "رابطة العالم الإسلامي 1962"، " منظمة المؤتمر الإسلامى1969"، "منظمة الشبيبة الإسلامية 1972"، " منظمة الغوث الإسلامي والتي استخدمت 6000 داعية وهابي"،" دار المال الإسلامي"، "بنك فيصل الإسلامي".
وتسللت الوهابية لغزو المراكز الأكاديمية في كبرى جامعات الغرب مثل كرسي الملك عبد العزيز في جامعة كاليفورنيا،وكرسي الملك فهد في جامعة هارفارد وكلية الدراسات الشرقية بلندن، ومركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورج تاون. وتساهم في تمويل معهد العالم العربي بباريس،والجامعة الأمريكية في كولورادو، وجامعة هوارد في واشنطن، وجامعة ديوك وسيراكيوزوجامعة اكسفورد...الخ
في مقالة بصحيفة الواشنطن تايمز بتاريخ 6 يوليو 2007 تقول راشيل اهرنفليد مدير المركز الامريكى للديموقراطية: أن الإخوان المسلمين والسعوديين يعتمدون على مقولة " لابن تيمية" تقول " خير من ينشر الإسلام هم الرجال الذين كسبنا قلوبهم" وتواصل " منذ زمن طويل وبحوافز مالية سعودية سخية حدد الإخوان المسلمون الكثيرين من المسئولين في وزارة الخارجية الأمريكية أنهم من هؤلاء الرجال... أتراهم الآن قد كسبوا قلب الرئيس بوش أيضا؟".
حتى السجون الأمريكية وصلتها بركات السعودية عبر الوعاظ الوهابيين مثل الإمام دين عمر ومؤسسات مثل المجلس الإسلامي الأمريكي وجامعة العلوم الإسلامية والنتيجة ظهور مساجين مثل خوسيه باديلا وريتشارد ريد وكلاهما تحولا إلى الإسلام في السجون وكلاهما حاول القيام بعمليات تفجير إرهابية خطيرة.
الاتجاه الثاني: القاعدة وإرهاب العالم
ففي حين تعتمد الوهابية السعودية على المال بشكل اساسى تعتمد الحركات الجهادية الممولة من قبل الملكة العربية السعودية على العنف بشكل أساسي أيضا، وتنطلق من خطة السيطرة على دولة إسلامية بالقوة تكون نواة تقفز منها إلى باقي الدول الإسلامية لاستعادة الخلافة الإسلامية أو تأسيس الأممية الإسلامية كما كان يخطط ويحلم حسن الترابي ( رجل الوهابية السعودية في السودان )... وبعد ذلك تنطلق دولة الخلافة لمحاربة الكفار والصليبيين كما حدث أبان الغزوات الأولى.
وقد حاولت القاعدة بالفعل الانطلاق من السودان ولكن المشروع تعثر، ثم انتقلت إلى أفغانستان وحدث لها ما أرادت بالتحالف مع الطالبان ولكن استعجالها بمحاربة الكفار والصليبيين كما أراد بن لادن وحليفه الظواهري بأحداث 11 سبتمبر أدى إلى إجهاض حلمهم أيضا بتدمير الطالبان، ثم تكررت المحاولات عبر المحاكم الصومالية، وهناك محاولات دائبة لاغتيال برويز مشرف والاستيلاء على باكستان. وأحدث أحلام الجهاد الإسلامي هو في دويلة غزة. وفى الأخير يحاول تنظيم الجهاد وبتخطيط مخابراتي سعودي نقل قواعده وحركته ومواجهته إلى أفريقيا ، ولم يمض سوى وقت قصير على خطاب أيمن الظواهري (بمناسبة الذكرى الخامسة لأحداث 11 أيلول)، والذي أعلن فيه انضمام الجماعة السلفية للدعوة والقتال في الجزائر للقاعدة، حتى غيّرت الجماعة اسمها لـ"قاعدة الجهاد في بلاد المغرب العربي"، وقامت بعملية نوعية خطيرة ضد الجيش الجزائري في منطقة أمنية محصّنة، ما يبعث رسالة واضحة بأننا أمام نقطة تحول استراتيجي في نشاط القاعدة الأفريقي.
لا يقتصر الأمر على الجزائر. إذ تشير المعلومات والتقارير الأمنية إلى أنّ الجماعة السلفية للدعوة والقتال – سابقاً- (القاعدة حالياً) هي حلقة الوصل بين التنظيمات "الجهادية" في دول المغرب العربي، التي كانت تعتمد سابقاً عملاً حركياً مستقلاً، مع الانتماء أيديولوجيا للقاعدة، أمّا اليوم فيبدو أنّ هنالك تنسيقاً مشتركاً، وإرهاصات لنشاط إقليمي على مستوى القارة بأسرها.
ثمة مؤشرات متعددة وأكيدة على التحولات الجديدة؛ ففي تونس تمّ الإعلان مؤخراً عن مواجهات بين قوات الأمن ومسلّحين تابعين للقاعدة، وهي حالة استثنائية ملفتة في دولة معروفة بقبضة أمنية حديدية، وكذلك في المغرب، التي شهدت تفجيرات الدار البيضاء (مايو 2003) المروعة، إذ لا تمر أشهر قليلة إلاّ ويتم الإعلان عن القبض على خلايا للتيار "السلفي الجهادي"، بحيث تشير معلومات إلى عدد من المحكومين والمعتقلين على خلفية "الإرهاب" يصل إلى ألف شخص، والحال نفسها تنطبق على موريتانيا التي تشهد نشاطاً ملموساً للجماعات الجهادية، وقد تحوّلت الصحراء الكبرى إلى منطقة جغرافية ممتدة للتنسيق والتدريب وعمليات الجماعات الجهادية، كحادثة اختطاف أربعين سائحا في الصحراء ونقلهم إلى مالي.
يبدو واضحاً أنّ هنالك نمواً ملحوظاً للقاعدة في الشمال الأفريقي، وأنّها تتجذّر لتشكِّل تياراً، له أنصار ومؤيدون وأتباع، يحافظ على وجوده على الرغم من الضربات السابقة واللاحقة المتوقعة. كما أصبح "الجهاديون" المغاربة يقومون بنشاط أوسع ودور أكبر في التنظيم العالمي للقاعدة سواء في العراق أم أوروبا أم أفغانستان، وبرزت العديد من الأسماء المغربية (على المستوى الفكري والحركي) محسوبة على القاعدة كأبي يحيى وأبي فرج الليبيين ومحمد الفزازي المغربي وأبي مصعب عبد الودود الجزائري وغيرهم.
تتمثّل المفارقة الحقيقية أنّ القاعدة الأم قد ضعفت وتلاشت قوتها ودورها في التفكير والسيطرة، بحيث أصبحت عاجزة عن التخطيط أو القيام بأي عملية كبرى، بينما تقوى الشبكات والمجموعات المرتبطة بها وتزداد المساحة الجغرافية التي تنشط فيها تلك الجماعات وتقتحم مواقع لم تكن تحلم بها في السابق كالعراق ولبنان وفلسطين والخليج العربي وأخيراً أفريقيا.
صحيح أنّ وجود القاعدة لا يحظى بانتشار اجتماعي كبير، إذ لا تزال تقوم على مجهود مجموعات من الناشطين والمرتبطين بها، الذين لا يوجد لهم سند شعبي حقيقي في العديد من الدول، إلاّ أنّ مقارنة هذا الوجود والنشاط والفعالية بسنوات سابقة، قبل أحداث أيلول مثلاً، يؤكد أنّ هنالك قفزات حقيقية في تجذر القاعدة في الواقع العربي الحالي.
يكفي اليوم الدخول إلى شبكة الانترنت ومتابعة المنتديات والمواقع "الجهادية" المرتبطة بالقاعدة لتتبين كم هو التطور والتحول في عمل القاعدة، بحيث تجد مئات الكتب والمحاضرات والخطب والأدبيات والمقالات التي تمثل مصدراً كبيراً وحيوياً للتنشئة والتجنيد لدى هذه الشبكات، كما تدل المناقشات والحوارات والتعقيبات الموجودة على هذه المواقع على الإقبال الكبير الذي تحظى به وعلى قدرتها على نقل أفكارها وخطابها إلى شرائح من الشباب العربي المتحمس.
لا مجال للمقارنة بين حالة القاعدة اليوم وحالتها، وكذلك الجماعات الجهادية، سابقاً. فقبل عقد من الزمن (في منتصف التسعينات) كان الحصول على الأدبيات المرتبطة بالقاعدة، على قلتها أمراً في غاية الصعوبة، ولا تجد سوى أسماء قليلة معروفة كأبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني، وبعض تراث سيد قطب وعبدالله عزام والجماعة الإسلامية المصرية، أما اليوم فأنت أمام تنظير فكري وسياسي وتأصيل معرفي هائل! وبدلاً من جماعة واحدة ناشطة في مكان محدود، ومجموعات منتشرة في بعض الدول تتعرض للاعتقال بعد عمليات بدائية ارتجالية نجد أننا أمام تنظيمات عالية التدريب محترفة تمتلك قدراً كبيراً من القدرة الأمنية والعسكرية والإعلامية، وأمام نشاط مدهش عابر للحدود والجنسيات.
الملاحظة الرئيسة في تتبع تطور القاعدة أننا أمام مرحلة جديدة قيد التشكّل، إذ بدت القاعدة للوهلة الأولى بعد ضربة أفغانستان في حالة من الضعف والتفكك لكنها تمكنت من امتصاص الصدمة وتحوّلت في عملها نحو درجة من اللامركزية الشديدة سمحت بولادة تيارات متعددة تختلف مع المركز في الكثير من المبادئ والمواقف، وقبل بها المركز اضطراراً، في حين أصبحت القاعدة أقرب إلى الفكرة والرسالة السياسية العالمية منها إلى تنظيم مركزي له قيادة موحدة. أما اليوم فيبدو أننا أمام مرحلة جديدة تتمثل بتجسّد هذه الرسالة العالمية، مرة أخرى، بتنظيمات التقطتها، وتبنتها، وتتمدد لتصبح شبكات إقليمية (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، في المغرب العربي، بلاد الشام، أفريقيا، مصر: بعد تحول الجماعة الإسلامية).
الشروط التاريخية والموضوعية هي التي تنتج القاعدة في كل مكان: احتلال خارجي، وفراغ سياسي ناشئ عن ضعف النظام الرسمي العربي وافتقاده للشرعية السياسية في نظر الشارع، وغياب الحياة السياسية القادرة على هضم التناقضات والصراعات الاجتماعية والسياسية، يتوازى ذلك مع شعور بالإهانة والإحباط والغضب في مجتمعات فتية تزيد فيها نسبة الشباب على النصف في ظروف من الفقر والبطالة والتضخم وانعدام الحرية والعدالة. فواقع كهذا لا يمكن أن ينتج عنه سوى حركة كالقاعدة وأخواتها، فهي أخطر تعبير عن الأزمة الخانقة التي تعصف بالواقع العربي الراهن.
الاتجاه الثالث:الإسلام السياسي وخداع العالم
وهذا الاتجاه ينطلق من السيطرة على دولة إسلامية أيضا ولكن من خلال صندوق الانتخابات، وذلك بخداع العالم وإيهامه أن الإسلاميين هم أصحاب مشروع ديموقراطي سلمى للتغيير والإصلاح، وبعدها ينطلقون أيضا إلى تحقيق حلم الخلافة الإسلامية. وقد حاول الإسلام السياسي في الجزائر وفشلوا لتصدى العسكر لهم. وبعد الدعوة الأمريكية للإصلاح تجدد حلمهم مرة أخرى في عدة دول عربية مثل مصر والأردن والمغرب والكويت، وحيث أن الأردن والمغرب والكويت تخضع لحكم أسر مسيطرة ولن تفرط في الحكم بسهولة، فأن اقرب دولة يرون حلم الخلافة ينطلق منها هي مصر حيث موقعها وقوتها وكثافتها السكانية وتحت حكم نظام يعانى من نفور شعبي ويسيطر الفساد على أركانه،وبالتالي فحكم مصر أصبح حلما يراود الإسلام السياسي ومنها للأممية الإسلامية كما صرح المرشد الأسبق للإخوان المسلمين مصطفى مشهور لصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 9 أغسطس 2002 بقوله " لن نتخلى عن استعادة الخلافة المفقودة".
السؤال هل هذه الاتجاهات الثلاثة منفصلة وتعمل في خطوط متوازية أم سمة تقاطع بين عملها وتعاون فيما بينها؟.
تنطلق الاتجاهات الثلاثة من مبدأ واحد وهو " الجهاد من آجل نصرة الإسلام" كما جاء في أهداف منظمة المؤتمر الإسلامي، وكما حدده سيد قطب في معالمه على الطريق " الجهاد لا يمكن إلا أن يكون هجوميا" وهو ما يقرره التاريخ قبل سيد قطب.
وتقول راشيل اهرتفلد " لقد حولت الأموال البترولية السعودية جماعة الإخوان المسلمين من جماعة راديكالية صغيرة إلى حركة عالمية جهادية أفرخت الجماعات الإرهابية التي تعمل على الساحة العالمية اليوم".
ويقول السفير كيرتن ونسور "أن التلاقح بين الوهابية المحافظة اجتماعيا وثقافيا بالقطبية(سيد قطب) الراديكالية أنتج الإسلام السياسي الوهابي الذي أنتج بدوره تنظيم القاعدة". ويضيف " يسود اعتقاد أن أسامة بن لادن وقع في منتصف التسعينات اتفاقا مع الأمير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودي السابق، تلتزم فيه القاعدة بعدم مهاجمة المملكة والعائلة الحاكمة في مقابل الكف عن ملاحقة بن لادن شخصيا أو المساس بقنوات التمويل للقاعدة".
وفى تقرير تمويل الإرهاب الذي أعدته للامم المتحدة في ديسمبر 2002 لجنة برئاسة المحقق الفرنسي جان شارل بريسيان يؤكد أن السعودية قد حولت خلال عقد واحد نصف مليار دولار للقاعدة.
ولم يحدث ذلك مع القاعدة فقط ولكن هناك مهارة سعودية عالية لترحيل الجهاد خارج أراضيها وفقا للاتفاق سالف الذكر مع الوهابيين بتصدير العنف خارج المملكة وهو ما حدث بعد دخول الأمريكيين للعراق حيث أصدر 26 من علماء الوهابية السعوديين في 2004 فتوى تدعوا إلى الجهاد الشيعة في العراق.
وفى تقرير لها عقب 11 سبتمبر ذكرت لوموند الفرنسية إنه إذا اعتبرنا تنظيم القاعدة شركة دولية يرأس مجلس إدارتها أسامة بن لادن فان أمراء سعوديون وشيوخ من الخليج يعتبرون أعضاء في مجلس الإدارة.
وليست السعودية وحدها التي تخلط الاتجاهات معا خذ مثلا قطر جارتها الصغيرة حيث ساعدت في عولمة الفكر الإرهابي من خلال الجزيرة وفى نفس الوقت تريد إلباس الديموقراطية عمامة إسلامية لتمرير سيطرة الإسلام السياسي على الحكم في الدول العربية من خلال مؤسسات لها مسميات براقة ولكنها تصب في النهاية في مشروع الإسلامية الدولية.
أما الإخوان المسلمين فقد استعملوا العنف والاغتيالات منذ نشأتهم وافرخوا معظم الجماعات الإرهابية وتراجعهم عن العنف ليس أيمانا بالعمل السلمي بقدر عجزهم عن مواجهة النظام العسكري في مصر فهو تراجع تكتيكي وليس استراتيجيا، بدليل مليشيات الأزهر و مباركتهم لخطوات حماس في غزة والتي استخدمت العنف والسحل والتمثيل بجثث المسلمين من آجل الوصول للسلطة. ولم تصدر عن الإخوان المسلمين فتوة واحدة ضد أسامة بن لادن أو الظواهرى أو حتى الجزار أبو مصعب الزرقاوى.
وهكذا تتقاطع الاتجاهات الثلاثة وتتعاون وتنسق وتغذى بعضها البعض خالطة العنف بالمال بصندوق الانتخابات في شبكة جهنمية هي ما يطلق عليه حاليا الإسلامية الدولية الوهابية ... ومن ينجح سيتوج نفسه خليفة للمسلمين وسيصلى الجميع وراءه، فمعاوية ويزيد والمأمون والسلطان عبد الحميد لم يكونوا أفضل من بن لادن والظواهري والزرقاوى ومهدى عاكف وبندر بن سلطان أو حتى الملك عبدالله بن عبد العزيز ذاته.

المحور الثاني :السلفية الجهادية الوهابية في أفريقيا النشأة والأهداف
علينا أن نتعرف على الخارطة السياسية للحركات والجماعات الإسلامية في أفريقيا وخاصة في الشمال الافريقى، والاختلافات الفكرية والمنهجية، ثم نعرج على أهم الأفكار التي تقوم عليها الجماعة السلفية للدعوة والقتال، كأحد النماذج الشهيرة كموضوع للدراسة والبحث، وذلك من خلال استعراض أدبياتها المنشورة( المقروءة والسمعية والمرئية)، ثم نعكف على توضيح الدوافع والأسباب التي تقف وراء تغيير اسم الجماعة وانضمامها تحت لواء تنظيم القاعدة المركزي، والتعرف على ملامح استراتيجية المواجهة مع النظام الجزائري، وتوسيعها لتشمل سائر أقطار المغرب الإسلامي، وسوف نحاول رسم بعض السيناريوهات المحتملة لمستقبل منطقة المغرب العربي في ظل تنامي نشاطات السلفية الجهادية في تلك المنطقة الحيوية. تعد نشأة وتطور وتكوين هذه الجماعات السلفية الجهادية في الشمال الأفريقي من بلاد المغرب العربي الذي يضم كل من: ليبيا، والجزائر، والمغرب، وتونس، ويعتبر العام 1998 علامة فارقة في تاريخ الحركات السلفية الجهادية، حيث أعلن فيه عن تشكيل "الجبهة الإسلامية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان"، وقد ضمت هذه الجبهة في صفوفها غالبية التنظيمات والحركات الإسلامية من المهاجرين من كافة أنحاء العالمين العربي والإسلامي والذين شاركوا في الجهاد الأفغاني ضد الإتحاد السوفيتي السابق، ثم دخلت في صراع محموم على السلطة، أسفر عن سيطرة حركة طالبان عام 1996، وقد احتضنت أفغانستان في هذه الحقبة أكثر من أربعة عشر تنظيماً سلفياً جهادياً، كان من بينها تنظيمات جهادية سلفية احتوت على عدد من المعسكرات للجماعة الإسلامية المسلحة الليبية، وجماعة المجاهدين التوانسة، ومعسكر الجزائريين بقيادة سعيد قاري، وتنظيماً للمغاربة.
ما بعد 11 سبتمبر
وقد رجع عدد كبير من أعضاء هذه التنظيمات إلى بلدان المغرب العربي مع بداية التسعينيات، وذهب بعضهم الآخر إلى أفغانستان والبوسنة والشيشان، والتجأ بعضهم إلى أوروبا، وشكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر نقلة نوعية للتنظيمات السلفية الجهادية المغربية في أقطارها، ففي الجزائر انشقت عن الجماعة الإسلامية المسلحة عقب انحرافها وتخلي قيادات الجهاد العالمي عن دعمها وتأييدها وخصوصاً القيادات القابعة في "لندنستان"، الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وفي ليبيا دخلت الجماعة الإسلامية المقاتلة بقيادة أبو عبد الله الصادق في صراع مع النظام الليبي، وفي المغرب تشكلت عدة خلايا سلفية جهادية نشطت بشكل ملحوظ وتمكنت من تنفيذ هجمات مزدوجة على الدار البيضاء عام 2003.
القاعدة في المغرب "الإسلامي"
جاء إعلان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي مسؤوليته عن الهجمات التي استهدفت عدداً من القوافل ومراكز الجيش الوطني والشرطة، وبعض عمال شركة نقل الغاز في مناطق مختلفة من الجزائر،أسفرت عن قتل وجرح ما يقارب 140 شخصاً، وفي هذا السياق صرح وزير الداخلية الجزائري نور الدين الزرهوني بــ" أن الجماعات الإرهابية تسعى إلى إثارة الانتباه الإعلامي قبل موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شهر أيار القادم"، ويبدو أن الوزير الجزائري لا يقدر حقيقة وحجم الخطورة التي تهدد مستقبل الجزائر من جهة، ومستقبل المغرب العربي كاملاً من جهة ثانية، فالجزائر عقب مشروع المصالحة الوطنية لم تشهد مثل هذه الحوادث منذ أن تولى الرئيس بوتفليقة مسؤولية الحكم، الذي استطاع فرض الأمن والاستقرار من خلال إتباعه سياسة قوامها احتواء كافة الاتجاهات من الحركات الإسلامية والوطنية، بدلاً من محاربتها ومواجهتها بالقوة، كما أنه قام بمحاربة الفساد، وعمل على وضع برامج إصلاحية وتنموية جدية، تمخضت عن سداد بعض ديون الجزائر التي بلغت 57 بليون دولار.
سبب الانضمام إلى"القاعدة"
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: ما هي الأسباب والدوافع التي جعلت الجماعة السلفية للدعوة والقتال، تتخلى عن اسمها القديم، وتعلن عن انضوائها تحت لواء تنظيم القاعدة العالمي، وتعمل على استئناف مواجهة النظام واستنزافه من جديد؟ وكما هو معلوم فإن الجماعة السلفية للدعوة والقتال هي إحدى الجماعات التي تنتمي إلى تيار السلفية الجهادية العالمية، وأصبح اسمها منذ24/1/2007 "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، الأمر الذي ينطوي على تغيير استراتيجيتها في مقاتلة العدو القريب المتمثل -حسب قناعاتها- بالأنظمة العربية بعد أن وصل ذلك إلى طريق مسدود، كما بين الظواهري في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، فلم تحقق تلك الاستراتيجية أي نجاح يذكر في أي بلد بسبب الضربات الأمنية المتلاحقة التي تلقتها هذه الجماعات، والتي أدت إلى ضعف وتفكيك معظمها وانحلالها، وهو ما دفع بهذه الجماعات إلى تبني استراتيجية جديدة، منذ الإعلان عن تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان" عام1998 في بيشاور، وكان على رأس أولوياتها وضع استراتيجية قتال العدو البعيد (الكافر الأصيل)، ممثلا بالغرب عموماً، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على وجه الخصوص.
خارطة الحركات الإسلامية في المغرب العربي
تتميز بلاد المغرب العربي ( الأقصى) بأنها مترامية الأطراف، وعرة المسالك والجبال، وتمتد سواحلها على البحر الأبيض المتوسط لأكثر من 3000 كم، وتشرف على مضيق جبل طارق، وتحتوي على حراك سياسي إسلامي متنوع الأفكار والتوجهات( الدعوة، الاحتساب، والجهاد)، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات الصوفية، فضلاً عن الحركة السلفية الجهادية، ويمكن القول أن بداية حركات الإسلام السياسي في المغرب العربي نشأت وتكونت من خلال تأسيس الشيخ عبد الكريم مطيع، حركة الشبيبة المغربية عام1963، وهي حركة تستند إلى الأفكار الجهادية المسلحة بشكلها البدائي، دون وضوح في الرؤية والتصور، وقد سعت منذ تأسيسها إلى تحقيق القيام بانقلاب مسلح ضد النظام الملكي المغربي، وانتشرت في تلك الفترة، الطريقة "الإنقلابية" نفسها للوصول إلى السلطة في استراتيجيات التغيير لدى الحركات الوطنية والقومية واليسارية، وقد نجحت السلطات الأمنية المغربية آنذاك بتفكيك خلايا التنظيم، واعتقلت عدداً من أعضاء الحركة، ونجح الباقين بالفرار والاختباء وفي مقدمتهم زعيم حركة الشبيبة المغربية الشيخ مطيع، وتقلص نشاط الحركة بعد ذلك، وتعتبر تجربة الشبيبة من أهم المحاولات السلفية الجهادية المعاصرة في العالم العربي، وتزامنت تجربة الشبيبة مع بداية تبلور أفكار الأستاذ سيد قطب، الذي يعتبر الأب الروحي للحركات السلفية الجهادية المعاصرة، ومن المعروف أن النظام الملكي المغربي قد نجح في كبح جماح محاولات غالبية الحركات الإسلامية السياسية، في النهوض والتنامي، بحيث لم تعد مؤثرة وفاعلة داخل الحياة السياسية والاجتماعية المغربية، من خلال إتباع أساليب تتراوح بين الإغراء بالمناصب والجاه والمال، أو التهديد بالسجن والإقامة الجبرية، أو من خلال النفي والإبعاد، ما ساهم في إجهاض هذه المحاولات الجنينية في مهدها قبل أن يشتد عودها، وتقوى شوكتها.
وانعكست عودة الأفغان العرب إلى أقطار المغرب العربي مع بداية التسعينيات - وبروز جبهة الإنقاذ الجزائرية، ثم الانقلاب على الانتخابات، وبدء الصراع المسلح في الجزائر، ونشاط الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد في مصر، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا - على حركة سمت نفسها "الجماعة الإسلامية المجاهدة في المغرب"، حيث قامت بتوجيه عدة ضربات استهدفت بعض السياح الأجانب، وبعض الأماكن التي يمتلكها ويتردد عليها اليهود، مبررة إياها بسبب سيطرة الجالية اليهودية المغربية على وسائل الإعلام ، ووسائل الإنتاج المختلفة، وقيامها بدفع النظام المغربي إلى التطبيع مع إسرائيل، وقد انتشرت أفكار السلفية الجهادية بين المغتربين من الجالية المغربية في أوروبا بشكل ملحوظ ، ورحل الكثير من هؤلاء إلى أفغانستان، وقاموا بتأسيس معسكرات تدريب خاصة بهم، وساهموا أثناء الاحتلال الأمريكي لأفغانستان بالقتال ضد قوات الحلفاء، وقتل واعتقل وشرد العديد منهم، كما شهدت الدار البيضاء أواخر عام 2003 عدة انفجارات نفذها انتحاريون من أتباع السلفية الجهادية المغربية، قامت السلطات المغربية على أثرها باعتقال المئات ممن ينتمون إلى التيار السلفي، على رأسهم الشيخ محمد الفزازي، والشيخ أحمد رفيقي، والشريف الحسن بن علي الكتاني، والصحفي زكريا بو غرارة، وغيرهم ممن لا علاقة له مباشرة بهذه التفجيرات، وقد سربت رسالة من داخل سجن القنيطرة المركزي، بتاريخ 3/3/2005 حملت توقيع عبد الإله الفزازي، حيث شرح فيها معاناته وظروف اعتقاله السيئة، وأنه لليوم لا يدري لماذا تم سجنه، وأنه لا علاقة له ولا لوالده ومعظم السجناء بالهجمات التي نفذت في الدار البيضاء، وقد أخبره ضباط جهاز المخابرات المغربي (دي.أس.ت)، وما زال سجينا حتى هذه اللحظة.
الحر كات الإسلامية في الجزائر
تعود بداية فاعلية الحركة السلفية الجهادية إلى مصطفى بويعلي، الذي أسس "حركة الدولة الإسلامية" في الجزائر عام 1973، وكان بويعلي قد شارك في ثورة التحرير الجزائرية عام 1954 ضد الاحتلال الفرنسي، ورفض الاستمرار معها نتيجة تبني المنهج العلماني الاشتراكي، واتهم قيادات الثورة باختطاف وحصد ثمرة جهاد الشعب الجزائري المسلم، فعمل بويعلي على تأسيس هذه الحركة لاستئناف الثورة والجهاد من أجل تحكيم شرع الله في الجزائر، وقام بتوجيه تهديد صوتي إلى الرئيس الشاذلي بن شديد، وأنذره بالخروج على النظام وإعلان الجهاد عليه، وقد قتل بويعلي عام 1976 على يد أجهزة الأمن الجزائرية، وبعد هذه الحركة، لم تشهد الساحة الجزائرية أي تجربة لحركات الإسلام السياسي، سوى تواجد حركة الإخوان المسلمين بشقيها العالمي والمحلي، حيث أنها تتبع التنظيم العالمي للجماعة، عرفت باسم "حركة مجتمع السلم" التي ترأسها الشيخ محفوظ النحناح (رجل السعودية في الجزائر)، ومحلية عرفت باسم "حزب النهضة الإسلامية" والتي تزعمها الشيخ عبد الله جاب، وكان هنالك تواجد للسلفية التقليدية التي لا تتدخل بالعمل السياسي وتستخدم نفس الشعار التي تطرحه هذه المدرسة السلفية " من السياسة عدم التدخل بالسياسة"، وفي المقابل تواجدت السلفية الجهادية من خلال استمرار مؤيدي الشيخ مصطفى بويعلي الذين رفضوا الانخراط في العمل تحت مظلة جبهة الإنقاذ الإسلامية لاتباعها المنهج الديمقراطي للوصول إلى السلطة، وظهرت أيضاً عدة جماعات وتنظيمات صغيرة كان أهمها: الأفغان الجزائريين بقيادة "القاري سعيد"، وجماعة الطلبة التي ترأسها الشيخ محمد سعيد، والتي تأثرت بأفكار مالك ابن نبي، والسلفية الإصلاحية التي تحولت فيما بعد إلى جهادية وقامت بمواجهة النظام، وكان يتزعمها الشيخ علي بلحاج(مرشد الإخوان بالجزائر) الذي أصبح فيما بعد الرجل الثاني في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تستند إلى السلفية الجهادية في منهجها، ولم تكن على درجة كافية من الفهم الشرعي والتنظيمي، بل انتشر فيها الجهل بالدين والسياسة معاً، فضلاً عن تواجد الكثير من الإسلاميين المستقلين الفاعلين في الساحة الجزائرية والذين انضموا إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
الحركات الإسلامية في تونس
وفي تونس فإن تواجد حركات الإسلام السياسي، يعود إلى نشأة " الجماعة الإسلامية التونسية" عام 1969، والتي تعتبر امتداداً لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، إلا أنها تأثرت إلى حد كبير بالمنهج القطبي فيما يتعلق بمفهوم " الحاكمية"، الذي يقوم على إعادة الاعتبار إلى تفعيل الحكم بما أنزل الله، مما جعل هذه الجماعة تتسم بوضوح رؤيتها وتصوراتها السلفية الجهادية المبكرة، والتي اصطدمت مع الواقع السياسي على صعيد النظام، وعلى صعيد الحركات والأحزاب والجماعات الوطنية والقومية ذات الطابع اليساري، وإن تشدد الجماعة تجاه مجمل القضايا في الوسط التونسي الليبرالي جعلها معزولة تماماً عن المجتمع وعن التفاعل مع المشهد السياسي التونسي، وأدى المنهج الذي تتبعه الجماعة الإسلامية التونسية إلى ضعفها، وابتعادها عن التأثير في الحياة الدينية والسياسية في المجتمع التونسي، بسبب أنها قدمت نفسها وصية على المجتمع التونسي، ولم تقدم نفسها على أساس أنها شريكاً وطرفاً سياسياً أو فكرياً تستمد شرعيتها من خلال المحاججة والبرهان وإقناع عوام التونسيين، وقد تنبه قادة ما سمي بــ " حركة الاتجاه الإسلامي" إلى هذا الأمر وعلى رأسهم الشيخ راشد الغنوشي إلى أهمية اللجوء إلى أسلوب الاسلامة السياسية بدل الاعما ل القتالية، بمعنى أنها تحولت من حركة إسلامية راديكالية إلى حركة سياسية على غرار الجماعة ألام في مصر، لا تضع تطبيق الشريعة ضمن أولوية أهدافها وغاياتها. وعلى الرغم من ذلك فقد واجه النظام التونسي هذه الحركة بحظر أنشطتها واعتقال قادتها، باعتبارها حركة سياسية غير شرعية، وبذريعة أنها تحوي في عضويتها بعض القيادات الذين ينتمون إلى السلفية الجهادية أمثال الشيخ صالح كرر، الذي ما زال يخضع للإقامة الجبرية في فرنسا، وقد حاولت حركة النهضة الانقلاب على النظام من خلال استخدام الوسائل السلمية، وهذا ليس غريباً عليها، حيث أن زعيم الحركة الشيخ راشد الغنوشي يتصف بالجرأة، وسعة أفقه السياسي، فضلاً عن أن الحركة نجحت في ضم عدد من ضباط الجيش لمساعدتهم في الانقلاب العسكري على السلطة السياسية التي يتزعمها الرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك، ولعل الخلط والغموض المنهجي الذي تتسم به الحركة من جهة، وتردد بعض قادة الحركة في المضي في هذا المخطط من جهة أخرى، أفشل محاولتها في السيطرة والوصول إلى السلطة، كما أن النظام الأمني التونسي نجح باختراق الحركة وإحباط محاولتها الانقلابية، وساهم كل ذلك في إسراع قيام وزير الداخلية آنذاك والرئيس التونسي الحالي " زين العابدين بن علي" بالانقلاب الأبيض على الرئيس التاريخي لتونس "الحبيب بورقيبة"، وقام الرئيس الجديد" زين العابدين بن علي" بخطوة بمنتهى الذكاء في تحييد خطر حركة النهضة من خلال الإفراج عن قياداتها، حيث أفرج عن ما يقارب مائتي ضابط من المنتمين للحركة، وعن العديد من قياداتها السياسية، بعد فشل الحركة الذريع في انقلابها العسكري، وعلى ما يبدو فإن الواقع ينبىء بولادة حركات راديكالية تعمل في إطار من الممانعة والمقاومة تتسم بالتشدد والعنف، فقد شهدت أفغانستان عدداً من المجاهدين التوانسة، في إطار السلفية الجهادية، انضم بعضهم إلى القاعدة، والتحق عدد منهم في حركات جهادية في أقطار مختلفة.
الحر كات الإسلامية في ليبيا
وعلى صعيد عمل حركات الإسلام السياسي في ليبيا فقد ظهر نشاطها من خلال جماعة الإخوان المسلمين، ومن خلال نشاط الحركة السلفية الجهادية، التي صنعت وأعدت بأفغانستان، حيث نجحوا في ترتيب صفوفهم وتشكيل معسكرات تدريب، وعرف عنهم أنهم من أكثر المجاهدين العرب التزاماً وانضباطاً في التدريب والإقبال على تعلم التعاليم الوهابية، وما بين الأعوام 1989- 1992 تشكلت الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا، التي كانت تصدر مجلة "الفجر"، وتقوم بإصدار عدد من الكتابات والرسائل، ومنها كتاب بعنوان " الخطوط العريضة للجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا"، حيث يتضح أثر جماعة الجهاد، والجماعة الإسلامية المصريتين على هذه الأفكار، وانتشر العديد من أعضائها حالهم حال بقية المتطوعين العرب في السودان واليمن وسائر أنحاء العالم الإسلامي، وتمكنوا من استقطاب عدد كبير من الليبيين في الفترة ما بين 1991-1995، وقد شارك بعض أعضاء الجماعة في الحرب التي أعلنتها الجماعة الإسلامية المسلحة (الجزائرية) ضد النظام الجزائري، ثم لقوا مصرعهم على أيدي قادة الجماعة الإسلامية المسلحة فيما بعد أثناء تزعم أبو عبد الرحمن أمين هذه الجماعة، الذي اتهمهم بحمل أفكار مبتدعة، وأن عقيدتهم منحرفة، وكانت هذه الفترة( 1994) بداية انحراف الجماعة الإسلامية الجزائرية عن الدين، وفي نفس العام 1994، بدأت الجماعة الليبية المقاتلة نشاطاتها العسكرية التي تستهدف أركان النظام الليبي عموماً، وأعلنت الحرب على النظام الليبي وبداية الانتشار في مناطق الجبل الأخضر الذي يقع شرقي البلاد، وقامت باتخاذ أسلوب مقاتلة النظام من خلال استراتيجية حرب العصابات، لكن محاولاتها باءت بالفشل، وتم قتل زعيم الجماعة عبد الرحمن حطاب، وتم أيضاً اعتقال العديد من المنتمين للجماعة، وأشارت الجماعة في بياناتها بتلك الفترة بعد الهزيمة العسكرية التي منيت بها في ليبيا بأنها غيرت استراتيجيتها من الهجوم الاستراتيجي إلى التراجع التكتيكي، حيث انتهت بعدها نشاطاتها العسكرية داخل ليبيا، وانضم العديد من قادتها إلى الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين والأمريكان، التي يتزعمها أسامة بن لادن، أمثال أبو الليث الليبي، وأبو الفرج الليبي، وأبو يحي الليبي، وغيرهم، ولم يلاحظ أي نشاط عملي أو إعلامي للجماعة بعد سقوط نظام طالبان.
نهاية الثمانينات وبداية التسعينات
حيث تميزت هذه الفترة (نهاية الثمانينات وبداية التسعينات) ببروز قوة الأفغان العرب ، وانهيار اليسار وقرب سقوطه ،ووجود فائض وخبرة قتالية يمكن نقلها خارج الصراع الامريكى السوفيتي في أفغانستان إلى صراع من أجل الاسلامة الدولية الوهابية لصالح العربية السعودية، وفى الجزائر وسمح الرئيس بن جديد عام 1989 بترخيص الأحزاب السياسية في الجزائر، وقد تنبه بعض قادة الجماعات السلفية الوهابية إلى هذه الفرصة التاريخية وقاموا بتأسيس "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" ، وكان على رأسهم الشيخان عباسي مدني، وعلي بلحاج (رجلي العربية السعودية )، وقد حققت الجبهة فوزاً باهراً في الانتخابات البلدية والبرلمانية، بحيث أفزع هذا الفوز المنتفعين من السلطة والمتنفذين في قيادة الجيش وقاموا بانقلاب ضد الجبهة، وحظرت نشاطات الجبهة واعتقل قادتها وأعضاؤها، ودخلت الجزائر في مرحلة جديدة خطيرة في تاريخها الحديث، ونتناول هنا أهم محاورها التي تمثلت بانشقاق بعض قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الذين قرروا تشكيل ما عرف بــ "جيش الإنقاذ" بهدف مواجهة النظام من خلال استخدام القوة، وجاءت هذه الخطوة بعد حركة العصيان المدني التي شاركت فيها أحزاب وطنية وقومية ودينية، وشملت هذه المشاركة: جبهة الإنقاذ، وحركة النهضة، وحركة الإخوان المسلمين، والحركة من أجل الثقافة والديمقراطية (الأمازيغية التي يتزعمها حسين آيت أحمد) ، ودفعت هذه الأحداث عدداً من قيادات الجماعات الإسلامية الوهابية إلى الانشقاق عن الجبهة وانتهاج استراتيجية جديدة ترتكز على مواجهة النظام الجزائري بالقوة المسلحة، وعلى رأس هذا الانشقاق مدني مزراق، وعبد القادر شبوطي، وعبد الرزاق رجام، ومحمد سعيد مخلوفي، ومحمد السعيد، وفي أواخر عام 1991 وبداية عام 1992 انشقت جماعة أخرى عرفت بانتمائها للسلفية الجهادية، عرفت باسم "الجماعة الإسلامية المسلحة" ، تميزت عن جيش الإنقاذ بقيادتها العمل العسكري المسلح ضد النظام، وبرز من أوائل أمراء الجماعة عبد الحق العيايدة، الذي اعتقل في المغرب أثناء قيامه بشراء السلاح للجماعة، ثم تولى القيادة بعده أبو عبد الله أحمد، والذي قتل في ظروف غامضة، فضلاً عن مقتل قاري سعيد بنفس الظروف.
"أمين" ومنهج الاسلمة الوهابية المسلحة
وفي أواخر عام 1994 تولى شخص آخر عرف باسم "أبو عبد الرحمن أمين" إمارة الجماعة الإسلامية المسلحة، وتميزت فترة إمارته بالابتعاد عن المنهج الدعوى، من خلال الأعمال التي لا تمت لها بصلة، فعمل على قتل القادة التاريخيين للتيار الإسلامي الجزائري، أمثال الشيخ محمد السعيد، و الشيخ عبد الوهاب العمارة، وغيرهم، وأصدر العديد من الفتاوى التي تبيح قتل نساء وأطفال العاملين في الدولة، والعاملين في الإعلام، وبدأ بإصدار فتاوى التكفير لعموم المسلمين الذين يخالفون منهجه (وهى الوسيلة نفسها التي قام به الوهابيين في حق باقي المسلمين في الحجاز)، حتى تم قتل أبو عبد الرحمن أمين على يد أتباع الشيخ محمد السعيد الذين عرفوا باسم "جماعة جبل الأربعاء" ، واستلم إمارة الجماعة شخص آخر كان أكثر إجراماً وسفكاً للدماء عرف باسم "عنتر الزوابري" ، استمر على نفس نهج الجماعة المنحرف، وقتل عام 2003، بعدها أصبحت الجماعة مفككة وضعيفة وآلت إلى الانهيار، ودمرت معها جهود الجهاد الاسلامى الذي استمر قرابة قرن من الزمان منذ النضال ضد المستعمر الفرنسي بشكل كامل، من خلال ممارساتها التي عملت على إفقاد الثقة بالمشروع الإسلامي النهضوي في الجزائر، وأرعبت المسلمين وغير المسلمين من الصورة السلبية المخيفة التي علقت بأذهانهم والتي عكستها هذه الجماعة، وفي ظل هذه الظروف المأساوية ظهرت جماعة أطلقت على نفسها "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بزعامة حسن حطاب، الذي بدأ بحملة دعوية تهدف إلى تصحيح الانحراف الذي طرأ على الجماعة المسلحة، ونفى أفكار التكفير والغلو والتطرف، وركز على مواجهة النظام، وإبراز أهداف وغايات الجماعة وأولوياتها المتمثلة في إقامة الدولة الشرعية، وبدأت الجماعة السلفية بتنفيذ عدد من عمليات الاختطاف الموجهة للأجانب وافتدائهم بالأموال الهائلة، ويمكن القول أن الجزائر عاشت فترة من الهدوء والاستقرار الأمني النسبي بعد مقتل عنتر الزوابري، حتى ظهر نشاط ما عرف باسم " تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".
ميثاق عمل الجماعة السلفية
وللوقوف على أفكار هذا التنظيم وقراءته سوف نتناول ميثاق العمل الذي طرحته الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهو الميثاق الذي تبناه تنظيم القاعدة ببلاد المغرب العربي، والذي أوضح فيه منهجه وأهدافه وغاياته ووسائله، ويعود الفضل في تأسيس هذه الجماعة إلى قائدها أبو مصعب عبد الودود الذي عمل على جمع شتاتها ولملمة أعضائها، وضبط منهجها، وتصحيح ما أسماه بـ "الانحراف الذي وقعت فيه الجماعة الإسلامية المسلحة" وتعتبر الجماعة السلفية للدعوة والقتال نفسها جماعة إسلامية تتبع المنهج الشرعي الصحيح، وأن تأسيسها ضرورة من الواجبات التي لا يتم الواجب إلا بها، فقد ذكرت الجماعة في مقدمة ميثاقها، أن "الحقيقة الواضحة الصّريحة المتجلّية لكلّ من عرف دين الله هي أنّه لا إسلام بلا جماعة ، و لا جماعة بلا نظام" ، فالجماعة بحسب هذا الوصف تندرج في إطار الحركات السلفية الجهادية، والتي تعني: حركة سياسية جديدة ومذهبا فكريا معاصرا، تهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية لتشمل العالم الإسلامي، كحركة سياسية عسكرية، وتسعى إلى تخليص العالم الإسلامي من الاستعمار وتعمل على توحيد العالم الإسلامي تحت راية الخلافة، أما مذهبها الفكري فيتمثل - حسبها- في الدعوة إلى اعتبار القرآن الكريم والسنة النبوية، وأتباع السلف الصالح أسس النهضة الجديدة من خلال وصفها لعقيدتها بأنها عقيدة السّلف الصّالح من الصّحابة الكرام و تابعيهم و تابعي هؤلاء، وعلى رأسهم رسول الهدى محمّد صلّى الله عليه و سلّم، وترى الجماعة السلفية للدعوة والقتال أنه لا يجوز تكفير المسلمين بمجرد ارتكاب ذنب كبيراً كان أم صغيراً ما لم يستحلّونه ، كما أن دماء المسلمين وأموالهم معصومة بعصمة الإسلام، وأن من وقع من المسلمين في الكفر لا يكون كافرا بمجرّد ذلك حتّى تقوم عليه الحجّة ، إذ أن التّكفير له شروط وموانع، وأنّ الإيمان يزيد و ينقص ، يزيد بالعلم النّافع و العمل الصّالح ، وينقص بالذنوب و المعاصي، وأن الأسس التي قامت من أجلها الجماعة عدم وجود إمام للمسلمين (أمير المؤمنين) ، فلا تسقط فريضة الجهاد، وبحسب الجماعة "فإن عُدِم الإمام لم يؤخّر الجهاد" بل كان سببا في السّعي لإقامة الخلافة و تحكيم كتاب الله ، وبينت أن المقصد الذي قامت لأجله الجماعة سعيا منها لتحقيقه هو: حتّى يكون الدّين كلّه لله، و أن تكون كلمة الله هي العليا و ذلك ضمن إطار علميّ قائم على أصول و قواعد منهج أهل السنّة و الجماعة الاعتقادية والعلمية والعملية.
أما موقفها من الجماعات الإسلامية المنتشرة في العالم العربي والإسلامي فترى فيه تكاملاً وتعاوناً على البر والتقوى، فإذا اختلفت اتجاهات النشاط والعمل مع غيرهم من الجماعات العاملة، باختلاف الأولوية والأهمية، أو اختلاف الظروف والمحيط الذي تتواجد فيه، فإنها تتخذ من هذا الاختلاف وسيلة تكامل وقوة، لا سبب تطاحن وضعف، وموقفها من النظام الجزائري يظهر جلياً من خلال اعتباره نظاماً مرتداً ممتنعاً عن تطبيق الشريعة، وتتعامل معه على أساس العداوة والقتال.
الهيكل التنظيمي لــ "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"
تتسم الهيكلية التنظيمية للقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالتعقيد والشمول، وهي تعكس صورة العمل الجماعي المؤسسي، حيث تتكون قيادة التنظيم من أمير التنظيم، ومجلس الأعيان، ورؤساء اللجان والهيئات، الذين يشّكلون ما يعرف بمجلس شورى التنظيم، وتقوم مهامه على تنسيق العمل بين مختلف المستويات القيادية، ويحتوي التنظيم على بقية أعضاء التنظيم، حيث يشترط في العضوية أن يكون العضو مسلماً سليم العقل والأعضاء التي لا تعيقه عن الجهاد، وأن لا يلتزم بالعمل مع أي تنظيم آخر، فضلاً عن البيعة التي يعطيها لأمير التنظيم، بالالتزام على السمع والطاعة في المعروف، أما الشروط الشرعية التي بينها التنظيم الواجب توفرها في أمير التنظيم حتى يعطى البيعة، فهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية، والعدالة، وسلامة العقيدة والمنهج، والعلم الشرعي وهذا الشرط تعتبره الجماعة من شروط الكمال وليس الوجوب، والأقدمية والبلاء الحسن، وسلامة الأعضاء والحواس، والتجربة والخبرة الميدانية، وهناك جماعة الأنصار، وهم شبكة الأفراد على مختلف اختصاصاتهم، الذين يقومون بدعم وإعانة التنظيم، وحول مهام أمير التنظيم (أبو مصعب عبد الودود) فمن واجباته القيام بإدارة كامل شؤون التنظيم، وتنسيق العمل بين مجلس الشورى من جهة، ورؤساء الهيئات، وأهل الرأي، وذوي الخبرات من جهة ثانية، والإشراف على تنفيذ القرارات والتعليمات الصادرة من قبله، وحماية أصول وضوابط وأهداف التنظيم الشرعية من الخلل والتحريف، وتعيين أعضاء وأمراء الهيئات والأقسام بحسب المهام والمسؤوليات، واستخلاف نائب الأمير، الذي يقوم بإدارة شؤون التنظيم في حال ما إذا قتل الأمير الأصيل، أو أسر أو مرض مرضاً مزمناً يعيقه عن أداء مهامه، لحين اختيار أهل الحل والعقد أميراً جديداً للتنظيم، وإصدار القرارات والتعليمات والتوجيهات المتعلقة بسير أمور التنظيم بشكل عام، ويستثنى من تلك القرارات المصيرية التي لا يحق له اتخاذ القرارات فيها منفرداً، بل يحتاج إلى قرار جماعي يتخذه جميع أو غالبية أعضاء مجلس الأعيان، ومن هذه القرارات : المساس بأصول ومبادئ النظام الداخلي (الميثاق) للتنظيم، وفتح جبهة قتالية جديدة، وعقد صلح أو هدنة مع الكفار الأصليين، وعزل الأمير نفسه عن الإمارة، والتعامل مع الجهات الخارجية، وعزل أي عضو من أعضاء أهل الحل والعقد، أو تحويله إلى المحكمة الشرعية، ويحق للأمير عزل هذا العضو فقط من المهمة المكلف بها خارج إطار مجلس أهل الحل والعقد، وتشمل واجبات أمير التنظيم ما يلي : العدل بين المجاهدين في أداء الحقوق، والرفق وحسن الظن بالمجاهدين، والنصح والحرص على سلامتهم، وإعداد المجاهدين مادياً ومعنوياً، وذلك من خلال التربية ونشر العلم وتوفير أسبابه، وإحياء فريضة الجهاد في نفوس المجاهدين، والحفاظ على أسرار التنظيم، والقدوة العملية الحسنة، والحفاظ على وحدة ومصلحة التنظيم، وتوحيد الجهود وجمع شمل التيار السلفي الجهادي في بلاد المغرب العربي، وفيما يتعلق بعزل الأمير أو إنهاء إمارته فتتم من خلال توافر أحد الأسباب التالية : الوفاة، والكفر البواح، واختلال العقل، وفقدان حاسة من حواسه التي تعيقه عن أداء مهامه، والخيانة، وإتيانه ببدعة متفق عليها بين علماء أهل السنة والجماعة، والأسر مع اليأس من فك أسره، والفسق الظاهر، ومن ناحية ثانية بين الميثاق، حقوق أمير التنظيم على الجند، وتشمل طاعته بالمعروف، ونصرته على الحق، ونصحه، وعدم إفشاء أسرار التنظيم، وحسن الظن به، وتوقيره، وكف اللسان عنه، والدعاء له.
المهام والصلاحيات في التنظيم
وتعتبر إمارة التنظيم، إمارة حرب في التوصيف الفقهي للجماعة لا إمارة دولة، حيث أنها تسعى إلى تمكين التنظيم من خلال حرب الاستنزاف الموجهة ضد نظام الحكم، وتنحصر مهام الإمارة وأحكامها في : تدبير شؤون الحرب، وولاية القضاء، وحماية البيضة، وحماية الحريم، وتقسيم الفيء والغنائم، وجباية الزكاة والصدقات، وإقامة الحدود، ويرأس التنظيم مجلس الشورى، الذي يتكون من : مجلس الأعيان (أهل الحل والعقد) ، وأمير التنظيم، ورؤساء الهيئات التي تشمل: اللجنة الشرعية، واللجنة العسكرية، واللجنة الطبية، واللجنة المالية، واللجنة القضائية، واللجنة الإعلامية، ولجنة الديوان، ولجنة العلاقات الخارجية، ويضم مجلس شورى التنظيم في عضويته، ما يوصف بأنهم أهل الحل والعقد من أصحاب الرأي السديد، وأهل الاختصاصات، والخبرات الذين يرأسون الهيئات واللجان، ويقوم المجلس بمساعدة أمير التنظيم على إدارة شؤونه، وسياساته، ومصالحه، والذب عن مبادئه، وتقديم النصيحة والمساعدة في اتخاذ القرارات الهامة، ولا تعتبر الشورى ملزمة لأمير التنظيم، بل يمتلك الأمير أحقية اتخاذ القرارات منفرداً بحكم إمارته، أما بخصوص مجلس الأعيان أو ما يعرف بـ "أهل الحل والعقد"، الذي يترأسه الشيخ "أبي الحسن رشيد البليدي" ، والذي يتولى مهمة جمع أفراد مجلس الأعيان أو جلهم (ما زاد على النصف) ، في حالات الطوارئ، كأن يمرض أو يؤسر أو يموت أمير التنظيم، ليتم اختيار أمير جديد للتنظيم يخلف الأمير السابق، وقد أصدرت اللجنة الإعلامية للتنظيم شريطاً مصوراً له، حمل عنوان "وقفات مع واقع الأمة" ، شخص فيه واقع الأمة الإسلامية عموماً، وواقع المسلمين في بلاد المغرب العربي، وبين فيه الأسباب التي تقف وراء خروج التنظيم (القاعدة) على النظام.
أما مجمل الصلاحيات والمهام التي تقوم بها الهيئات المختلفة المنبثقة عن مجلس شورى التنظيم، فإن صلاحيات "اللجنة الشرعية"، التي ينبثق عنها فرع الدعوة والإرشاد، وفرع البحوث العلمية والفتاوى الشرعية، وصلاحيات رئيسها هي: تحديد برنامج عملي للجنته، وإنشاء المدارس الشرعية، وإعداد أفراد التنظيم فكرياً وعقدياً، والرجوع إلى العلماء في المسائل الشائكة، والبحث في المسائل العلمية المستجدة، أما مهمة فرع الدعوة والإرشاد فتنحصر في نشر العلم الشرعي من خلال استعمال جميع الوسائل الدعوية المشروعة، ومهمة فرع البحوث العلمية والفتاوى الشرعية البحث في المسائل الشرعية المستجدة والفصل فيها، باستثناء المسائل التي تصدر باسم التنظيم التي يشترط فيها حضور جميع أفراد اللجنة الشرعية، وثاني اللجان في التنظيم هي اللجنة القضائية، والتي يعتبرها التنظيم من ركائزه الأساسية، ويتبع لها قاضي الجماعة، الذي يعين من قبل أمير التنظيم، وهو مستقل في مباشرة مهامه، ويعين قضاة المناطق بالتعاون مع أمرائها، وتعتبر أحكامه قطعية ونافذة، وثالث هذه اللجان، اللجنة العسكرية، وهي من دعائم التنظيم التي تعكس قوته ومنعته، ويرأسها قائد عام، ونواب يرأسون الفروع المنبثقة عنها، وهذه الفروع هي: فرع التدريب والتجنيد، وفرع التموين والتمويل، وفرع التصنيع، وفرع الاستطلاع، وفرع الهندسة العسكرية، وفرع التخطيط والدراسات العسكرية، وتتولى اللجنة مهمة الإشراف والإدارة والتنفيذ، لكل ما يتعلق بالشؤون العسكرية للتنظيم، والتنسيق مع الفروع الأخرى من أجل ضمان تحقيق سلامة العمل، ومهمة فرع التدريب والتجنيد هي : تحديد البرنامج التدريبية للأفراد والقادة الميدانيين، وفحص المستجدين في التنظيم من حيث الكفاءة والقدرة، ومن الناحية الأمنية، أما مهمة فرع التموين والتمويل فهي : تعبئة المجاهدين عسكرياً وتأمين الطعام والعدة والعتاد، ومهمة فرع الاستطلاع هي : مراقبة واستطلاع أهداف العدو، وتحديد الأهداف المنتقاة، وتأمين الملاذ الآمن لقيادة وأفراد التنظيم، ومهمة فرع الهندسة العسكرية، هي: تحديد الطرق التي تسهل عملية تنقل وحركة المجاهدين، وتحديد مواقع الملاجئ ومراكز التدريب، ومهمة فرع التخطيط والدراسات العسكرية، هي: دراسة وتدريس وتطوير الإستراتيجية القتالية للتنظيم التي تستند على حرب العصابات، وتحديد الأهداف والوسائل الهجومية المناسبة لها، من حيث العدة والعتاد والعدد، ورسم الخطط الحربية عند التنفيذ، أما مهمة فرع التصنيع، فهي: تحضير وتصنيع وتطوير الأسلحة والعتاد والمتفجرات، وأما مهمة اللجنة المالية التي تتكون من مجموعة من الأفراد ذوي الخبرات والتخصصات في المجال المالي، والمعروفين بالصدق والأمانة والزهد، ويتولون الإشراف على إدارة شؤون مال التنظيم وفق الأصول الشرعية، من خلال معرفة الحكم الشرعي في طرق كسب المال الحلال، وتجنب الاكتساب المحرم، ومعرفة أوجه صرف المال، ويرأس اللجنة أمين عام، ويتفرع عن هذه اللجنة الفروع التالية: فرع المحاسبة الذي يقوم بحفظ السجلات وتقديم التقارير المالية لقيادة التنظيم، وفرع بيت المال المسؤول مباشرة عن حفظ مال التنظيم، وضبط الدخل والمصروف منه، وفرع الدراسات الاقتصادية والاستثمارية، ويقوم بدراسة المشاريع الاستثمارية المقترحة من قبل أمين المال، وتحديد البرنامج العملي لتنفيذها وطرق الاستفادة من المال، وتتحدد الموارد المالية للتنظيم فيما يلي: الغنيمة والفيء، والزكاة، وصدقات التطوع، والضرائب، والأوقاف، وفيما يتعلق بمهمة اللجنة الطبية فهي معالجة الجرحى وتقديم الرعاية الصحية للمرضى، من أدوية ونصائح وإرشادات، والقيام بالعمليات الجراحية اللازمة للجرحى والمرضى، وينبثق عنها الفروع الطبية التالية: فرع التكوين الصحي، وفرع الصيدلية، وفرع التمريض، وفرع الصيانة والتجهيز، وفرع الخدمات، والفرع المالي، أما اللجنة الإعلامية فهي هيئة تنفيذية تتولى الإشراف على إنتاج وتوزيع كل ما يصدر عن التنظيم من الإصدارات المقروءة والسمعية والمرئية، وتتكون هذه اللجنة من الفروع التالية : فرع الصيانة والتجهيز، وفرع المراقبة والرصد، وفرع الوسائل الفنية والتقنية، وفرع الأرشيف، وفرع الطباعة، ومهمة مسئول العلاقات الخارجية في التنظيم هي فتح قنوات الاتصال مع شتى الهيئات والأفراد، خارج البلاد بالتنسيق مع أمير التنظيم، بهدف التعريف بأهداف وغايات التنظيم، ومحاولة استقطاب اكبر عدد ممكن من المؤيدين والداعمين، والقيام بمهمة التفاوض مع الآخرين بعد تكليف أمير التنظيم بذلك، وتنحصر مسؤولية ديوان التنظيم، بإحصاء الجند من قتلى وجرحى وأسرى، والاحتفاظ بسجلات تتعلق بأفراد وقيادة التنظيم.
24/1/2007 والانضمام الرسمي للقاعدة
إن الهيكلية التنظيمية للقاعدة في بلاد المغرب العربي، تتسم بالشمول والتكامل من خلال المهمات والواجبات التي تتولاها الهيئات والأقسام، ومن خلال سعيها نحو إقامة عمل مؤسسي يشبه إلى حد كبير عمل مؤسسات الدولة، فتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يضع على رأس أولوياته الانقلاب على الحكم والسيطرة عليه، من أجل إقامة الدولة الإسلامية، وهي الغاية الأساسية لتنظيم القاعدة المركزي، بزعامة أسامة بن لادن، الذي أعلنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال أنها قامت بعدة اتصالات منذ زمن من أجل التوصل إلى اتفاق ومباركة زعيم القاعدة من أجل الانضواء تحت لوائها والعمل تحت إمرتها، وقد أسفرت هذه الاتصالات بتاريخ 24/1/2007 عن قبول الجماعة السلفية للدعوة والقتال والإذن بتغيير اسمها القديم، ليصبح "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي" ، بإمارة أبي مصعب عبد الودود، وقد جاء في بيان البيعة، الأسباب التي دعت إلى التحول، وهي توسيع قاعدة العمل لتشمل سائر أقطار المغرب العربي، بعد أن كانت تقصر عملها على الجزائر، وهي إشارة إلى تحول الجماعة السلفية من قصر القتال على العدو القريب المتمثل في النظام الجزائري ليشمل سائر بلدان المغرب الإسلامي، التي تضم تونس، والجزائر، وليبيا، والمغرب، وموريتانيا، ويأتي هذا التغيير في استراتيجية الجماعة ليتوافق مع تنظيمات القاعدة الإقليمية، كتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وقاعدة الجهاد في جزيرة العرب، وغيرها، وربما شعار الجماعة هو الأكثر دلالة على التحولات الجذرية التي طرأت على التنظيم الجزائري القطري، فقد احتوى على شعار القاعدة المركزي، الذي تختزله بقوله تعالى "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله" ، وتعتبر هذه الآية هي الأكثر دلالة والأكثر تداولاً في استخدامات القاعدة، حيث الحرب ممتدة في الزمان والمكان ولا تقتصر على قطر بعينه، كما أن الراية السوداء التي تحتوي على كلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ، ترمز إلى دولة الخلافة ورايتها، أما البنادق على جانبي الشعار فهي تأكيد على تبني منهج القوة والجهاد بأدوات حداثية، بدلاً من السيوف والرماح المستخدمة تراثياً، ويرمز الكتاب الذي يحتوي على قوله تعالى "إن الحكم إلا لله" ، إلى المنهج العلمي للحركة الذي يشدد على اتباع الكتاب والسنة ومنهج السلف، وأهمية العلم إلى جانب العمل، وذكر الآية للدلالة على كفر وردة الأنظمة المعاصرة، وتمثل خارطة المغرب العربي، مجالاً حيوياً لعمل الجماعة إقليمياً بعد أن كان قطرياً، دون إهمال العدو الأبعد المتمثل في الغرب بشكل عام وأوروبا بشكل خاص، وفرنسا بشكل أخص، نظراً للعلاقات الاستعمارية بين فرنسا وسائر أقطار المغرب العربي.
تطور العمل السلفي الجهادي
يعتبر التحول الذي طرأ على الجماعة السلفية للدعوة والقتال من تنظيم قطري إلى تنظيم إقليمي، أحد التطورات في مسيرة الجماعات السلفية الجهادية، في العالم والمغرب العربي بشكل خاص، فقد استطاعت الجماعة السلفية من خلال هذه العملية استقطاب عدد كبير من أتباع السلفية الجهادية والقاعدة في أقطار مختلفة كانت تعمل بشكل منفرد تحت مسميات مختلفة واستراتيجيات متنوعة، تزامنت مع تطورات سياسية عديدة في سائر أنحاء العالم العربي، كما حدث مع تنظيم القاعدة في العراق، الذي وسع قاعدته لتشكل ما يسمى "دولة العراق الإسلامية" ، وظهور وانهيار "المحاكم الإسلامية في الصومال"، التي بدأت تعيد تنظيم صفوفها من أجل مقاومة الاحتلال الإثيوبي والإطاحة بنظام الحكومة الانتقالية في الصومال، فضلاً عن النجاحات العسكرية التي تحققها حركة "طالبان" في سائر أنحاء أفغانستان على القوات الأمريكية وحلف الناتو، والحكومة الأفغانية، وقد أظهر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، قدرة فائقة على التكيف مع الوضع الجديد، من خلال عدد من العمليات النوعية في الجزائر، والعمليات التحضيرية التي شملت تونس والمغرب، وتظهر الإصدارات المرئية والمسموعة للتنظيم قدرات فنية وتقنية عالية في تغطية أنشطتها وعملياتها، توازي مجمل الإنتاج الإعلامي لمؤسسة "السحاب" ، التابعة لتنظيم القاعدة المركزي، وتتفوق عليها في كثير من الأحيان، كما أن الإنتاج العلمي والإعلامي للتنظيم الجديد يتمتع بدرجة عالية من الكفاءة والدقة، ومن المتوقع أن تشهد منطقة المغرب العربي نشاطاً مكثفاً للسلفية الجهادية، وعمليات نوعية في الأيام القادمة، وربما ينجح التنظيم في نشر أيديولوجيته العقدية والقتالية في بلدان أفريقيا الوسطي، ومنطقة القرن الأفريقي في ظل توتر الوضع السياسي والاجتماعي والإنساني في إقليم دار فور في السودان، والنشاط المزدهر للحركات السلفية في هذه المناطق التي كانت تعتبر حتى وقت قريب خالية من نشاط القاعدة.
الخاتمة
إن المرء ليعجب كيف أن النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق؛ وجعل من قتلها كمن قتل الناس جميعا، يعجب ممن يلوي نصوص القرآن وحديث الرسول ليسوغ أعماله الإجرامية التي لا تسند مقاومة ولا تدفع احتلالا، بل يدعي أهلها أن عملهم من صلب العلم، ولعل أول العلم الذي يجب أن يسود كل وسط أن فقه التقتيل والاغتيال لا موجب شرعي له، وأن أصحابه أولى أن يقام عليهم حد الحرابة من أن يعد فعلهم جهادا، وقد استساغ أعداء الدين فعلهم، فمكروا بهم، وزجوا بهم في المعركة الخطأ؛ ثم بعدها يعتقلونهم ويمنون على الناس أن قد حموهم من شرورهم، فإذا بمن أراد أن ينقض مداميك سلطة تحكم بغير ما أنزل الله قد منحها شرعية ما كانت تحلم بها. أن العلم الذي لا يثمر عملا صالحا عدمه خير من وجوده، وإنما تتالت الآيات الكريمات جامعة بين الإيمان والعمل الصالح، لأن العلم بلا عمل وسيلة بلا غاية، والعمل بلا صلاح فعل بلا هداية.
لقد ابتلي المسلمين بأناس ينتسبون إليهم زورا وبهتانا وهم أناس جلف الطباع؛ غلاظ القلوب؛ بدويو المزاج، عنيفو التصرف، وتجدهم النموذج المحبب الذي تتناقل وكالات الإعلام العالمية أنشطته وصوره وتصريحاته، فيتوهم بعض الناس أنهم النموذج الذي يمثل الإسلام في طهرانيته، وجهاده في عدوانيته، ويكفي أن يستمع خالي البال إلى تصريحات بعض رموزه النارية ليستعيذ بالله من هؤلاء الإسلاميين الذين لا يدفعون إلا بالتي هي أخشن.
إن التنظيمات الإسلامية خبرت هؤلاء منذ أمد بعيد؛ منذ كانوا يرون أن العمل التنظيمي الإسلامي بدعة، وأن الديمقراطية كفر، وأن الخروج على ولاة الأمر خروج عن جماعة المسلمين وعن الدين. وكانت أنظمة الاستبداد سخية في المد لهم؛ تطبع كتبهم في الحلل الزاهية وتعممها على المكتبات بثمن بخس، وكانت مواضيعها تدور حول المس الشيطاني، والتداوي بالأعشاب، وتصحيح العقيدة، ومفردات التوحيد (التثليثى ).
وإذا كان مبنى تنظيمات الحركة الإسلامية التاريخية على الدعوة إلى الله عز وجل، فقد رجح عند هؤلاء أنهم قضاة يطلقون الأحكام وتسعى جماعاتهم إلى تنفيذ الحكم الشرعي مع غياب السلطة الشرعية المخول لها ذلك لتقويض أركان الأمن في كل الأقطار وشيوع الفوضى وإقامة الإمارات الإسلامية الوهابية على أنقاض هذه الدول .
والغريب أن كل هذا العنف المدمر يأتي من أناس يذهب بهم الظن أنهم قد ملكوا جماع العلم، وأن كل من خالفهم وجبت استتابته أو كفر بصريح اللفظ، لا يمنع من تكفيره أن يكون المرء من العلماء المبجلين، أو المجاهدين المستضعفين، أو من فضلاء المفكرين... بل تجد منهم فرقا همها التنقيب في صدور الناس لمعرفة ما يقولون في الذات والصفات، والتوسل والكرامات، ليمنحوهم صكوك الاعتراف بحسن الاعتقاد، أو يتوعدوهم بأشد العذاب.إن الفقه التكفيري المتوسل بالعنف ليس وليد اليوم؛ بل فصوله كتبت منذ أمد بعيد في تاريخ المسلمين، من ابن تيمية وبن عبد الوهاب وها هم أبنائه ابن الشيخ وابن باز وبن عثيميين وبن جبرين هم القادة الفكريين لاسامة بن لادن وشيوخ المحاكم الإسلامية وهم خير من يعين العربية السعودية وبندر وعبدالله إلى بلوغ أهدافهم .



http://www.ssrcaw.org
Centre of Laic Studies and Research in the Arab World