مثقفى الشهرة وتعطيل التطور

عبدالجواد سيد
2018 / 3 / 9

مثقفى الشهرة وتعطيل التطور
وكأن مصر أصبحت مضروبة بموجة كبيرة من غضب الآلهة ، فمن التشرزم السياسى الذى تعانى منه منذ عقود طويلة أصبحت اليوم تعانى من التشرزم الثقافى أيضاً ، فهذا كاتب وقد وضع كل مصائبها على شماعة البخارى وراح يصيح ويصرخ ، نجم على شاشات التليفزيون ، والناس تهلل له وتزغرد ، بعيدأ عن أى نقد موضوعى لسياق التاريخ ومشكلاته الأصلية ، البخارى هو السبب ، وإنتهت المشكلة ، ليس علينا سوى أن ننقى الأحاديث ، ناخد منها الفين ثلاثة ونرمى الباقى ، وأدينا بنتسلى ، كاتب آخر ربما أكثر شهرة صرح فى الفترة الأخيرة بأن العلمانية منتج أوربى لايلائم المجتمع المصرى ، قبل ذلك كان يرغى ويزبد ولايستطيع أحد أن يفهم إلى ماذا يريد أن يخلص ، الفرقعات الإعلامية كانت هى الهدف الأوضح ، صلاح الدين الأيوبى من أحقر شخصيات التاريخ والأجر على الله ، باحث فى الفلسفة يتعامل مع التاريخ فقط كمادة للشهرة ، وأخيراً قال العلمانية لاتناسبنا ، كأن سياق التاريخ الإنسانى ليس واحدا ، وكأن اليابانيون والهنود لم يتعلموا أبداً علمانية أوربا ، ولاحتى طلبة البعثات المصرية فى عهد محمد على قد عرفوا شيئاً عنها ، أو ربما لإن مجال تخصصه هو الفلسفة الإسلامية وليس الأوربية ، إذن فالعلمانية الأوربية لاتناسبنا. وآخر مغمور أقل شهرة ، يقرر أن الإسلام هو العلمانية ، فقد ترك عمر بن الخطاب الأراضى فى يد أهلها ولم يوزعها على جنوده الغزاة ، وهكذا أصبح علمانياً ، وأصبح ألإسلام هو مؤسس العلمانية ، ليخلط بذلك فى سذاجة بين العلمانية والبرجماتية ، وكأن الإسلام قد أقر بحرية العقيدة وبفصل الدين عن الدولة ، وماهى سر مصائبنا إذن إذا كان الإسلام علمانياً ، وأخيراً يقفز فجأة إلى لاهوت التحرير المسيحى على أنه الحل الأمثل ، على خطى ستينات أمريكا اللاتينية ، يعنى من المسجد إلى الكنيسة فجأة ، وبدون فولتير ولاروسو ولاالأحداث والشخصيات الكبرى التى صنعت تاريخ العالم الحديث ، خلينا مع إستجداء العواطف الدينية ، فهذا هو طريق الشهرة الأسهل.
تسمح شاشات التليفزيون لكبار النجوم ، كما تسمح وسائل التواصل الإجتماعى للصغار أن يبثوا كل هذا الغثاء الفكرى بين شباب يعانى من جميع أنواع التمزق ، ويزداد الحال سوءً يوم بعد يوم فى مصرنا الحزينة ، لقد قاد أجدادنا صراع فكرى عنيف، ودفعوا بمصر إلى حافة عهد النهضة الأوربى من خلال فرسان التنوير طه حسين وسلامة وموسى ، وكل جيل ثورة 1919 الذى كان يعرف بالتأكيد ماذا تعنى النهضة والتنوير والتحرر الأوربى ، حتى عطل حسن البنا كل هذا بإعلان حركة الإخوان المسلمين سنة 1928 ، الثورة المضادة التى أدخلت مصر والمنطقة فى صراع دامى منذ ذلك الوقت وحتى اليوم . سياق التاريخ ألإنسانى واحد ، صراع أصولى علمانى تنتصر فيه العلمانية فى النهاية ، بتفكيك وسقوط الخطاب الدينى وليس بمهادنته ، ليسقط معه الإستبداد السياسى أيضا ، فقط إذا إبتعد مثقفى السبوبة والباحثين عن الشهرة عن المشهد، فربما نستطيع أن نكمل طريق طه حسين وسلامة موسى وزمانهم المعطل.